

فتحت "أبيلا" عينيها لتُحدق في ذلك السقف الغريب الذي لم تره من قبل فنهضت بفزع، سمعت حديثَ شخصان خارج الغرفة التي هي بها، فقامت من الفِراش لتنظر خلف الباب لمن كانا يتحدثان معا فتتسع حدقتاها بدهشة. - ... كان شابًا مشبوهًا حتمًا... لكنه فقط سلّم... - "إيلا"؟! أفقتِ أخيرا؟ قاطع الضابط "جايدن" حديث "أكسِل" بنظرةٍ مندهشة وقد ارتفعت اطراف شفتيه وتبسمت عيناه سائلا من كانت تتلصص عليهما خلف "أكسِل"، فالتفت نحوها "أكسِل" بابتسامة هو الآخر. خرجت "أبيلا" من مخبئها ووقفت أمامهما، رأى "جايدن" تلك الطفلة التي لم يرها منذ أعوامٍ أخيرا أمام عينيه بل وقد هزل جسدها كثيرا، فاقترب منها ببطيء وفتح بذراعيه الواسعتين ليضمها إلى صدره بدفء، انعقد حاجبيه بابتسامة متألمة: - اه "إيلا"! لكم اشتقت لكِ يا فتاتي الصغيرة. لم تنطق "أبيلا" بشيءٍ أو حتى ترد عناق والدها بالتبني، واكتفت بإنزال نظرها متحاشية حتى النظر لعيني من وقف أمامها وتبسم ابتسامته المعتادة. *** [قبل عدة ساعات أنزل "أنتين" يده التي بها السلاح وحدّق بذلك الصبي الذي رأى الحزم في نظرته والثبات بشدة بالرغم من عدم وجود ما يُؤيد موقفه: - "أبيلا" من هو؟ - إنه مجرد زميلٍ من المدرس... قاطع "أنتين" حديثها بضربه لها على ظهر رقبتها بمسدس لتفقد وعيها، فانفعل "أكسِل": - أيها الوغد! ما الذي تفعله؟ - خُذها.. - هاه.. انتظر! أسرع "أكسِل" في الإمساك ب"أبيلا" والتي دفع بها "أنتين" عليه ثم ابتعد راكضا للأسفل، ليتجمد "أكسِل" بدهشة من فعلته تلك] - كان "أنتين" من أفقدني الوعي؟ سألت "أبيلا" متعجبةً وهي تمسح على رقبتها تتلمس الأثر الذي أصابها بفعل المسدس الصاعق، فأجابها "أكسل": - أجل، بعد أن أفقدك الوعي أخبرني بأن آخذك وركض آخذا سيارته بعيدا. - هو ليس في منزله الآن؟ أومئ الضابط "جايدن" مُنكرا: - لا، ليس موجودا، عندما كدتُّ أصل للموقع رأيت سيارته مغادرة من الزقاق ووجدتكِ مع "أكسل"، "إيلا" ذلك الشخص كان يحمل سلاحا ناريًا كما قال "أكسِل" وهذا يعني أنه رجلٌ خطرٌ لا محالة، وبما أنكما رأيتما ذلك السلاح ووجهه فقد يأخذ بحذَره منكما. نهض "جايدن" من مكانه وجثى أمام "أبيلا" التي كانت على الأريكة ليَنظر إلى عينيها مباشرة بينما في المقابل أشاحت "أبيلا" بعينيها بعيدًا عنه: - "إيلا" هل لكِ أن تنظُري لعيني والدكِ للحظة؟ لم يجد "جايدن" اجابة من طفلتِه، فأمسك بكفيها برفقٍ شديد: - هل أستطيع أن أطلب منكِ يا ابنتي البقاء مع والدكِ منذُ الآن. - لا! رفضت "أبيلا" مباشرة ودون تردد، نظرت لوالدها بحاجبين مقطبين لترى عينيه الحزينتين والمحبطة فأشاحت بنظرها مجددا والتزمت الصمت. - "إيلا" إن كنتِ لستِ بحاجتي، فأنا والدك "جايدن تشاغرين" بحاجتك، فهلا تأذنين لي بأن أكون أنانيا أخيرا؟ ... تركتكِ تفعلين ما تشائين لخمسة أعوام، أليس لي الحق في أن أطمع باحتِوائك الآن؟! سكتت "أبيلا" وأحكمت اغلاق شفتيها، بينما ظل "جايدن" على حاله لثوان ثم نهض مُتنهدا: - خُذي وقتكِ في التفكير رجاء وامنحيني إجابتك لاحقا... سأذهب لأُعد لكِ شيئا تأكلينه، فأنت لم تتناولي عشاءك بعد بحسب ظني. خرج "جايدن" من الغرفة ليتجه لمطبخ المنزل، فقام "أكسِل" من مكانه ليجلس بالقرب من "أبيلا" وأخرج من جيبه لوح شوكولاتة ليُناولها لها: - لم أحمل شيئا جيدا لكن... خذي هذه ريثما يُعد السيد "جايدن" العشاء... لقد نحلتِ كثيرا عن السابق. أخذت "أبيلا" لوح الشوكولاتة منه لكنها ظلت مُطأطئة نظرها للأسفل، فحدّق "أكسِل" بها بابتسامة محبطة، لكنه سرعان ما ابعد عنه الإحباط: - كيف كانت أحوالكِ؟.. خشيتُ حقا أن يصيبكِ مكروه منذ أن غادرتِ بتلك الطريقة، خصوصا كونكِ لم تخبري حتى والدك بالتبني. - ذلك أمرٌ لا شأن لك به... لكن... كنتُ بخير. أخذت "أبيلا" ثوان للإجابة على سؤاله، لكنها أجابته في الأخير، بينما ظل "أكسل" بابتسامته وأمال برأسه: - "أبيلا" لا شأن لي بالأمر حقا! لكن والدكِ السيد "جايدن" يعتز بوجودكِ كإبنة له، ولن يشعر يومًا أنكِ حملٌ عليه، كما... كان الأمر مؤلما حقا عندما غادرتِ هكذا دون سماع شيء مني، ربما البعض أساء لك لكن "أبيلا"... رفعت "أبيلا" رأسها أخيرا لتنظر إلى "أكسِل"، فأردف "أكسِل": - ... أنتِ لستِ وحيدة، فلا تتخلي عمن يعتزون بك. اندهشت "أبيلا" وقد نظرت إليه اخيرا لكنها أزاحت بعينيها بخجلٍ لم يُر عليها: - شكرا... - أنتِ صديقتي "أبيلا"، صحيح! "تورمي" أيضا يُلقي التحية عليك لقد غادر حتى لا يتم توبيخه من قِبل والديه... أتذكرينه؟! إنه ذاك القصير الذي دائما ما يكون معي، هو أيضا ساعد في إيجادك. - ذاك القصير؟! سألت "أبيلا" وأمالت برأسها بدهشة فهي لم تعتد أن ترى "تورمي" قصيرا، ليضحك "أكسل": - اه نسيت هو ليس بقصيرٍ بنظرِك. انثنت شفة "أبيلا" بابتسامةً بالرغم من كونها خفيفة إلا أنها أبهجت قلب "أكسل" حين رآها وطمأنته، لكنها بعد لحظات عادت لملامحها الهادئة: - أنت! - ماذا؟ - ماذا كنتَ تقصد؟ - أقصدُ ماذا؟ ... فكّر "أكسِل" بدهشة من سؤال "أبيلا" لكنه تذكر ما قاله لها قبل أن يأخذها: - اه إن كنتِ تقصدين ما قلتُه آنذاك؛... أجل! أنا أعني كل كلمة قلتها، لا أفقه حتما لماذا يلومونكِ على خطأٍ مر عليه من الدهر ما مر، مهما أخطأ أي شخص منا فلا بأس إن مُنح فرصة أخرى حتى لا يُكرر خطأه، لذا فما الخطب في تقبّل كونكِ مجرمة سابقة ولم تعودي كذلك؟ قال "أكسِل" تلك الأمور والتي بنظره منطقية على عكس غيره وهو ينظر بجدية إلى "أبيلا" وكأنه أمر مُسلّم به. دار حديثهما بينما وقف "جايدن" خلف الباب يُنصت إليهما بوجهٍ متجهم. ارتسمت على محيا "أكسل" ابتسامة دافئة ليردف: - لذا "أبيلا" حتى وإن كنتِ مجرمة سابقة، فذلك خطأٌ كفّرتِ عنه وأمسى من الماضي. تجمدت "أبيلا" بنظرتها المتعجبة نحو صاحب الابتسامة تلك لثوان من شِدة ذهولها، ثم نزلت دمعة من عينها اليسرى على خدها، فاتسعت حدقتي "أكسِل" فزعا: - أ... "أبيلا" ماذا؟ أنا آسف إن... حاولت "أبيلا" مسح دمعتها وخبأت وجهها، فدخل والدها ووضع الطبق الذي بيده جانبا، ثم اقترب من ابنته وجلس بجانبها ليجذبها بكفه الكبيرة إلى حجرِه برفقٍ شديد: - لا بأس "أكسِل" إنها بخير، شكرا جزيلا لك. طمأن "جايدن" "أكسِل" ليتوقف ارتباكه ويتنهد: - حسنا سأخرُج للحظات. استأذن وخرج من المنزل ليقف عند عتبة الباب في الخارج بجمود للحظات ثم وضع بيُمناه على قلبه مُزفّرا بهدوء: ~ اه قلبي... منذ متى كان هذا الأحمق حسّاسا؟ هدّأ قلبه بعد أن كان ينبض بجنون، ثم أخرج هاتفه ليُرسل لصديقه "تورمي" يُخبره بأن "أبيلا" استيقظت وهي بخير، ثم أغلق هاتفه وتأمل السماء. *** [قبل ستة أعوامٍ خرجت الطفلة "أبيلا" من الإصلاحية بعد أن أمضت فيها شهرا وقد أُخبرت أن هناك من سيأخذها وهو من تكفل بكفالتها، لكنها لم تجلس في كراسي الانتظار، بل وقفت خارج الأبواب تنتظرُ من سيأخذها بتلك النظرةِ الفارغة التي أبدتها. - اه أنا آسف تأخرت. جاء رجلٌ من البعيد معتذرا، وانحنى أمام الطفلة مُتكئا بيديه على ركبتيه ليلتقط أنفاسه: - لقد... انشغلت... رفع رأسه لينظر إلى وجه الفتاة فجفل حين رأى تلك النظرة الميتة من طفلة بهذا العمر، والتي لم تُبدِ أي رد فعلٍ لوجوده أمامها أو حتى حديثهِ معها، أشفق بشدة على حالها لكنه تبسم مُدعيا أن كل شيء على ما يرام: - "أبيلا فاردي" أنتِ هي صحيح؟ لم تُجبه الطفلة، بل لم تحرك ساكنا، فمد بيديه نحوها ليحملها من خصرها ووقف بها ليرفعها عن الأرض: - "أبيلا" منذ الآن أنتِ "أبيلا تشاغرين" وأنا والدكِ بالتبني "جايدن تشاغرين". أخيرًا رمشتْ فضيّتي الطفلة "أبيلا" وبدت عليها الدهشة، حيثُ كان ذلك هو أول لقاء لها بوالدها بالتبني "جايدن". حملها "جايدن" على ذراعه وأخذها إلى السيارة ليضعها في المقعد الذي بجانب السائق ثم ربط لها حزام الأمان: - الآن نحن مستعدون للذهاب للمنزل. تحدث "جايدن" بنبرة بهيجة مُحاولا الترفيه عن "أبيلا" ثم ركب بمكان السائق: - تفضلي. أخرج "جايدن" من الأدراج أمامها حلوى مصاصٍ كبيرة وحلويات أخرى صغيرة ليُناولها الطفلة التي حدّقت بما قدمهُ لها بصمتٍ دون أدنى استجابة، لكنها مدت يديها وأمسكت بتلك الحلوى الكثيرة والكبيرة على يديها الصغيرتين، فتبسم "جايدن" وربط حزامه هو الآخر ليتحرك بالسيارة. وأثناء قيادة "جايدن" للسيارة لم يجد ما يُرفه به عن الطفلة وأصبح مرتبكا: - كيف تشعرين الآن "أبيلا"؟ هل هناك ما يؤلمك أو يزعجك؟ نظر "جايدن" إلى "أبيلا" بطرفِ عينيه بابتسامة، لكنه ما إن رأى تلك العينين الفارغتين تُحدّقان خلف النافذة ويديها الصغيرتين اللتين لا زالتا تُمسكان بالحلوى بنفس وضعيتها منذُ منحها إياها، أُزيحت الابتسامة من على وجهه وانثنت شفتيه للأسفل. *** استمرت "أبيلا" الصغيرة اثناء عيشها مع الضابط "جايدن" بتلك الطريقةِ الجامدة، فلم تكن تفعلُ إلا ما تؤمر بفعله من قِبلِه ولا تتحدثُ بتاتا، حتى أنه كان يأمرها بالذهاب لدورة المياه فإن لم يأمرها لن تذهب وستؤذي نفسها، كما بالكاد كانت تتناول طعامها، بالإضافة لذلك فقد لاحظ "جايدن" انها لا تأخذ نصابها الكافي من النوم والراحة وتستيقظ مبكرا، فقرر أخذها للمشفى ليطمئِن على حالها. - خارجيا فهي لم تتأذّ، لكنها ضعيفة جسديا لسوء التغذية، سيدي لماذا تهمل الطفلة بهذا الشكل؟ - لا لا لستُ أتعمد ذلك، أنا فقط تبنيتها مُنذ أسبوع... انتظر سأجلب لك وثيقة التبني. ارتبك "جايدن" وأجاب ذلك الطبيب مترددا، بينما أخرج هاتفه ليُقلب فيه، فحدّق الطبيبُ في عينيه بحذقٍ ثم تنهد: - لن تحرم الطفلة من الطعام وتجلبها للمشفى إن كنتَ أبًا سيئا. - حاولتُ جعلها تتناول الطعام بكُل السُّبل، لكنها لا تتناول إلا القليل مما أقدمه لها، حتى أنني جربتُ معها جميع أنواع الأطعمة ولم يكن هناك ما يفتح شهيتها. التفت الطبيب لينظُر لتلك الطفلة الجالسة على سرير الفحص وقد التزمت الهدوء والصمت وهي تنظرُ للأرض مطأطئة الرأس، حتى قدميها لم تُؤرجحهما كعادة الأطفال: - إنها بحاجة للمزيد من العاطفة أكثر من الأطفال العاديين، لا أعلم ما عاشته لكن يبدو لي وكأنها فقدت سببها للإستمرار في العيش. أبدى الضابط دهشته لوهلة ثم نظر إلى الطفلة مُحدثا نفسه باستياء: ~ وكأن ذلك جديد علي معرفته! أومأ بجفنيه ثم عاد بنظره للطبيب: - سأبذل ما بوسعي. - حاول الحديث إليها بالنزول لمقامها أو أقل، فكما رأيت أنها تنصاع لكل كلمة تُقال لها كأمر موجه لها؛ أي كواجب عليها أن تفعله لا شيئا ترغب هي بتنفيذه، كما أنصحك باستشارة طبيبٍ نفسي في حالتها. *** أعاد "جايدن" "أبيلا" للمنزل ثم وضعها على الأريكة وحكّ رأسه في حِيرة، لكنه نزل على رُكبتيه أمامها: - "أبيلا" هل هُناك ما يزعجكِ؟ لم تجبه "أبيلا" بشيء كالعادة، فسكن الإحباط قلبه، لكنه لم ييأس وحاول مجددا: - هل يمكنكِ أن تخبري والدك إن كان هناك ما تريدينه؟ أنا هنا لأجلكِ فقط. استجابت عيني "أبيلا" أخيرًا وأجابته بإيماءة منكرة تُشير بكونها لا ترغبُ بشيء، تبسم "جايدن" مجيبًا بسعادة لأنه وجد أخيرا استجابةً منها: - حسنا إن كنتِ لا ترغبين بشيء، فهل يمكنني أنا والدكِ أن أطلب منكِ صغيرتي كشخصٍ مُحب أن تتناولي طعامك؟ ... إنه لأجلك فقط وحتى تتحسن صحتك! فتحت "أبيلا" شفتيها الصغيرتين والتي جفت من قلة شرب الماء بدهشة ثم أومأت بالموافقة، لترتفع اطراف شفتي "جايدن" بابتسامة خفيفة. *** ذهب من بعدها "جايدن" لطبيبة نفسية دون أن يجلب معه "أبيلا"، مُكتفيا بطلب استشارة في كيفية تعامله معها حتى تتحسن، وبعد مدة أصبحت "أبيلا" تتناول المزيد من الطعام، بالرغم من كونه قدرا ضئيلا إلا أنه كان أفضل من السابق. ومع الوقت وتنفيذ "جايدن" لنصائح الطبيبة النفسية أصبحت "أبيلا" تُومئ له برغباتها وتُمسك بقميصه وتُشير له بما تريده، وذلك أبهج "جايدن" بشدة، فقد وجد أخيرا أن "أبيلا" قد أصبح لها رغباتها الخاصة وأصبحت تُعبر عنها بشكل جيد، لكنه كان حزينا لأنه لم يسمع صوتها يومًا. وفي يوم ما حين كانت "أبيلا" تقرأ قصة في جهازها اللوحي الخاص بها، ريثما يتجهز "جايدن" للخروج للعمل إذا به يسمع صوت سقوطِ شيء ثقيلٍ على الأرض، فأخذ بمعطفه الذي لم يلبسه بعد وركض مُسرعا إلى غرفة المعيشة حيث كانت "أبيلا" بقلق: - "إيلا" ما الذي حدث؟ وجد "أبيلا" متقوقعة على نفسها وجهازُها اللوحي على الأرض قد خُدشت شاشته، ففزع من تلك الحال التي رآها بها. *** Fuyume
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!