

كانت تيلوريا يومًا مملكةً واحدة. امتدت أراضيها على مساحاتٍ واسعة، وتوزعت مدنها وقراها بين السهول والجبال والغابات، تجمعها رايةٌ واحدة، ويحكمها تاجٌ واحد.لم تكن الحدود تعرفها أرضها، ولم يكن أهلها يعرفون إلى أي جهةٍ ينتمون سوى تيلوريا.عاشت المملكة سنواتٍ طويلةً من الاستقرار، حتى أصبحت وحدتها أمرًا لا يخطر على أحدٍ أن يتساءل عن بقائه.لكن الممالك لا تبقى على حالها إلى الأبد. بدأت الخلافات صغيرة؛ اختلافاتٌ في الحكم، وتباينٌ في المصالح، ونزاعاتٌ حول السلطة والأرض. ولم يكن أحدٌ يتخيل أن تلك الخلافات ستكبر يومًا لتصبح سببًا في انقسام مملكةٍ كاملة،ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين أهل تيلوريا.صار لكل جانبٍ رؤيته الخاصة، ومصالحه التي يريد حمايتها، وطريقته في النظر إلى مستقبل المملكة،وحين لم تعد الخلافات تجد مكانًا لها تحت تاجٍ واحد، حدث ما لم يتخيل أبناء تيلوريا أن يروه يومًا... انقسمت المملكة أخذ كل طرفٍ جزءًا من الأرض، وارتفعت رايتان بعدما كانت رايةٌ واحدة، وتوّج ملكان بعدما كان العرش واحدًا،ومن ذلك الانقسام وُلدت مملكتان: أورورا و فيسبيرا في البداية، لم يكن الانفصال يعني بالضرورة الحرب، بقيت بين المملكتين طرقٌ قديمة، وذكرياتٌ مشتركة، وعائلاتٌ امتدت جذورها في الأرضين معًا لكن ما كان يومًا اختلافًا بين أبناء وطنٍ واحد، أصبح شيئًا فشيئًا منافسةً بين مملكتين، تنافستا على النفوذ، وعلى الأراضي، وعلى ما تبقى من إرث تيلوريا، ثم جاءت الخلافات، وتبعتها النزاعات. ثم الحروب ومع كل حرب، أصبح الرجوع إلى ما كان عليه الحال أصعب، توارث الأبناء حكايات آبائهم، وتناقلوا انتصاراتهم وخساراتهم، حتى لم يعد الماضي مجرد تاريخٍ قديم، بل أصبح جزءًا من هوية كل مملكة.كبرت الكراهية مع الأجيال، حتى نسي كثيرون أن الأرض التي يقفون عليها كانت يومًا واحدة. عروشٌ قامت فوق رماد المعارك، والسيوف توارثتها الأيدي كما تتوارث العائلات أسماءها، وقلوبٌ تعلّمت أن تكره قبل أن تتعلم أن تعرف، ومع مرور السنين، هدأت أصوات الحرب قليلًا... لكن العداء لم يهدأ فبعض الحروب تنتهي حين تُغمد السيوف، وبعضها يستمر في قلوب من ورثوها، وكان في كل جانبٍ من المملكتين من يرى أن الماضي يجب أن يبقى كما هو، وأن ما حدث قبل أجيالٍ يكفي ليحدد من يكون الصديق ومن يكون العدو. لكن لم يكن الجميع يؤمن بذلك ففي مكانٍ بعيد عن القصور، حيث لا تصل أعين الحرس ولا أوامر الملوك، كان هناك شخصان يلتقيان سرًا، لم يكونا يجهلان ما فعلته الحرب، ولا ما تركته خلفها.كانا يعرفان أن الكراهية التي ورثاها لم تكن من صنعهما، وأن الماضي الذي يُطلب منهما حمله لم يكن يومًا اختيارهما.لم ينظرا إلى الحرب كحكايةٍ مجيدة تُروى في قصور الملوك، ولا إلى العداء كإرثٍ يجب أن يُحفظ لمجرد أنه قديم كانا يؤمنان بأن دماء من سقطوا لا تعيدها دماءٌ جديدة، وأن انتصار أحد العرشين لا يعني بالضرورة أن العالم قد انتصر. لكن تغيير ما ورثه المرء ليس أمرًا يسيرًا، خصوصًا حين يكون ذلك الإرث هو الشيء الوحيد الذي عرفه الجميع ولهذا بعيدًا عن رايات المملكتين وسيوف الجنود كانا يلتقيان سرًا في ستر الليل و هدوء النسيم... وخلف قصر الملك أورزوف ملك مملكة فيسبيرا، بعيدًا عن صخب القاعات وبرودة العرش، امتدت دفيئةٌ تحيط بها الزهور من كل جانب.كانت رائحة الورد تعبق في أرجائها تختلط برائحة الأرض الرطبة وعبق النباتات النادرة التي جُلبت من أراضٍ بعيدة في ذلك المكان حيث تخفت أصوات الحرس وتصبح جدران القصر خلف الأشجار كان الليل أكثر هدوءًا وتحت ضوء القمر المتسلل من ألواح الزجاج، لم تكن روز درافين وحدها كان ارثر هناك أيضًا.ارثر دي فالمونت ابن الملك إدموند دي فالمونت ملك مملكة اورورا وكأن الليل نفسه حفظ سرّ لقائهما، مرةً أخرى