

مرّت ثلاثة أيام منذ تلك الليلة، ولم يحدث شيء يستحق أن يجعلني أشعر بالخوف. وهذا تحديدًا ما جعلني أشعر بالخوف أكثر. آسر عاد إلى طبيعته، أو على الأقل هذا ما حاول أن يظهره. كان يتحدث معي كعادته، يرسل لي رسائل في الصباح، ويسألني عن عملي، وأحيانًا يتصل بي في المساء لمجرد أن يسمعني أتذمر من يومي الطويل. حتى ذراعه بدأت تتحسن، وكلما سألته عن الجرح اكتفى بابتسامة قصيرة وقال إنه بخير. لكنني لم أستطع نسيان تلك الليلة. ولا الدم. ولا الطريقة التي وقف بها أمام باب منزلي وكأنه كان هاربًا من شيء. في مساء الخميس، كنت أرتب بعض الأشياء في المقهى حين دخل آسر فجأة. رفعت رأسي إليه وابتسمت. "لم تخبرني أنك قادم." "لو أخبرتكِ، لما كانت مفاجأة." "ومن قال إنني أحب المفاجآت؟" جلس على إحدى الطاولات وقال: "أنا." ضحكت وأنا أضع كوب الماء أمامه. "ثقة غريبة." "وأنتِ كثيرة الكلام." "وأنت مزعج." ابتسم. للحظات، بدا كل شيء طبيعيًا جدًا. ثم رن هاتفه. تغير وجهه فورًا. لم يجب. ظل الهاتف يهتز فوق الطاولة، بينما بقي هو ينظر إلى الشاشة وكأن الاسم الظاهر أمامه يحمل شيئًا لا أستطيع رؤيته. قلت: "لن تجيب؟" "لا." "ربما الأمر مهم." رفع عينيه إليّ. "إنه ليس كذلك." توقف الهاتف. بعد ثوانٍ، وصلته رسالة. نظر إليها، ثم أغلق الشاشة ووضع الهاتف في جيبه. كنت أراقبه دون أن أشعر. "من كان؟" "لا أحد." ضيقت عيني. "لا أحد يرسل لك رسائل؟" ضحك بخفة، لكنه لم يجب. "آسر." "ماذا؟" "أنت تكذب." ساد الصمت. لم أتوقع أن يتوقف بهذه الطريقة. ظل ينظر إليّ، ثم قال بهدوء: "أحيانًا، تكون بعض الأكاذيب أفضل من الحقيقة." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. "هذا ليس جوابًا." "أعرف." نهض من مكانه. "هل تريدين أن نخرج؟" نظرت إليه باستغراب. "الآن؟" "نعم." ترددت، ثم وافقت. خرجنا من المقهى وسرنا قليلًا في الشارع. لم نتحدث عن المكالمة مرة أخرى، لكنني كنت أشعر بوجودها بيننا، كأنها شخص ثالث يمشي معنا. بعد دقائق، توقف آسر فجأة. نظرت إليه. "ماذا حدث؟" كان ينظر إلى الجهة المقابلة من الشارع. اتبعت نظره. لم أرَ شيئًا سوى السيارات والمارة. "آسر؟" عاد بنظره إليّ. "لا شيء." "أنت تفعلها مجددًا." "ماذا؟" "تقول لا شيء عندما يكون هناك شيء." ابتسم ابتسامة صغيرة. "ربما لأنني لا أريد أن أخيفك." نظرت إليه طويلًا. ثم قلت: "أنا لست خائفة." لم يجب. وفي اللحظة نفسها، مرّت سيارة سوداء ببطء أمامنا. توقفت أنفاسي. كانت السيارة نفسها. أمسك آسر بيدي وسحبني خطوة إلى جانبه، ثم بقي يراقبها حتى اختفت في نهاية الشارع. هذه المرة لم يقل لي ألا أنظر. لكنه لم يحتج إلى ذلك. كنت قد رأيتها. وحين التفت إليه، رأيت شيئًا في عينيه جعل السؤال يخرج مني دون تفكير: "آسر... هل هذه السيارة تراقبك؟" لم يجب. فقلت بصوت أخفض: "أم أنها تراقبني أنا؟" رفع عينيه إليّ. ولأول مرة... لم يقل لا شيء.
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!