

في تلك القاعة الواسعة المصنوعة من الزجاج، حيث كانت مختلف أنواع النباتات موجودة تزين المكان بأكمله، اجتمع عدد كبير من النبلاء لكي يلقوا نظرة على تلك النباتات الجميلة والنادرة.. كان هناك أيضًا عدد من البستانيين يقفون بجانب أفضل النباتات التي اعتنوا بها.. مع مزيج من أصوات الدهشة والانبهار من النبلاء وهم يمرون من كل بستاني ويرون جمال نبتته المميزة في ذلك المنزل الزجاجي.. عمّ الصمت بعد المرور بجانب ذلك البستاني.. لم يعد هناك أي صوت يعبر عن الاندهاش، مجرد صمت قاتل.. مع شهقات صدمة والارتباك وهم يتأملون تحفة ذاك البستاني.. كانت مجموعة أزهار ميتة بلون بني داكن وأوراق متساقطة.. الذي فهمه النبلاء من ذاك البستاني الشاب.. بأنه يكره هذه النباتات بشدة.. …. في هذا العالم المليء بالنباتات والأزهار الجميلة والرائعة.. أصبح هناك طريقتان لتثبت قيمتك ومقامك.. أولها هي النباتات التي تمتلكها.. كلما كانت نباتاتك نادرة، كلما ارتفعت قيمتك في نظر الناس.. والثانية هي معاملتك للنباتات.. كلما كانت معاملتك ممتازة، كلما زادت قيمتك في نظر أصحاب النباتات.. ولكن ماذا لو لم تكن جيدًا في أحد هذين الاثنين؟ ماذا لو لم تمتلك نباتات نادرة ومميزة؟ وماذا لو لم تكن معاملتك لها كبستاني مثالية؟ هناك الكثير من الاحتمالات، ولكن بالنسبة للبستاني فالاحتمال واضح وضوح الشمس… كلما كنت سببًا في موت نبتة.. كلما زادت عقوبتك ونزلت قيمتك.. العقوبة بسيطة ما لم تكن النبتة نادرة.. ربما يحرمك سيدك من الطعام لبضعة أيام… ولكن ماذا لو كانت النبتة نادرة؟ آسفة ولكن الأمر مضحك بعض الشيء.. إذا ما حدث شيء لتلك النبتة النادرة، يوجد احتمال كبير أن سيدك سوف يسحب سكينًا حادًا ويطعنك.. هذه النباتات مهمة جدًا بالنسبة له.. لهذا من الأفضل لك أن تعاملها بحذر شديد ولطف.. لأن هذه النباتات أثمن ما يملك… …. في أحد بيوت أهم العائلات النبيلة.. عاش هناك الكثير من البستانيين.. والسبب كان عدد المنازل الزجاجية التي يمتلكونها.. كانت هذه العائلة تتميز بالنباتات النادرة لديها، وأكثر ما كان يميزهم ليس فقط أزهارهم بل عددها الهائل.. كانت تلك العائلة تمتلك خمسة بيوت خضراء، وتم اختيار أفضل خمسة بستانيين في المدينة لكي يرعوا النباتات الخاصة بهذه البيوت الخضراء.. ولكي يستمر عمل البستانيين الرائع، كان البستاني يعلم زوجته وأبناءه طريقة رعاية النباتات الخاصة بالعائلة.. وببساطة، كل منزل أخضر ينتمي لعائلة البستاني، ويتم تناقل العمل بينهم إذا ما حدث أي شيء للبستاني… عائلة من البستانيين تخدم نباتات العائلة النبيلة المالكة للنباتات.. …. في البيت الزجاجي الرابع عاشت هناك الأم البستانية وابنها الصغير الذي يبلغ من العمر سبع سنوات.. بدأت الأم العمل كبستانية بعد وفاة زوجها الذي كان يحمل اسم البستاني الخاص بالبيت الزجاجي الرابع.. ولحسن حظها، لطالما كانت تعتني بمختلف أنواع النباتات في بيتهم القديم قبل أن يقبل زوجها مهمة العمل في منزل العائلة النبيلة هذه.. سبب ترك زوجها للبيت الزجاجي الخاص بهم هو إعجابه المسبق بالنباتات التي تمتلكها هذه العائلة، ولم يستطع رفض طلبهم له بالاعتناء بالنباتات الخاصة بهم.. عندما حصل زوجها على الوظيفة، كان ابنها الصغير يبلغ من السن خمس سنوات.. وعكسها، هي لم تمانع ترك نباتاتهم والبدء بالاعتناء بالنباتات هنا.. ابنها كان متعلقًا جدًا بالنباتات التي كانت في بيتهم القديم ورفض فكرة تركها.. كان صغيرًا جدًا، ولكن الحب الذي كان يحمله تجاه تلك النباتات كان أكبر منه بكثير.. بينما كانت أمه تسقي الأزهار، كان ابنها يقرأ كتابًا خارج المنزل الزجاجي.. نظرت إلى ابنها الذي يجلس وحده في الخارج والطيور الصغيرة تنزل بجانبه، لأن هدوءه وتركيزه الشديد مع الكتاب جعله أشبه بزهرة صغيرة. ابتسمت والدته من بعيد وتوقفت عن سقي الأزهار.. وبهدوء خرجت من المنزل الأخضر وتسللت إلى ابنها الصغير.. رفعت مرش النباتات وسكبت بعض قطرات الماء على رأسه الصغير.. فزع ورفع رأسه بسرعة بينما تنحى جانبًا.. نظر إلى أمه بملامح مصدومة وعقد حاجبيه وصرخ: “أمي؟! ما الذي تفعلينه؟ لقد ابتل رأسي وكتابي!” غطت فمها وضحكت بخفة، نزلت لمستواه وقالت بينما تربت على رأسه: “أوه آسفة! لسبب ما ظننت أنك زهرة صغيرة.. تركيزك الشديد مع الكتاب جعلك لا تتحرك أبدًا، لذلك لم أظن أنك لست زهرة صغيرة لطيفة.” فتح فمه بتفاجؤ من كلامها وخفض رأسه بيأس من مزاح أمه الثقيل… فتح عينه ونظر إلى كتابه الذي ابتل قليلًا ببعض قطرات الماء.. لم يبتل بشدة، وكان ذلك سببًا لزفيره بارتياح.. رفع رأسه ونظر إلى أمه بوجه جدي طفولي: “لا تفعلي ذلك مجددًا يا أمي!” ابتسمت ورفعت يدها إلى جبهتها وقالت: “حاااضر!” جلست بجانبه وضمته بينما كانت تغمض عينيها.. همست فوق رأسه: “أنا آسفة..” فتحت إحدى عينيها ونظرت إلى الكتاب الذي كان يحمله بين يديه: “ما هذا الكتاب الذي أخذ كل تركيزك؟” نظر إلى كتابه وابتسم بخبث: “خمني.” عقدت حاجبيها وأمالت رأسها: “أخمن؟” وضعت يدها على ذقنها وبدأت تفكر بينما كانت عيناها مغلقتين.. وبدأت ترمي بالتوقعات إليه: “عن التاريخ؟” ابتسم ابنها ونفى برأسه. “العلوم؟” نفى مجددًا. “الفلك؟” مجددًا نفى برأسه. رفعت إصبعها وقالت بابتسامة: “عرفت! إنه عن النبات!” نظر إليها وضحك بخفة لأنه اتضح له أنها لن تعرف أبدًا. رفع الكتاب أمام وجهها وقال بابتسامة: “نعم، له علاقة بالنبات، ولكن لا، ليس عن النبات.. إنه عن السموم والمبيدات!” نظرت والدته إلى الكتاب بعيون واسعة، أمالت رأسها بينما كانت هناك تلميحات للتوتر على وجهها: “أ.. اهااا.. ممم.. إذًا.. لماذا تقرأ كتابًا كهذا يا عزيزي؟” نظر إليها وإلى الكتاب.. وضع يده على ذقنه وتذكرت نفسها من تصرفه هذا فضحكت قليلًا، ولكن أعادت ملامح التساؤل مجددًا بعدها قبل أن يجيب بينما يرفع إصبعه مثلها أيضًا: “لأنه غريب!” “غريب؟” أعادت صياغته باستغراب: “ماذا تقصد بغريب؟” قطف نبتة صغيرة كانت بين الأعشاب بجانبهم، وبينما كان يفرك إصبعه وهو يمسك بها، مما يجعل الأوراق تلتف من ناظر شخص آخر.. “ببساطة لم أفكر قط أنه يوجد شيء يستطيع قتل النباتات.. وعندما رأيت عنوان هذا الكتاب ومحتواه لم أستطع التوقف عن قراءته..” كانت أمه تنظر إلى النبتة بين يديه وأعادت نظرها إليه: “ولكن.. هل تفكر بصنع مبيد أو سم؟” ابتسم بخبث، ولكنه ضحك من بعدها مباشرة: “لا! هذه الأشياء مخيفة جدًا، ومصطلح قتل مخيف أكثر يا أمي!” ابتسمت بتوتر وقالت بينما كانت تضحك أيضًا: “آاه نعم.. مصطلح قتل مخيف حقًا..” حاولت تغيير الموضوع بعدما أصبح الجو غريبًا وثقيلًا من حولهم وقالت: “على أي حال من الجيد معرفة أمور كهذه! بعد كل شيء سوف تكبر وتصبح بستانيًا..!” بعدما سمع كلمة أن تصبح بستانيًا منها، خفض رأسه قليلًا وابتسم: “ههه.. نعم..” لم يقل الفتى الصغير هذا أبدًا، ولكن لسبب ما هو لا يشعر أنه يريد أن يصبح بستانيًا.. وجد نفسه متعلقًا بالكتب أكثر من النبات، ولكنه لا يستطيع أن ينكر حبه لجمال أشكال النباتات.. هو فقط كان يشعر بالملل منها أحيانًا، أو أنه ربما يمكن استعمال هذه النباتات لصنع أمور مختلفة غير تأملها.. وهذا صحيح، يمكن صنع الكثير من الأشياء بالنباتات.. ولكن بسبب منطق أناس هذا العالم والنبلاء خصوصًا، من المستحيل تغيير أو استعمال النباتات هذه لشيء غير تأملها والاحتفاظ بها. …. وقفت والدته ومدت يدها إليه لكي يمسك بها ويذهبا إلى بيتهما.. مشيا معًا في تلك الحديقة الواسعة، وبينما كانا يشقان طريقهما إلى بيتهما، قابلا أصحاب البيت الزجاجي الثاني.. أمسكت الأم بيد ابنها بقوة قليلًا، فنظر إليها ثم إلى الزوجين وابنتهما التي تبلغ من السن عشر سنوات.. كل منهم ذهب باتجاه آخر، ولكن الفتى بقي يراقبهم إلى أن مروا بجانب جدار من الأعشاب يفرق بينهم.. كان هناك فتحة صغيرة في ذلك الجدار المثالي، والتقت عين الفتى مع عين الفتاة بالصدفة، ولم تدم تلك اللحظة إلا لثوانٍ حتى عاد الجدار المثالي بدون فتح أو أي شيء يسمح له برؤية الفتاة مجددًا.. بعد السير لبضع دقائق وصلوا إلى بيتهم الصغير، بينما سبق الفتى أمه إلى الباب وبدأ يقفز بخفة أمام الباب.. أخرجت أمه المفتاح وضحكت من قفزاته الصغيرة.. أدخلت المفتاح وفتحت باب المنزل. دخل ابنها قبلها وهي دخلت بعده. صعد إلى الأعلى لكي يبدل ثيابه، بينما هي وضعت قدر الطعام على النار لكي يسخن.. بعد بضع دقائق جلسا معًا على طاولة الطعام وبدأوا بالأكل بهدوء.. كان كلاهما يدخل ملعقته في الحساء ويرفعها لكي يدخلها في فمه معًا، ولكن فجأة توقف الفتى عن القيام بنفس الشيء وأصبح ينظر إلى صحن طعامه بصمت.. لاحظت والدته هذا ونظرت إليه وسألت: “ما الأمر يا عزيزي؟ ألم يرقك الطعام؟” نظر إليها ونفى برأسه ببطء. أمالت برأسها وسألت: “إذًا ماذا؟” جلس ساكتًا لثوانٍ قبل أن يسألها: “كنت فقط أريد أسألك، هل تعرفين أي شيء عن العائلة البستانية التي تمتلك البيت الزجاجي الثاني؟ نحن دائمًا بجانبهم قبل غروب الشمس، ولكن لا نتبادل التحيات أو أطراف الحوار أبدًا.. هل هم سيئون؟” توسعت عينا الأم وخفضت رأسها قليلًا بينما تفكر بجواب مناسب لابنها الصغير. رسمت تلك الابتسامة المصطنعة على وجهها ونفت برأسها: “كلّا، هم ليسوا سيئين. كل ما في الأمر.. هم يشعرون ببعض الغيرة..” كرر الصيغة نفسها مجددًا باستغراب: “بالغيرة؟ لماذا؟” نظرت إليه وقالت بتعابير وجه حزينة قليلًا: “ببساطة، رغم كوننا من يعتنون بنباتات البيت الزجاجي الرابع.. العائلة البستانية في البيت الثاني تظن أننا غير كفؤين بعد رحيل والدك، لذا… يظنون أن النباتات ليست بأمان معـ—” قبل أن تكمل كلامها، قام الفتى عن الكرسي وضرب بيده بغضب على الطاولة: “ليست بأمان معنا؟! ومن يظنون أنفسهم لكي يفكروا بهذا الشكل!” أغمضت الأم عينيها من ضربة الابن غير المتوقعة ونفت برأسها بسرعة بتوتر: “لـ.. لا! الأمر ليس كذلك، هم فقط…” نظرت إلى الأسفل بيأس وتنهدت.. نظر الفتى إلى أمه وهي في هذه الحال، رغم أنها كانت تبتسم قبل قليل بمرح… بلع ريقه وجلس على كرسيه وهمس بأسف: “أنا.. آسف يا أمي.” نظرت إليه بينما كانت تعلو وجهها تعابير مصدومة: “من ماذا؟ أنت لم تفعل شيئًا خاطئًا يا عزيزي..” ابتسمت ووضعت ذراعيها على الطاولة بينما كانت تنظر إلى وجهه الصغير النادم: “هيا.. كل ولا تفكر بالأمر كثيرًا.. أباك كان بستانيًا رائعًا واعترفت به العائلة المالكة.. وهذا يعني أنهم يعترفون بنا أيضًا، لذا ابتهج..!” نظر إلى ابتسامتها، وهذه المرة لم تكن مزيفة أو تخفي مشاعر أخرى.. أومأ برأسه وأمسك بملعقته وبدأ يكمل طعامه.. حاول تجاهل الكلام الذي سمعه كما طلبت منه أمه.. بدأ يتخيل مختلف أنواع النباتات الضارة والجميلة التي يمكن تحويلها لأمور رائعة ومرعبة.. أنهى الاثنان طعامهما ورتبا طاولة الطعام وذهبا للنوم.. فغدًا سيكون يومًا جديدًا بانتظارهما … ….. في اليوم التالي، وكما المعتاد، باشرت الأم البستانية بعملها بعد تناول الإفطار، بينما كان ابنها يقرأ كتابه الغريب ويجمع مختلف المعلومات الرائعة عن الأشياء من حوله.. بعد إنهاء نصف الكتاب تقريبًا، أغلق الفتى الكتاب ونظر إلى أمه وهي تقتلع الأوراق الضارة.. وهو ينظر إلى تلك الأوراق التي تقتلع وترمى بعيدًا، خطرت في بال الفتى فكرة.. ابتسم وذهب إلى أمه وطلب منها: “أمي! هل يمكنني أخذ هذه الأوراق؟” رفعت الأم أحد حاجبيها، ولكن بعدما رأت تعابير الحماس في عيون ابنها ابتسمت ومدت له بالكيس المليء بتلك النباتات.. ضحك بابتهاج وأخذها منها وقال: “شكرًا أمي!” حملها بين يديه وأخذ كتابه معه وخرج من البيت الزجاجي.. نظرت الأم إلى ابنها الصغير وهو يركض بعيدًا مع تلك الأوراق بينما كانت تضع يديها على خصرها.. بعدما اختفى أثره عن ناظريها عادت إلى عملها.. خلال ذلك الوقت وصل الفتى إلى إحدى بقعه المفضلة من الحديقة الخارجية، منطقة البيت الزجاجي الرابع.. هذه المنطقة في حدود البيت الزجاجي الثالث والثاني.. جلس على العشب وأخرج بعض الأدوات كالمهرس وبعض الماء والأوراق الضارة.. وضع ساقه على الأخرى وارتدى قفازات أبيه التي تكون كبيرة جدًا لدرجة أنها تصل إلى كتفه.. كان الكتاب مفتوحًا أمامه وبدأ يقرأ السطور ويطبق الكلام المكتوب.. هرس الأوراق الضارة، وقبل أن يضيف عليها الماء غطى أنفه بالوشاح الذي كان على عنقه لكي لا يشم الرائحة السيئة.. سكب القليل من الماء واستمر بالدمج. بعدما أنهى مزيجه، سكبه داخل قارورة، وبعدما غطاها أزال الوشاح من أنفه وابتسم بخبث كالسحرات وضحك قليلًا قبل أن يسمع صوت شخص مجهول أفزعه: “عجبًا، تضحك كالسحرات أيضًا؟” الصوت صدر من ورائه، فالتفت بسرعة، وإذا التقت عينه بتلك الأعين التي التقى بها بالأمس أيضًا.. توسعت عيناه قليلًا بدهشة، بينما نظرت الفتاة إلى القارورة وسألت وهي تشير إليها: “ما هذا؟” نظر إلى ما كانت تشير إليه وبسرعة حمل كتابه والقارورة كانت بداخله وضم كلاهما إلى صدره بقوة.. نظر إلى الفتاة بنظرات حادة وقال بصوت جاد: “وما دخلك؟ وكيف عرفتِ هذا المكان!” “هااااه؟” أجابت الفتاة وهي تميل برأسها من أسلوب حواره الحاد والجاد.. أجابته: “تعرف أن هذه المنطقة تكون بين بيت عائلتي الزجاجي والبيت الزجاجي الثالث.. من الطبيعي أن تجد شخصًا مثلي في هذا المكان.” رفع حاجبيه للحظة لأن كلامها منطقي، ولكن أنزل أحدهما بعدما سألها سؤالًا آخر: “حسنًا، أنت على حق، ولكن البيت الزجاجي الرابع في هذه الحدود أيضًا.. سؤالي هو كيف عرفتِ بهذه البقعة المخفية!” أجابته مباشرة: “لأنها بقعتي السرية.” فتح الفتى فمه بعدم تصديق وقال بغضب: “ماذا؟ لا! هذه بقعتي السرية!” كتفت الفتاة يديها وقالت بينما تنظر إليه بشك: “حقًا؟ منذ متى؟” أجابها بسرعة وبلا تردد لكي يثبت ملكيته: “منذ سنتين!” ابتسمت الفتاة ورفعت ثلاث أصابع: “وبالنسبة لي منذ ثلاث سنوات.” شهق الفتى بعدم تصديق وصرخ: “كاذبة! لم أرك فيها أبدًا!” كانت الفتاة تنظف أذنها بإصبعها بينما تستمع إلى صراخ الفتى وقالت بملل: “يا ذكي، لقد حجزت هذا المكان قبل ثلاث سنوات والجميع يعرف هذا.. وأنا لا آتي إليه كثيرًا مؤخرًا بسبب الروائح النتنة التي تفوح فيه… مهلا.” اقتربت الفتاة من الفتى بينما هو حاول الابتعاد، ولكن توقف عندما رآها تشم ثيابه.. فتحت عينيها بعدما وصلت الرائحة إليها وابتعدت بسرعة وهي تقول: “يعععع ما هذه الرائحة! إذًا أنت من ينشر الروائح المقرفة في المكان! أيها المقرف!” صرخ الفتى: “هاه!؟ المقرف هنا هو أنتِ التي تنظف أذنك الكبيرة بإصبعها! أشك أنك تنظفين يدك بعد تنظيف أذنك حتى!” شهقت الفتاة من إهانته لها ونعتها بالمقرفة، وقفت من مكانها وقالت: “كيف تقول هذا!؟” نظرت إلى الكتاب الذي كان يضمه، ولكن ليس بنفس القوة السابقة، وبسرعة سحبت الكتاب من بين يديه. شهق الفتى وصرخ: “كتابي!” أخرجت لسانها وركضت بسرعة بينما كانت تحمل الكتاب بين يديها. وقف الفتى وبدأ يركض وراءها بسرعة.. القفازات الكبيرة كانت تعيقه، لذلك نزعها بسرعة ورمى بها في الأرض واستمر بالركض خلف الفتاة. بينما كان يركض خلفها ويتبع أثرها عن طريق ذيل حصانها الطويل الذي يطير خلفها وهي تركض، رآها وهي تدخل إلى المتاهة التي تكون جدرانها من أعشاب.. فتح فمه بصدمة لأنه يكره هذه المتاهة كثيرًا.. ارتجف قليلًا بعدما استرجع الذكرى التي حدثت قبل سنتين في أول أسابيع لهم في هذا المكان.. كان يستكشف المكان لوحده وقرر استكشاف المتاهة هذه وضاع هناك ولم يجده أحد حتى حل الليل.. وهو لا يزال يحمل خوف تلك الليلة في قلبه حتى الآن.. بلع ريقه واستجمع قواه ودخل خلف الفتاة إلى المتاهة.. كان ينظر ورائه ويتأكد أنه لا يزال يتذكر طريق الخروج، وبينما كان يبحث عنها وجد طريقًا مسدودًا أمامه.. بلع ريقه وبدأ الخوف يجتاحه.. رفع رأسه وصرخ بقوة: “يا غبية! هيا تعالي وأعيدي لي كتابي!!” خفض رأسه وتنفس بتعب من الصراخ بذلك العلو منتظرًا رد الفتاة على كلامه.. ولم يسمع شيئًا سوى بعض الضحك، وكان الصوت من مسافة بعيدة.. قبض على يديه بقوة بينما كان جسده الصغير يرتجف بغضب… ركل صخرة كانت بجانب قدمه بقوة وخرج من المتاهة… سار وهو عائد إلى بيته خالي اليدين، ورأى والدته التي خرجت مباشرة بعدما رأته من النافذة ووقفت بجانب الباب تنتظره حتى يصل.. لم يستطع الفتى كتم شهقاته وركض بسرعة إلى حضن أمه وبدأ بالبكاء.. …. أخبره والدته بتفاصيل الذي حدث معه وعن الفتاة التي قابلها. لم تستطع سوى الشعور بالسوء حيال ما يشعر به ابنها الصغير وأن فتاة أخرى سلبت منه شيئًا كان يكون مصدرًا للمتعة والمعرفة بالنسبة له.. ربتت برفق على رأسه الصغير وهمست في أذنه بينما كانت تعانقه.. “لا بأس.. لا بأس.. اسمع.. سوف أذهب غدًا إلى بيتهم وأطلب منهم أن يعيدوا لك كتابك.. حسنًا؟” نظر إلى أمه وبلع ريقه وأومأ برأسه رغم أنه لا يظن أن هذه فكرة جيدة.. في اليوم الذي يليه.. لم تخلف الأم وعدها بأنها سوف تتحدث مع العائلة البستانية صاحبة البيت الزجاجي الثاني.. وصلت إلى باب بيتهم قبل أن يخرجوا إلى عملهم وينشغلوا لباقي اليوم.. كانت تمسك بيد ابنها الصغير ووقفت بثبات بعدما طرقت باب بيتهم.. مر بعض الوقت ولم يفتح أي أحد الباب. أمالت الأم رأسها باستغراب وقالت لنفسها: “غريب.. لا أحد يخرج في هذا الوقت للعمل.” سقط تركيزها إلى النافذة التي تكون بجوار الباب، ونظرت إلى ابنها الذي كان ينظر إلى النافذة أيضًا وينظر إليها.. ابتسمت بتوتر وقالت: “ممم سوف أقوم بتصرف غير مقبول، لذا لا تقلدني حينما تكبر، اتفقنا؟” أومأ برأسه وأعادت نظرها إلى النافذة.. وقفت بجانبها ونظرت إلى الداخل من بين الستائر، ولكنها وجدت عين شخص آخر بالفعل تنظر إليها من بين الستائر وفزعت.. مباشرة بعد ذلك فتح شخص ما الباب، ولقد كان البستاني.. في ذلك الحين كان الفتى وحده يقف أمام الباب، فرفع رأسه وهو ينظر إلى البستاني بينما يتصبب عرقًا.. وقفت والدته بجانبه بسرعة وابتسمت وقالت بتوتر: “أ.. أهلًا..! كيف حالك سيد آرفود! وكيف حال زوجتك أيضًا؟ أوه، ابنتك الصغيـ” قاطعها المدعو بالسيد آرفود بصوته الخشن الحاد: “ماذا تريدين يا سيدة براوش؟” تجمدت مكانها للحظة وبلعت ريقها بينما كانت يدها ترتجف قليلًا وهي تمسك بقوة بيد ابنها.. أجابته: “بالأمس.. ابني فريد كان يلعب مع ابنتك الصغيرة، وحسنًا.. قال لي إنها أخذت كتابه وسيكون من اللطف أن تطلب منها أن تعيد كتاب ابني…” قالت كل ذلك بينما كانت تنظر إلى الأسفل، وبعدما أنهت كلامها نظرت إليه وتوسعت عيناها عندما رأته يبتسم.. (هاه؟) هذا كان رد فعل تفكيرها عندما رأت هذه التعابير على وجه السيد الذي لا يطيقهم.. فرك السيد آرفود مؤخرة رأسه قبالة حيلها وضحك بخفة: “ابنتي نالي شقية جدًا.. أظن أنها أزعجت ابنك الصغير.. اسمك فريد صحيح؟” فريد بدوره شارك أمه نفس الصدمة وأومأ برأسه وهو ينظر إلى أمه بتعجب كما لو أنه يقول لها (هل هذا الرجل حقًا لا يحبنا؟) نظرت أمه إليه للحظة وابتسمت في وجهه بتوتر بسرعة، وصوت السيد وهو يتحدث إليها أعاد تركيزها نحوه: “حسنًا، لحظة فقط، سوف أطلب من نالي أن تعيد الكتاب.” أومأت السيدة براوش برأسها بابتسامة لا تزال تحمل تلميحًا من التوتر وقالت له: “خذ وقتك! وشكرًا لك يا سيدي!” ابتسم لها وأغلق الباب خلفه.. بعد إغلاقه للباب، أنزلت والدة فريد ذراعها إلى الأسفل وزفرت بقوة بعد كتمان كل ذلك الخوف والتوتر.. رأت وجه فريد تحتها وقال بابتسامة: “بعد كل شيء يبدو أن السيد ليس بشخص سيئ يا أمي!” ابتسمت من براءة ابنها الذي كان بدوره يشعر بالاطمئنان أن الرجل الذي حدثته عنه بالسابق عكس ما كانا يظنانه كلاهما.. مرت دقائق وعاد السيد وهو يحمل كتاب فريد بين يديه وقال بابتسامة: “أهذا هو؟” هذه المرة رد فريد بدلًا عن أمه: “نعم! هذا هو!” قبل أن يمد الكتاب إلى فريد نظر إلى الكتاب وقال بتساؤل: “غريب.. كتاب عن المبيدات والسموم؟ أليس موضوعًا غريبًا لطفل مثلك؟” ضحك فريد بخبث كعادته عندما يستغرب أحد من ذوق قراءته الغريب، واكتفى بأخذ كتابه واحتضانه فقط، بينما شكرت والدته السيد.. ابتسم السيد وابتعد الاثنان عائدين إلى بيتهم، بينما كان فريد يلوح بيده الصغيرة للسيد.. …. مرت بضعة أيام بعد ذاك اليوم.. لم يرد فريد الاقتراب من بقعته التي تكون في حدود البيوت الزجاجية الثلاثة وفضل البقاء عند منطقة حديقتهم.. لم يرغب بمقابلة نالي تلك وخاف أنها سوف تتعارك معه لأنه تحدث مع والدتها عنها.. كان مستلقيًا على سريره وهو ينام بعمق.. سمع أصواتًا صاخبة من الأسفل.. ترك سريره وأخرج رأسه من الباب، والصرخة التي سمعها أفزعته وأغلق أذنه.. فتح عينيه ورأى من جانب السلالم والدته تقف أمام باب المنزل ويبدو أن هناك شخصًا آخر يقف أمامها.. صوت الشخص كان مؤلمًا جدًا، وبالفعل بعدما رأى الشخص الذي كان يصرخ على والدته.. لقد كان السيد آرفود.. توسعت عيناه وخرجت شهقة كبيرة منه عندما رأى السيد يرفع يده ويصفع والدته بقوة.. صرخ فريد نحوه: “توقف!!” رفع السيد آرفود رأسه بينما كانت والدته على الأرض بعدما تلقت الصفعة من السيد آرفود.. احمرت عيناه وصرخ: “أنت!! إنه أنت الذي أمات أزهاري!!” أدخل الرجل نفسه إلى المنزل وتوسعت عيناها وهي ترى الرجل يشق طريقه إلى ابنها.. صرخت بينما الخوف يعلو وجهها: “لا!! سيد آرفود أرجوك!! فريد ليس الفاعل، صدقني!!” أمسكت بساقه وترجته.. صك أسنانه وبقوة ركلها لكي يحرر ساقه منها.. حاولت والدته المقاومة قليلًا وصرخت نحو ابنها فريد: “فـ.. فريد!! اركض! ادخل إلى غرفتك وأغلق الباب!!” لم يستطع فريد الحراك لأن أقدامه فقدت كامل قوتها من شدة الخوف وكان جسده يرتجف بالكامل.. وهو يرى والدته تُضرب وهي تحاول بيأس حمايته.. بعدما ضربها السيد ضربة قوية كانت سببًا لسقوطها… أكمل السيد آرفود طريقه إلى فريد الذي وأخيرًا بعدما أدرك الوضع وقف بصعوبة وركض إلى باب غرفته.. دخل بسرعة وأغلق الباب وراءه بدون تفكير.. زحف إلى أبعد جدار في غرفته وجلس في طرف الغرفة وعانق نفسه بينما كان جسده يرتجف بجنون مع كل طرق قوي من الرجل الذي فقد صوابه خلف الباب… يتبع…
29 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!