

لم أكن أؤمن يومًا بأن بعض الأيام يمكن أن تغيّر حياتنا بالكامل. كنت أظن أن التغييرات الكبيرة تحتاج إلى شيء كبير يسبقها؛ حادثٍ مفاجئ، خبرٍ صادم، أو قرارٍ مصيري نتخذه ونحن نعرف تمامًا أنه سيقلب كل شيء رأسًا على عقب. لكنني كنت مخطئة. ففي ذلك اليوم، لم يحدث شيء يستحق أن أتذكره في البداية. كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً، وكنت أقف خلف طاولة المقهى أرتب الأكواب للمرة الثالثة، فقط لأنني لم أجد شيئًا آخر أفعله. "مايا، الطاولة رقم سبعة." رفعت رأسي نحو زميلتي، ثم نظرت إلى الصينية الموضوعة أمامي. "أنا؟" نظرت إليّ وكأنها على وشك أن تضحك. "لا، الطاولة نفسها بتقوم وتأخذ الطلب." ابتسمت رغمًا عني. "حاضر." التقطت الصينية واتجهت نحو الطاولة، وأنا أحاول ألا أتعثر بسبب الإرهاق الذي بدأ يتسلل إلى قدمي منذ ساعات. لم يكن العمل في المقهى هو الشيء الذي حلمت به يومًا، لكنه كان الشيء الذي أستطيع فعله. اثنان وعشرون سنة فقط، ومع ذلك كنت أشعر أحيانًا بأنني عشت أكثر مما ينبغي. ربما لأنني تعلمت منذ وقت مبكر أن الحياة لا تسألنا إن كنا مستعدين قبل أن تلقي بأعبائها فوق أكتافنا. وضعت الطلب أمام الزبون بابتسامة اعتدت رسمها على وجهي حتى في الأيام التي لم أكن أملك فيها سببًا واحدًا للابتسام. "تفضل." أومأ الرجل دون أن ينظر إليّ، فعُدت إلى مكاني. كان شعري البني ينسدل على كتفي، وقد بدأت بعض خصلاته تزعجني بعد ساعات العمل الطويلة، فرفعتها خلف أذني وأنا أتنهد. "باقي ساعتين." تمتمت لنفسي وأنا أنظر إلى الساعة. ساعتان فقط. ثم أعود إلى المنزل، أخلع حذائي، وأرمي نفسي على السرير وكأنني خضت معركة. ابتسمت للفكرة. لكن قبل أن أصل حتى إلى تلك اللحظة، كان عليّ أن أعيش أكثر يوم عادي في حياتي. أو هكذا كنت أظن. خرجت من خلف الطاولة حاملة كوبين، واتجهت نحو الجهة الأخرى من المقهى. كان المكان مزدحمًا بشكل غير معتاد، والأصوات تختلط مع بعضها حتى أصبح من الصعب تمييز حديث شخص عن آخر. خطوت إلى الأمام. ثم اصطدمت بشخص ما. "آه!" اهتزت الصينية بين يدي، وسقط أحد الكوبين على الأرض، بينما اندفع الآخر قليلًا وكاد يسقط هو الآخر. رفعت رأسي بسرعة. "أنا آسفة، لم—" توقفت. كان الرجل أمامي ينظر إلى هاتفه الذي سقط من يده. ثم رفع عينيه نحوي. وفي تلك اللحظة، لم أعرف لماذا شعرت بأن شيئًا ما قد تغير. لم يكن الأمر متعلقًا بمظهره، رغم أنه كان من الصعب تجاهل حضوره. كان طويلًا، عريض الكتفين، وشعره الأسود مرتب بطريقة جعلته يبدو وكأنه لم يبذل أي جهد ليبدو بهذا الشكل. أما عيناه الداكنتان فكانتا ثابتتين عليّ بصمت، وكأنهما تحاولان معرفة إن كنت سأهرب أم سأبقى. نظرت إلى الهاتف الموجود على الأرض. ثم إليه. ثم عدت إلى الهاتف. "أوه، لا..." انحنيت بسرعة والتقطته قبل أن يسبقني إليه. ناولته إياه بكلتا يديّ. "أنا آسفة جدًا، لم أقصد. أنا حقًا لم أرك." أخذ الهاتف مني، ونظر إلى شاشته. تجمدت. "هل... انكسر؟" لم يجب فورًا. كانت هناك شقوق واضحة على الشاشة. ابتلعت ريقي. "أظن أنني... أستطيع دفع تكاليف إصلاحه." رفع عينيه نحوي مجددًا. ولسبب ما، شعرت أنني قلت أسوأ شيء ممكن. "تستطيعين؟" "نعم." نظر إلى ملابسي ثم إلى المكان من حولي،ثم اعاد نظره الي.فقلت: "حسنًا... ليس الآن، أقصد." نظرت إلى الهاتف مرة أخرى. "لكنني سأدفع." ساد الصمت بيننا لثوانٍ. ثم قال بهدوء: "هذا الهاتف أغلى من راتبك." رمشت عدة مرات. "أعرف." ثم أضفت بسرعة: "لكنني لم أقل إنني سأدفعه اليوم." ولأول مرة، رأيت ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه. لم أفهم سببها. ولم أفهم أيضًا لماذا شعرت بالارتباك فجأة. مد يده بالهاتف أمامي. "إذن كيف ستدفعينه؟" نظرت إلى يده. ثم إليه. "لا أعرف." تنهدت. "لكنني سأجد طريقة." لم أكن أعرف أن تلك الجملة البسيطة ستقودني إلى سلسلة من الأحداث التي لم أكن مستعدة لها. ولم أكن أعرف أن الرجل الذي وقفت أمامه في ذلك المساء، وأنا أشعر بالإحراج بسبب هاتف محطم... سيصبح جزءًا من أكثر ذكرى أتمنى لو استطعت نسيانها. لكنني في ذلك الوقت لم أكن أعرف شيئًا. كنت فقط مايا. فتاة في الثانية والعشرون من عمرها، تعمل في مقهى صغير، وتحاول أن تعيش يومها كما تستطيع. وكان هو مجرد غريب اصطدمت به بالخطأ. على الأقل... هذا ما اعتقدته في البداية.