

بعد عشر سنوات ____________________________ مرر رودي فرشاة التلوين على لوحته الزيتية حين فاجأه تسللُ أشعة شمس الصباح الدافئة عبر نوافذ الغرفة الكبيرة وستائر القماش الشفافة لتضرب وجهه الناعس وتنعكس على لوحته "ليس مجددًا" تمتم رودي وهو يفرك عينيه والتفت ليلقي نظرة في الأرجاء. غرفته التي كانت مليئة بالدمى المحشوة وألعاب السيارات الكهربائية. أصبحت اليوم مزدحمة باللوحات المصطفة في الزوايا وصناديق الألوان والفرش برائحة الزيت. تأملها رودي للحظة وتساءل. هذا ليس نوعًا من الهوس. صحيح؟ بلغ رودي أخيرًا عامه الثامن عشر. وتمكن من تطوير مهاراته اليدوية لدرجة جعلته يطمح أن يحول هذا الشغف إلى وظيفته المستقبلية ربما. والالتحاق بجامعة جيدة تساعده على ذلك لكن يبدو أن رسم اللوحات ليس العادة الوحيدة التي صقلها رودي. فهالاته السوداء أصبحت إشارة واضحة على حبه الكبير للسهر. كما لو كانت رغبته في الرسم لا تأتي إلا بعد منتصف الليل. ________________________________________ "انظروا من قرر الخروج من غرفته" خلف المكتب الخشبي كان يقف والد رودي ببدلته الرسمية اللامعة وابتسامة ساخرة. إنه المظهر المثالي لرجل الأعمال التقليدي. "صباح الخير يا أبي" جلس رودي على الأريكة السوداء مع ابتسامة عريضة ومشرقة وثياب أنيقة. أراد رودي ترك تأثيرٍ جيدٍ أمام والده. كان الحصول على موافقة للذهاب إلى الجامعة أمراً سهلاً بالنسبة للشباب في أغلب الأحيان. لكن هذا ليس ما يحدث عندما تمتلك أبًا يرى أنك لا تستطيع تناول الفطور بدون مساعدة. وما يجعل موقفه أصعب هو أن الجامعة التي اختارها رودي تقع خارج حدود اليابان. "روسيا؟ هل أغراك إعلان على الإنترنت أو شيء كهذا؟" انتاب رودي الإحباط. دائماً ما كانت ردود والده تجعل كل الحوارات التي جهزها تتبخر من رأسه. "كلا يا أبي. لقد أجريت بحثًا طويلاً وأدركت أن الدراسة في الخارج ستمنحني مستوى أفضل من التعليم الأكاديمي. وأيضاً ستكون الدراسة هناك تجربة فريدة بالنسبة لي" تجهم والد رودي قليلاً "ربما يكون هذا صحيحاً. ليس من السيئ الخروج من شرنقتك. لكن هل يمكنك العيش بمفردك ورعاية نفسك؟" "بالتأكيد أستطيع الاعتناء بنفسي. فأنا لم أعد طفلاً!" شعر رودي بالثقة وهو يقول هذا. لكن والده رمقه بنظرة كما لو كان ينظر إلى مجنون. "ألم تكن قبل أسبوع تحاول تفكيك التلفاز وتقول بأن هناك حيواناً في داخله؟" فكر رودي. هذا لأني شاهدت أفعى زرقاء قد اختبأت داخله. "وكدت تسقط من الطابق الثالث وأنت تلعب على السطح" كنت فقط أحاول التقاط حشرة بيضاء مضيئة. تبأ علي التوقف عن مطاردة هذه الأشياء. "أنا.. أنا أريد السير على خطى والدي أجل" على الرغم من أنه حاول قولها بثقة. إلا أن تعابير وجهه المتوترة عجزت عن مساعدته. "انسَ الأمر. سأجد جامعة مناسبة لك هنا" فكر رودي. لا بأس كان الأمر يستحق المحاولة. كل ما تبقى لفعله الآن هو... أحنى رودي ظهره ورأسه وصرخ. "أرجوك يا أبي سأفعل أي شيء تطلبه مني. فقط هذه المرة نفذ لي هذا الطلب. ستكون هذه آخر مرة أطلب فيها شيئاً كهذا منك" "لماذا كل طلب تطلبه هو طلبك الأخير. حسنًا سأدعك تذهب وتدرس أينما تريد. إذا تمكنت من إجابتي على هذا السؤال" "سؤال؟" قال رودي "ستجيب؟" قال والده قال رودي بعجالة "أجل أجل سأجيب" صمت والده قليلا وأغمض عينيه "رودي... أما زلت تراها؟" انقبض صدر رودي. رحلة والده الطويلة في عرض حالته على الأطباء كل تلك الجلسات والمراجعات مع أطباء النفس وجداول العلاج الدورية جعلته يشعر بأنه ينحدر نحو الإصابة بالجنون الفعلي. لذا وحفاظًا على ما تبقى من قدراته العقلية السليمة. قرر التظاهر بعدم قدرته على رؤية أيٍّ من تلك المخلوقات العجيبة بعد الآن. منذ بلوغه الخامسة عشرة. لكنه في الحقيقة كلما تقدم في العمر كلما أصبحت حالته أسوأ. نظر رودي في عيني والده وابتسم بثبات "بالطبع. لم أعد أرى أي شيء غريب منذ زمن طويل" هذه هي الكذبة التي استمر رودي في تكرارها حتى أصبح قولها أمرًا سهلاً بالنسبة له _________________________________________ دفع تويا الباب برفق بأطراف أصابعه وعبر العتبة وعيناه تجولان في المكان بفضول. كان رودي جالساً على الأرض وسط كمية كبيرة من الثياب والحقائب. خطا تويا بضع خطوات داخل الغرفة. لكنه ركل دون قصد علبة ألوان بلاستيكية صغيرة. تدحرجت العلبة بقوة وتناثر منها الطلاء الأحمر القاني فوق أرضية الغرفة الزرقاء "غير معقول!" التفت رودي عندما سمع صوت طقطقة وقال بنشاط "لا بأس سأنظفها لاحقاً" نظر تويا إلى رودي بخيبة أمل "تنظفها ها؟. أتمنى لو بإمكاني رؤية هذه الغرفة نظيفة يومًا ما" طوى رودي ثوباً شتوياً وحشره في حقيبة كبيرة بكلتا يديه "سوف ترى ذلك قريباً لأني سأهجر هذه الغرفة بعد فترة" اتسعت عينا تويا "هل وافق؟" أجاب رودي بثقة "أجل لقد أخبرتك بأنه سيوافق وهذا ما حدث" قال تويا "رودي" أدار رودي ظهره لتويا وفتح إحدى الحقائب وقام بإفراغها "أظن أني بالغت كثيراً فأغلب هذه الثياب لم أحتجها" قال تويا "رودي" انخفض صوت رودي وانحنى رأسه "نعم" "توقف عن الكذب يا رودي. لا تزال ترى تلك المخلوقات أليس كذلك؟. الكذب لن يحل المشكلة" صمت رودي لا يوجد شيء يمكنه حل هذه المشكلة. التظاهر بعدم وجود المشكلة هو أفضل طريقة لحلها. _________________________
5 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!