

كانت روز تجلس على حافة النافورة، وقد انعكس ضوء القمر على ملامحها الهادئة، فكشف عن جمالٍ يصعب أن يُحصر في وصفٍ واحد جمالٌ يجمع بين البراءة والنعومة والفتنة في آنٍ واحد، كأن ملامحها لم تعرف القسوة قط،كانت بشرتها بيضاء نقية كثلجٍ لم تمسّه قدم، تزداد صفاءً تحت الضوء الفضي المنسكب من السماء. وشفتاها بلونٍ أحمر فاقع يشبه بتلات زهرة الخشخاش القرمزية لونٌ طبيعي يضفي على وجهها مسحةً من الحياة وسط هدوء الليل.وانساب شعرها الأشقر حول كتفيها ناعمًا وحريريًا كخيوط الشمس المصقولة، تتخلله خصلات رقيقة تحركها نسمات الدفيئة، فتنساب حول وجهها كأنها خيوط من حريرٍ ذهبي التقطت ضوء القمر الصاطع أما عيناها الزمرديتان، فكانتا أكثر ما يلفت النظر إليها صافيتين وواسعتين، تحملان براءةً هادئة تخفي خلفها عقلًا يعرف أكثر مما تُظهره ملامحها كانت تراقب الرجل أمامها بهدوء، وفي ملامحها رقة لا تخفي القلق الذي يسكن خلفها. وأمامها وقف آرثر، شابًا يحمل في مظهره أناقةً ملكية لم تكن بحاجةٍ إلى تاجٍ لتُثبتها. كان شعره الذهبي الناعم مرتبًا بعفوية، تتناثر بعض خصلاته حول جبينه، بينما رسم فكه الحاد وملامحه المتناسقة هيئةً تجمع بين وسامة الشباب وهيبة رجلٍ نشأ على مقربة من العرش. وكانت عيناه الزرقاوان عميقتين، بلونٍ يميل إلى زرقة الياقوت الداكن هادئتين حين يصمت، وحادتين حين يفكر، وفيهما ثقةٌ لا تخلو من دفء. وحين تكلمت، خرج صوتها لطيفًا كنسمةٍ تمر بين أزهار الدفيئة؛ آرثر؟ ماذا تفعل؟ لقد وعدتني أنك ستجد طريقةً ما لإنهاء هذا كان آرثر منحنياً على إحدى ركبتيه يلتقط بتلاتٍ سقطت على الأرض من وردة قريبة. ابتسم بثقة، دون أن يجيب. ثم نهض ببطء واستدار نحوها توقّف لحظة ثم قال: لم أعدكِ بشيء.. اتسعت عينا روز وارتجف الهدوء في ملامحها كأن كلماته سحبت منها آخر خيطٍ من الأمل لكن آرثر لم يترك لها وقتًا لتخاف. عاد وانحنى أمامها راكعًا على ركبةٍ واحدة ثم فتح كفّه ووضع بتلات الزهور التي التقطها في يديها تأملها لحظة وقال بهدوء: انظري إليها... بتلاتٌ متفرقة لا تبدو كشيءٍ كامل حين تسقط كل واحدةٍ منها وحدها لكن حين تجتمع... تستعيد شكل الزهرة رفع عينيه إليها، وابتسامته مطمئنة ...هكذا نحن لا أريد أن أقول إنني سأغيّر كل شيء وحدي... ثم أغلق أصابعها برفق حول البتلات ...لقد تعاهدنا معًا أن نحرر آباءنا من أحقاد الماضي. نحن معًا يا روز لا أريد أن أنسب هذه الرغبة العظيمة لي وحدي بينما تضع أميرتي كل قلبها وعقلها في هذا اللقاء سكت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر ثباتًا: ...ما ورثناه لم يكن اختيارنا... لكن ما سنتركه خلفنا، يمكن أن يكون كذلك احمرّ وجه روز، وانخفض بصرها إلى البتلات المستقرة بين كفّيها ظلت لحظات صامتة وكأنها لم تعرف أيّ الكلمات تختار ثم همست بخجل: أميرتي... رفعت عينيها إليه سريعًا، وكأنها أدركت ما قاله، ثم أعادت الكلمة بصوت أخفض: أميرتي... ثم عقدت حاجبيها، وقالت بنبرة مرحة يغلب عليها الانزعاج: هل تحاول التهرّب من الإجابة؟ ابتسم آرثر بمكرٍ لطيف، وقال: هل أفعل؟ ازداد وجه روز احمرارًا فعبست وأشاحت بنظرها عنه ضحك آرثر ثم نهض مجددًا وما لبثت ملامحه أن عادت إلى الجدية و لبث: ...ما زلت أخبر أبي بأهمية إنهاء الخلافات مع الملك أورزوف. صحيح أنني ابنه الوحيد، ولكن ذلك لا يعني أن مكانتي ستغيّر قراراته أو تملي عليه رغباته، ولا سيما في أمرٍ كهذا توقّف قليلًا ثم تابع بصوتٍ هادئ يحمل ثقل ما يقوله: ...الملك يرى أن طيّ صفحة العداء بين المملكتين، ولا سيما أن تأتي المبادرة من جانبنا قد يُفسَّر على أنه تنازل عن كرامتنا أو اعترافٌ بالضعف أمام خصمٍ ظلّ خصمًا لأجيال نظر إليها بثبات وأنتِ أكثر من يفهم معنى ذلك أظن أن الملك اورزوف يرى الأمر بالمنظار ذاته فالملوك لا يرثون العروش وحدها بل يرثون معها حروبًا لم يخوضوها ووعودًا لم يقطعوها وأحقادًا لم تكن يومًا لهم و كبرياء ممالك امتدت لاجيال سكتت روز لحظة وقد انعقد العبوس على وجهها من جديد ثم قالت: غير صحيح...الكراهية لا تتوارث.....لذالك انا و انت هنا....... نضرت له بنعومة حازمه تحمل امل حقيقي و قرار ثابت ثم خفضت عينيها إلى البتلات في يديها وأضافت بتنهيدةٍ ضجرة: أبي ينزعج أيضًا كلما ذكرتُ أمر مملكة أورورا... ابتسم آرثر بثقة ونظر إلى روز نظرةً هادئة كأن فكرةً ما قد استقرت في ذهنه أخيرًا لديّ حل. سأعرضه على أبي اقترب منها بضع خطوات، ثم تابع: ....إنه رجلٌ شديد الكبرياء، عظيم الاحترام لقرارات الآخرين في الوقت ذاته يحترم التاريخ والإرث ويتمسّك بما تركه الأجداد خلفهم لكنه يقدّر الشباب، ويكره أن يقف في طريق مستقبلهم ظلت روز صامتة تحدّق فيه بنعومة و توتر طفيف و لاكن امل اكثر اقترب آرثر أكثر حتى لم يعد بينهما سوى خطوات قليلة قالت روز وقد غلبها الفضول: إذن... ما هو الاقتراح؟ ارتسمت على شفتي آرثر ابتسامةٌ فاتنة وقال بثقةٍ هادئة: أنتِ الحل. اتسعت عينا روز دهشةً و حيرة اكثر وقبل أن تتمكن من السؤال ركع آرثر أمامها مجددًا على ركبةٍ واحدة، ورفع عينيه إليها كانت ابتسامته هذه المرة مختلفة أكثر دفئًا وأكثر جدية ثم قال بصوتٍ خافت، كأنه لا يريد للعالم كله أن يسمع جوابه إلا هما: هل تتزوجينني؟
2 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!