

________________________ نزل رودي من مترو الأنفاق وسار خلف سيدي في شوارع موسكو المزخرفة. كانت الشمس في بداية إشراقها، لونت السماء بلونٍ بنفسجيٍّ والأشجار بالأصفر الذهبي، والمصابيح لا تزال تعمل لتنير الشوارع. عليهم الإسراع في الوصول إلى القسم قبل بدء المحاضرة الأولى، لكن سيدي يتمشى بخطوات بطيئة وئيدة، ويترك رودي يستكشف المدينة ويغوص في صخب سكانها. كان اليوم يصادف مناسبة مهمة ومفرحة في هذا البلد، يوم المعرفة الأول من سبتمبر وفيه يحتفل الطلاب ببداية العام الدراسي الجديد. وأنارت وجوه الشباب والأطفال بالسعادة وهم يحملون باقات من الزهور الملونة ويرتدون ثيابهم الأكثر أناقة. اشترى سيدي باقتين صغيرتين من ورد الجوري الأصفر، وقدم إحداهما نحو وجه رودي "خذ هذه يا رودي" أخذها رودي بتفاجؤٍ وقال "آه، حسناً" تساءل في داخله: ماذا يجري؟ ثم قفَا معاً بين حشود الطلبة ينتظرون الوقت المناسب لعبور الطريق. في الجهة المقابلة شاهد رودي ثلاثة طيور زرقاء، منفوشة الريش وبطونها بيضاء، تستريح فوق إشارة المرور. استغرق رودي في التطلع إليها، كانت صغيرة جداً ومنتفخة كالبيضة، بمناقير طويلة رمادية وكأنها الطائر الطنان. ناداه سيدي بصوتٍ عالٍ "رودي!" جفل رودي وانتفض جسمه، وكأنه قد استفاق من تنويم مغناطيسي. كانت السيارات تزمر بقوة في وجهه، بسبب وقوفه وسط الطريق وتعطيل خط سيرها. سحبه سيدي من يده بسرعة وعبر معه الطريق "هذا ليس وقت الشرود! هل تريد أن تصدمك سيارة قبل رؤية بوابات الجامعة؟" احمرت خدود رودي وفكر: من الجيد أن تويا لم يرَ ذلك. "أنا آسف" يفترض به أن يتجاهل هذه التخيلات عندما يراها، لكنه نسي الأمر تماماً. حاول سيدي تخفيف الموقف "لا بأس، أنا أيضاً أشرد مع أفكاري طوال الوقت، تأكد فقط أن تفعل هذا وأنت جالس" بعد عبور بضعة طرق أخرى أصبحا أخيراً في شارع مالايا بيونيرسكايا، ويقفان أمام كلية التصميم والفنون التابعة للمدرسة العليا للاقتصاد HSE. تأمل رودي مبناها العالي، وقال لسيدي "يمكنك ترك يدي الآن" _______________________________ وجد رودي قاعة المحاضرات وجلس في الصفوف الخلفية، عندما دخلت عليهم سيدة في منتصف العمر، قام الطلاب بإهدائها باقات الزهور وتهنئتها، يبدو أنها الأستاذة. نظر رودي إلى باقته وفكر: هل علي إعطاؤها باقتي أيضاً؟ كان رودي متحمساً لحضور محاضرته الأولى، لكنه أمضاها في التفكير فيما حصل له صباحاً، حتى شعر بالغباء. على هذه المعدل لم يكمل سنته الأولى وهو لا يزال قطعة واحدة. وراح يفكر في تويا؛ لسبب ما يتذكره دائماً كلما تعرض لمواقف صعبة، لم يتوقع أنه سيشتاق له بهذه السرعة. كان الفارق بينهما سنتان فقط إلا أن رودي شعر بأنها عشر سنوات، فهو أكثر نضجاً منه. لكن رودي أراد أن يفعل شيئاً مميزاً، شيئاً كبيراً يجعل عائلته تفخر وتتباهى به، لكنه لا يملك المؤهلات اللازمة. انتهت المحاضرات بسرعة، ألقى فيها الأساتذة خطابات الترحيب والتعرف على الطلبة. عندما عرف أحدهم اسم رودي قال "إنه اسم غريب" ضحك بعض الطلاب، ورمقهم رودي بتعابير الكراهية. حتى لو لم يكن اسم رودري شائعاً، فهو لم يكن مضطراً لقول ذلك، ربما كان عليه البقاء نائماً في الشقة بدلاً من هذا. الشيء الوحيد الذي فهمه من هذا اليوم، هو أن عليه شراء حاسوب، لأن مشرف الورشة ذكر أننا سنحتاج إليه. تنقل بين أنواع الحواسيب اللامعة والأجهزة اللوحية التي زينت الرفوف في المتجر، وقام بشراء الأفضل والأعلى سعراً، حاسوب إم إس آي كرياتور زد ستة عشر. وجلس على مكتبه الصغير يحاول البحث عن برامج التصميم. استدار للخلف نحو سيدي الذي كان يدرس أيضاً على مكتبه "من أين أبدأ؟" توقف سيدي عن القراءة واستدار بابتسامة "أولاً عليك تحميل برنامج فيغما" تنقلت أعينُ رودي بين البرامج على شاشته، حاول استيعاب الأمر ثم استدار مجدداً "سيدي" أدار سيدي رأسه "أجل" قال رودي "كيف أحمله؟" قرب سيدي كرسيه من كرسي رودي وقام بتحميل بعض البرامج وشرح له أساسيات استخدامها لربع ساعة، وعاد مجدداً ليكمل دراسته. بدا الأمر سهلاً من شرح سيدي، ومع بضع كبسات على الأزرار اسودت الشاشة فجأة، ومهما حاول الضغط على الأزرار لم تكن تستجيب. همس رودي "لا أصدق" __________________________ توالت الأيام الأولى للعام الدراسي الجديد، كان جميع الطلاب متحمسين ومتلهفين لتجربة الحياة الجامعية. تصرفات مثل تفويت المحاضرات أو التغيب دون داعٍ كان أمراً مستبعداً تماماً، لاسيما أن الكلية تتعامل مع أي تقصير بالفصل. هذا النظام الصارم جعل رودي مرتبكاً، كانت فكرة أن يسلم أحدهم مشاريعه ناقصةً مثل المشي في الطريق بلا حذاء. وبسبب اجتهاده، أصبح منهكاً طوال الوقت؛ لم يتوقع أن تكون الدراسة في الكلية منهكة لهذه الدرجة. رودي الذي انتقل للدراسة في المنزل بعد إنهاء المرحلة الابتدائية، لم يكن معتاداً على بذل كل هذا المجهود. ورغم صدمته بافتقار جسمه للياقة البدنية، فقد كان سعيداً برؤية بقية الطلاب يعانون المشكلة نفسها. وقام بشراء جميع كتب السنة الأولى والأدوات التي احتاجها والتي لم يحتجها، فقد كان حسابه المصرفي مليئاً بالأموال دائماً. لم يبخل عليه والده بأي مبلغ حتى امتلك أكثر مما يستطيع أن ينفق، وهو أيضاً لم يبخل على نفسه، حتى أصبح الزبون المفضل في متجر القلم الأحمر. الانطلاق إلى القسم مع شروق الشمس، إعداد التقارير وتسليم المشاريع، حضور المحاضرات ثم العودة إلى غرفته والنوم حتى صباح اليوم التالي، كان هذا هو روتينه اليومي. بين الحين والآخر يقوم سيدي بدعوته للخروج مع أصدقائه. التجول في المدينة والاستمتاع بوقته أو حتى البحث عن والدته، كانت أفكار تتعب رأسه، عندما يعرف أن عليه بذل جهد إضافي. لذا كان يرفض دائماً، رغم ذلك لم يتوقف سيدي عن دعوته في كل مرةٍ يخرج فيها، يبدو أن لديه الكثير من الأصدقاء. بدأ رودي يتفهم لماذا كان والده ينام ببدلة العمل عندما يعود للمنزل. هكذا مرت الأسابيع سريعاً حتى أمسى الآن في منتصف الشتاء. __________________________
6 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!