

لم يتحرك أحد. ظلّت لاسينا تحدّق في الممر الذي انفتح أمامهم، بينما بقيت الكلمات الأخيرة التي نطق بها لوكاس معلّقة في ذهنها. أمها اختفت من أريامور قبل سبعة عشر عامًا. لم يقل إنها ماتت. لم يقل إنها غادرت بإرادتها. قال إنها اختفت، وكأن الكلمة وحدها كانت كافية لتفتح بابًا آخر لا تعرف ما الذي ينتظرها خلفه. رفعت لاسينا عينيها البنفسجيتين نحوه. لاسينا، بصوت خافت: هل كنت تعرف اسمها؟ لم يجب لوكاس فورًا. كان ينظر إلى النقوش المحفورة على الجدار، حيث ظهرت سبع نساء تحت سبع نجوم، وقد مُحي وجه المرأة الأخيرة بعناية غريبة. لوكاس: كنت أعرف أن الملكة إليورا كانت في أريامور قبل اختفائها. لم أكن أعرف أين انتهى بها الأمر.
تأملت وجهه طويلًا. لم يكن في نبرته ذلك التردد الذي يسبق الكذب، لكنه كان يختار كلماته بعناية شديدة، وهذا وحده لم يعد يطمئنها كما كان من قبل. لاسينا: ومن أخبرك بذلك؟ لوكاس: سجلات قديمة في أرشيف الدوقية. وجدت اسمها قبل عامين، ضمن قائمة أشخاص مُنع ذكرهم في الوثائق الملكية. قطّب كايل حاجبيه، ثم التفت إلى لوكاس. كايل: لحظة واحدة. هناك قائمة بأشخاص مُنع ذكرهم في السجلات الملكية، وأنت تعرف بوجودها منذ عامين، ولم تخبرني؟ لوكاس: لم يكن الأمر متعلقًا بك. كايل: أنا قائد فرسانك، وأقرب أصدقائك، والرجل الذي يُطلب منه عادةً إصلاح ما تفسده قراراتك الصامتة. أجد أن الأمر متعلق بي بدرجة لا بأس بها. لم يبتسم لوكاس، لكن لاسينا لاحظت أن زاوية فمه تحركت قليلًا.
لاسينا: أعتقد أن هذه أول مرة أتفق فيها مع كايل تمامًا. وضع كايل يده على صدره متظاهرًا بالتأثر. كايل: أرجو أن يُدوَّن هذا اليوم في سجلات القصر. الأميرة لاسينا شهدت لي بالحق، وأخشى ألا تتكرر المعجزة. أدريان: إذا كانت المعجزات تُقاس بندرتها، فإن اتفاقكما لا يستحق التسجيل بعد. التفت إليه كايل ببطء. كايل: هل يمكنك، ولو لمرة واحدة، أن تقول شيئًا يجعلني أشعر بأنني محبوب؟ أدريان: يمكنني ذلك، لكنني سأضطر إلى الكذب. أخفت لاسينا ابتسامتها خلف أصابعها، وشعرت بأن الهواء الثقيل الذي أحاط بهم منذ نزولهم قد انشق للحظة صغيرة. لم تدم تلك اللحظة طويلًا. فقد صدر من أعماق الممر صوت خافت.
تك. ثم صوت آخر. تك. التفت الجميع نحو الظلام. كان الصوت يشبه عقرب ساعة يتحرك داخل صندوق مغلق، لكنه جاء من مكان لا توجد فيه ساعة، ولا أي شيء يمكن أن يصدر عنه صوت كهذا. أخرج أدريان دفتره الصغير، وبدأ يقارن بين الرموز المحفورة على الجدار وتلك التي دوّنها في وقت سابق. أدريان: الساعة القديمة التي استيقظت قبل قليل كانت تدق سبع مرات. هذا الصوت مختلف. إنه يتكرر كلما اقتربنا من الممر. إلياس: هل تعتقد أن المكان يحاول منعنا من الدخول؟ أدريان: لا أعرف. رفع السير إلياس حاجبه، كأنه لم يتوقع سماع هذه الإجابة منه. أغلق أدريان دفتره وأضاف بجدية تامة: أدريان: لكنني أفضل ألّا نختبر احتمالاته المؤذية قبل أن نعرف طبيعتها. كايل: أخيرًا، فكرة عقلانية. تقدّم لوكاس خطوة، فمدّت لاسينا يدها وأمسكت بطرف كمّه. توقف فورًا والتفت إليها. لم تكن قبضتها قوية، لكنها كانت كافية لتخبره أنها لا تريد منه أن يسبقها إلى المجهول ثم يطلب منها الانتظار خلفه.
لاسينا: لن أعود إلى الأعلى قبل أن أعرف لماذا كانت أمي هنا. نظر إليها لوكاس، ثم إلى يدها الصغيرة الممسكة بكمّه. لوكاس: لم أطلب منك العودة. لاسينا: كنت على وشك أن تفعل. لوكاس: كنت على وشك أن أطلب منك البقاء بالقرب مني. ضيّقت عينيها قليلًا. لاسينا: هذا أسلوب مهذب جدًا لقول الشيء نفسه. لوكاس: إنه مختلف. لاسينا: بالطبع. والفرق عظيم، على ما يبدو. هذه المرة ابتسم لوكاس ابتسامة واضحة، وإن كانت قصيرة. ثم حرّك ذراعه قليلًا حتى استقرت يدها على ساعده بدلًا من طرف كمّه. لوكاس: ابقي قربي إذن. لم تجبه لاسينا، لكنها لم تتركه أيضًا.
كان الممر أضيق مما بدا من عند المدخل. امتدت الجدران الحجرية على جانبيه، مغطاة بنقوش دقيقة تشبه أغصان البنفسج المتشابكة. وبين كل بضعة أمتار، ظهرت نجمة صغيرة منحوتة في الحجر، تتغير أشكالها تدريجيًا كلما توغلوا في الداخل. قادهم لوكاس، بينما سار أدريان خلفه يتفحص العلامات، وتولى كايل مراقبة الممرات الجانبية. أما السير إلياس، فكان آخرهم، يتأكد من أن الطريق الذي سلكوه لم يتغير خلفهم. لم يكن المكان يشبه أقبية القصر المعتادة. لم توجد فيه رطوبة خانقة، ولا رائحة تراب قديم. كان الهواء باردًا ونقيًا على نحو غير طبيعي، كأن أحدًا ما يعتني بهذا المكان رغم أن أحدًا لم يدخله منذ سنوات طويلة. توقفت لاسينا أمام نقش على الجدار. كانت هناك امرأة تجلس قرب نافذة، تحمل طفلة صغيرة ذات شعر وردي طويل. لم تكن ملامح الوجهين واضحة، لكن لاسينا عرفت الطفلة فورًا. عرفت انحناءة رأسها، والطريقة التي كانت تضم بها أصابعها حول قطعة قماش صغيرة، وحتى الشريط الذي رُسم عند طرف شعرها. لاسينا: هذه أنا. اقترب أدريان، وأدار مصباحه نحو النقش. أدريان: يبدو كذلك. مررت لاسينا أصابعها فوق الحجر، ثم توقفت عند وجه المرأة. لم يكن الوجه ممحوًا كما حدث في اللوحة السابقة. بل كان مخفيًا تحت طبقة رقيقة من مادة سوداء، امتدت فوق الملامح بعناية.
حاولت حكّها بظفرها، لكنها لم تستطع إزالة شيء. لاسينا: لماذا أخفوا وجهها؟ لم يجب أحد. كانت يدها ما تزال معلقة قرب النقش حين شعرت بحرارة خفيفة تحت أطراف أصابعها. سحبت يدها بسرعة. توهجت الخطوط المحفورة في الحجر بلون بنفسجي شاحب، ثم انتشر الضوء حول صورة الطفلة. وفي لحظة خاطفة، سمعت لاسينا ضحكة. ضحكة امرأة. لم تأتِ من الممر، ولم تصدر عن أي شخص يقف معها. جاءت من داخل ذاكرتها. «لا تختبئي خلف الستائر يا صغيرتي. أراكِ.» تجمدت أنفاسها. كانت تعرف هذه النبرة. لم تستطع تذكر وجه المرأة، ولا الغرفة التي سمعت فيها الكلمات، لكنها عرفت أن الصوت يعود إلى أمها. لاسينا، هامسة: أمي... التفت لوكاس إليها على الفور. لوكاس: ماذا سمعتِ؟ نظرت إليه، وقد اتسعت عيناها. لاسينا: صوتها. لم يسألها كيف عرفت. لم يطلب منها تفسيرًا، ولم يحاول إقناعها بأنها ربما توهمت ذلك. اكتفى بأن اقترب منها. لوكاس: هل تستطيعين تذكر شيء آخر؟
أغمضت لاسينا عينيها. حاولت استعادة الصوت، فظهرت أمامها صورة غير مكتملة: ستائر بيضاء تتحرك بفعل الهواء، ضوء شمس على أرضية خشبية، وامرأة تنحني لتربط شريطًا بنفسجيًا حول معصم طفلة. ثم اختفت الصورة. فتحت عينيها بانزعاج. لاسينا: لا. كلما حاولت تذكر شيء، أشعر وكأنني أقترب منه ثم يُغلق الباب في وجهي. أدريان: قد تكون الذكريات مرتبطة بالمكان. أو ربما يحجب شيء ما أجزاء منها. كايل: وهل يمكننا إزالة ذلك الشيء؟ أدريان: لو كنت أعرف، لما احتجنا إلى الوقوف هنا ومناقشته. أطلق كايل زفرة قصيرة. كايل: كنت أعلم أن التفاؤل المبكر خطأ. لكن لاسينا لم تعد تستمع إليهما. كانت تنظر إلى النقش، وقد لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل. المرأة المنحوتة لم تكن تحمل الطفلة فحسب. كانت يدها الأخرى تشير إلى شيء خلف النافذة. شيء صغير، أشبه بباب مرسوم داخل الجدار المقابل. استدارت لاسينا. وعلى الجانب الآخر من الممر، كان هناك باب حقيقي.
لم يكن الباب مزخرفًا كالبوابة الأولى. كان مصنوعًا من خشب داكن، تتخلله خطوط فضية رفيعة، وقد غطّى الغبار معظم سطحه باستثناء مقبضه. لم يكن عليه قفل. ولا حارس. ولا أي علامة تدل على أنه يخفي شيئًا يستحق الحماية. ومع ذلك، حين اقتربت لاسينا منه، عاد الصوت نفسه. تك. تك. تك. هذه المرة، كان يأتي من خلف الباب مباشرة. تقدم لوكاس أمامها، لكنه لم يمد يده إلى المقبض. لوكاس: انتظري. رفعت لاسينا رأسها إليه. لاسينا: لن تطلب مني العودة، أليس كذلك؟ لوكاس: لا. أريد فقط أن أعرف إن كنتِ تسمعين الصوت نفسه. أومأت. أخرج أدريان ساعة جيب صغيرة، وفتح غطاءها. كانت عقاربها متوقفة. حدّق فيها لحظات، ثم رفعها إلى أذنه، وكأنه يأمل أن يسمع تفسيرًا منطقيًا من داخلها. أدريان: ساعتي توقفت. كايل: ربما نفدت طاقتها. نظر إليه أدريان ببرود. أدريان: إنها ساعة ميكانيكية، وقد فحصتها قبل النزول. لا تحتاج إلى طاقة بالمعنى الذي تقصده. كايل: كنت أحاول المساعدة.
أدريان: لم تنجح. اقترب السير إلياس من الباب، وتفحص المفصلات. إلياس: لا توجد آثار كسر أو محاولة فتح حديثة. ثم نظر إلى لوكاس. إلياس: إذا كان هذا المكان مغلقًا طوال تلك السنوات، فمن الأفضل ألّا نفترض أن ما وراءه لا يزال كما تركته الملكة إليورا. ساد الصمت. لم تغب عن لاسينا دلالة كلماته. لاسينا: أنت أيضًا تعتقد أن أمي كانت هنا. إلياس: أعتقد أن الأدلة تقودنا إلى ذلك. أما ما حدث لها، فلا أملك جوابًا عنه. لم تحاول لاسينا إخفاء خيبة أملها، لكنها أومأت له شاكرة صدقه. ثم عادت إلى الباب. كان هناك نقش صغير قرب المقبض، بالكاد يُرى تحت الغبار. مسحت لاسينا سطح الخشب بطرف منديلها، فظهرت سبع بتلات بنفسجية تحيط بدائرة فارغة. في وسط الدائرة، كُتبت جملة بخط قديم. قرأها أدريان ببطء، ثم أعاد قراءتها وكأنه يشك في ترجمة الكلمات. أدريان: «لا يُفتح هذا الباب بالمفتاح، بل بما بقي في الذاكرة.» رفعت لاسينا رأسها. لاسينا: الذاكرة؟ أدريان: يبدو أن القفل لا يعتمد على أداة مادية. كايل: أرجو ألّا تكون الطريقة الوحيدة لفتحه أن نغني له. لقد اكتفيت من الغناء في الأماكن التي لا ينبغي الغناء فيها. لم تبتسم لاسينا هذه المرة. كانت تنظر إلى الدائرة الفارغة. ثم إلى النقش الذي يصورها طفلة بين ذراعي أمها. ثم إلى الباب. وشيء ما داخلها بدأ يتجمع ببطء، كقطع أحجية لم تكتمل صورتها بعد. تذكرت كلمات أمها القديمة. «هناك أغانٍ لا نتعلمها يا صغيرتي... بل نتذكرها.» لم تكن قد فهمت معناها حين سمعتها للمرة الأولى. لكنها الآن بدأت تخشى أنها كانت تحاول تحذيرها من شيء. لاسينا: أعتقد أنني أعرف ما الذي يريدونه.
تقدم لوكاس خطوة نحوها. لوكاس: لاسينا، لا تفعلي شيئًا قبل أن نفهم ما قد يحدث. التفتت إليه، ولم يكن في وجهها عناد طفولي هذه المرة. كان هناك خوف حقيقي، لكنه لم يمنعها من التفكير. لاسينا: لا أريد أن أغني. أريد فقط أن أتذكر. ثم أغمضت عينيها. لم ترفع صوتها، ولم تبدأ اللحن الذي أيقظ الساعة القديمة. لم تحاول استدعاء النجوم أو مخاطبة الأبواب. بحثت في ذاكرتها عن صباح مشمس، وعن ضحكة امرأة، وعن شريط بنفسجي رُبط حول معصمها. بحثت عن أمها. وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تحاول أن تتذكر وجهها. حاولت أن تتذكر ما كانت تشعر به حين تكون بين ذراعيها. دفء. رائحة زهور البنفسج بعد المطر. وأصابع تمر على شعرها برفق، بينما يهمس صوت قريب من أذنها: «إذا نسيتِ الطريق إليّ يومًا، فتذكري اللحن الذي كنت أغنيه لكِ.» ارتجفت شفتا لاسينا. لم يكن اللحن كاملًا. لم تتذكر سوى أربع نغمات، تتبعها وقفة قصيرة، ثم نغمة أخيرة تنخفض كأنها تودّع أحدًا. لكن ما إن استقرت تلك النغمات في ذهنها حتى تحرك مقبض الباب. شهق كايل، ورفع يده تلقائيًا نحو سيفه. أما أدريان، فقد اتسعت عيناه وهو يراقب الدائرة المنقوشة على الخشب. ظهرت في وسطها نقطة بنفسجية، ثم امتدت منها خيوط رفيعة لتشكل نجمة ذات سبعة أطراف.
ستة أطراف أضاءت. وبقي السابع مظلمًا. لم يفتح الباب. بل جاء من خلفه صوت امرأة، واضحًا هذه المرة، لا يشبه صدى الذاكرة ولا خيالها. الصوت: لاسينا؟ لم تتحرك لاسينا. توقفت أنفاسها، وشعرت بأن الأرض اختفت تحت قدميها للحظة. كان ذلك الصوت أعمق مما تذكرته، متعبًا قليلًا، لكنه يحمل الحنان نفسه الذي افتقدته طوال حياتها. لم تستطع الإجابة. عادت المرأة تناديها، وهذه المرة كان في صوتها ارتجاف لم تستطع لاسينا احتماله. الصوت: يا صغيرتي... هل أنتِ هناك؟ اندفعت لاسينا نحو الباب، لكن لوكاس أمسك بيدها برفق، لا ليمنعها من الاقتراب، بل ليثبتها حين كادت تتعثر. نظرت إليه بعينين امتلأتا بالدموع. لم تقل شيئًا. لم يكن ثمة سؤال يستطيع أن يصف ما يحدث داخلها. فقد أمضت عمرها تتساءل أين ذهبت أمها، وهل تذكرتها، وهل كانت هناك أسباب لا تعرفها وراء غيابها. والآن، بعد سبعة عشر عامًا من الصمت، كان صوتها على الجانب الآخر من باب مغلق. لوكاس، بصوت منخفض: أنا معكِ. ضغطت لاسينا على يده، ثم التفتت إلى الباب. لاسينا: أمي...؟ ساد الصمت للحظة.
ثم جاء الرد، خافتًا ومختنقًا بالبكاء. الصوت: لاسينا، مهما سمعتِ خلف هذا الباب، لا تدعيهم يجعلونكِ تغنين النغمة الأخيرة. انطفأت النجوم الست المضيئة دفعة واحدة. وتوقفت ساعة أدريان عن الحركة تمامًا. أما النقطة البنفسجية في وسط الباب، فقد تحولت إلى سواد عميق، كأن شيئًا ما ابتلع الضوء من داخلها. ثم سمعوا صوت خطوات تبتعد خلف الباب. خطوات بطيئة، متعبة، لكنها حقيقية. تحركت لاسينا لتلحق بها، غير أن لوكاس شدّ على يدها هذه المرة. لوكاس: انتظري. هناك شيء آخر. نظر إلى الأرض. كان خط رفيع من الضوء البنفسجي يمتد من أسفل الباب، لكنه لم يتجه نحوهم. بل أخذ يتراجع إلى الداخل، كأن الباب يُغلق شيئًا فشيئًا من الجهة الأخرى. وفوق المقبض، ظهرت كلمات جديدة لم تكن موجودة قبل لحظات. قرأتها لاسينا بصوت مرتجف: «حين تجدين أمكِ، ستعرفين لماذا لم تبحث عنكِ.» لم تبكِ لاسينا. وهذا ما أخاف لوكاس أكثر من دموعها. ظلت تحدّق في العبارة، ووجهها ساكن على نحو لم يعتده منها، ثم رفعت يدها ومسحت دمعة واحدة سقطت دون أن تشعر بها. لاسينا: لا. كان صوتها ضعيفًا، لكنه لم ينكسر. لاسينا: لن أصدق بابًا حجريًا يخبرني لماذا لم تبحث أمي عني. ثم استدارت نحو لوكاس، وقد عادت إلى عينيها تلك الحدة الهادئة التي كثيرًا ما أخفاها لطفها. لاسينا: أريد أن أعرف من أغلق هذا الباب، ومن وضع أمي خلفه، ولماذا كانت تخاف من النغمة الأخيرة. لم يجب لوكاس على الفور. نظر إلى العبارة، ثم إلى الباب، قبل أن يعود ببصره إليها. لوكاس: سنعرف. لاسينا: لا تقل ذلك إن كنت لا تعرف كيف. لوكاس: لا أعرف كيف بعد. لكنني لن أترككِ تبحثين وحدكِ.
بقيت تنظر إليه لحظة، ثم أومأت. خلفهما، أغلق أدريان دفتره ببطء، وقد فقدت ملامحه شيئًا من غرابته المعتادة. أدريان: ثمة أمر واحد لا أفهمه. التفت إليه كايل. كايل: أمر واحد فقط؟ هذا تقدم هائل. تجاهله أدريان. أدريان: إذا كانت الملكة إليورا خلف هذا الباب فعلًا، وإذا كانت هي من حذّرت لاسينا للتو... فلماذا لم تطلب منها أن تفتح الباب؟ لم يجد أحد جوابًا. لكن لاسينا كانت تنظر إلى موضع اختفاء الضوء. وكانت قد لاحظت شيئًا آخر. حين نادتها أمها للمرة الثانية، لم تقل اسمها كما تنادي الأم ابنتها فحسب. لقد قالتها وكأنها كانت تتأكد من شيء. هل كانت لاسينا وحدها خلف الباب؟ أم أن أمها كانت تخشى أن يسمع أحد آخر صوتها؟ في تلك اللحظة، دوّى صوت خافت من عمق الجدار، تبعه احتكاك حجر بحجر. استدار السير إلياس بسرعة. إلياس: علينا العودة إلى القاعة. كايل: هل انهار شيء؟ إلياس: لا أعرف، لكن الطريق الذي جئنا منه بدأ يصدر الصوت نفسه. نظر لوكاس إلى لاسينا. لم يطلب منها المغادرة، ولم يحاول اتخاذ القرار نيابة عنها. انتظر. نظرت لاسينا إلى الباب للمرة الأخيرة، ثم وضعت يدها على مقبضه البارد. لاسينا، هامسة: سأعود يا أمي. لم يتحرك المقبض. لكن من خلف الخشب، جاءها صوت خافت، بالكاد وصل إلى أذنها. الصوت: أعرف. ثم انطفأ آخر أثر للبنفسج. وفي اللحظة التي ابتعدوا فيها عن الباب، لمحت لاسينا شيئًا محفورًا أسفل النقش القديم، في موضع لم يصل إليه الضوء من قبل.
اسمًا واحدًا. لم يكن اسم أمها. بل اسمًا لم تسمعه من قبل. سيروس. توقفت لاسينا. ولم يعرف أيٌّ من رفاقها أنها رأته. ليس بعد.
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!