

في اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر بأن ليلة الأمس لم تكن حقيقية. بقيت للحظات أحدق في سقف غرفتي، أحاول استعادة تفاصيلها واحدة تلو الأخرى؛ آسر واقف أمام باب منزلي، ملامحه المتعبة، الجرح في ذراعه، وعبارته التي لم تفارق رأسي طوال الليل. لو عرفتِ الحقيقة، ربما ستكرهينني. جلست على السرير ومررت يدي على وجهي. "وما الذي فعلته حتى أكرهك؟" لم يجبني أحد بالطبع. نظرت إلى هاتفي، فوجدت رسالة منه وصلت قبل دقائق. آسر: صباح الخير. لا تقلقي، أنا بخير. حدقت في الشاشة طويلًا قبل أن أكتب: مايا: أنت متأكد؟ جاء الرد سريعًا. آسر: نعم. ثم بعد لحظات: آسر: وشكرًا لأنكِ لم تسأليني كثيرًا بالأمس. عبست. مايا: بالعكس، أنا سألتك. أنت الذي لم تجب. ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت. آسر: ربما في يوم ما سأجيبك عن كل شيء. وضعت الهاتف بجانبي. كان من المفترض أن أشعر بالفضول، وربما بالغضب، لكنني شعرت بشيء آخر. الشفقة. ربما كان آسر يحمل أشياء أكبر مما يستطيع الحديث عنها. ربما لم يكن غامضًا لأنه يريد إخفاء شيء سيئ، بل لأنه لم يجد شخصًا يستطيع الوثوق به. وهنا ارتكبت أول خطأ. صدقته. بعد الظهر، ذهبت إلى المقهى كعادتي، وحاولت أن أنشغل بالعمل. لكن حين دخل أحد الزبائن وبدأ يتحدث عن عائلة آسر، توقفت يدي للحظة. كان رجلًا في منتصف العمر، يتحدث مع صديقه عن إحدى الشركات الكبيرة التي تحمل اسم عائلة آسر. "سمعت أن ابنهم عاد للظهور بعد سنوات." رفعت رأسي دون قصد. "أي ابن؟" سأل صديقه. "لا أعرف التفاصيل، لكنك تعرف القصة القديمة..." خفض الرجل صوته، فلم أسمع بقية الحديث. شعرت بقلبي ينبض بسرعة. القصة القديمة. نفسها التي أخبرني عنها آسر. ترددت قبل أن أقترب، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. لم أرد أن أتنصت أكثر، ولم أرد أن أبحث عن شيء لم يخبرني به بنفسه. لذلك عدت إلى عملي. لكن تلك الكلمات بقيت معي حتى نهاية الدوام. حين خرجت، وجدت آسر ينتظرني. ابتسم فور أن رآني، وكأن شيئًا لم يحدث. "مرحبًا." "مرحبًا." تأملت وجهه للحظات. "كيف ذراعك؟" رفعها قليلًا. "أفضل." "جيد." سكتنا قليلًا، ثم قلت: "سمعت شيئًا اليوم." تغيرت ملامحه للحظة قصيرة جدًا. لكنني لاحظت. "ماذا سمعتِ؟" "عن عائلتك." بقي صامتًا. ثم قال: "وماذا قالوا؟" "لا شيء مهم." نظر إليّ طويلًا، وكأنه يحاول معرفة ما إذا كنت أخفي عنه شيئًا. ثم تنهد. "مايا، هناك أشياء في عائلتي من الأفضل ألا تعرفيها." "لأنها خطيرة؟" "لأنها لن تغيّر شيئًا." "كيف تعرف؟" اقترب خطوة، ثم قال بهدوء: "لأنني أعرفك." ابتسمت رغمًا عني. "وهذا جواب سيئ." "لكنه حقيقي." نظرت إليه، وشعرت بذلك الأمان الغريب يعود إليّ مرة أخرى. ذلك الشعور الذي جعلني أنسى كل الأسئلة. كل التحذيرات. وحتى الجرح الذي ظهر به أمام باب منزلي. لم أكن أعرف أن بعض الأكاذيب لا تحتاج إلى أن تكون كاملة حتى نصدقها. يكفي أن تأتي من الشخص الذي اخترنا أن نثق به.
4 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!