

__________________________ في شهر نوفمبر من كل عام يتلون العالم في موسكو باللون الأبيض، أينما تنظر لا تَرى غير أطنان وأطنان من الثلج في الأرض والسماء. يبدو وكأنه مشهد بديع، لكنه في الواقع يعني بالنسبة لسكانها ستة أشهر من البرد والمعاناة. تثاءب رودي داخل وشاحه المخطط الذي لفه حول رقبته بإحكام بينما كان يحاول الوصول إلى المترو. وأثقله التعب فلم يعد بمقدوره الركض مثل الآخرين. قبل عدة أسابيع كانت الطرقات تعج بالبهجة ورائحة الزهور والقهوة، أما الآن ورغم أن الشمس لا تزالُ تتوسط السماء في وقت الظهيرة، فقد غرقت المدينة في رداء الظلام؛ بسبب طبقات وطبقات من الغيوم الداكنة. حتى ساد جوٌّ غريب في المكان. وقف رودي ونظر إلى الناس الذين يسيرون بتثاقل من حوله تحت أضواء الشوارع. وجوههم التي تصلبت من الهواء البارد غارقة بين ياقات سترهم الفروية، ويطأطئون رؤوسهم خشية أن تزلّ أقدامهم على الثلج الزلق. مع أول نسمة صقيع وتساقط بضع حبات من الثلج اتفق الجميع فجأة على الانعزال. وكأن كل شخص لديه عالمه الخاص الذي لا يريد أن يخرج منه حتى ينتهي الشتاء. __________________________ فتح رودي باب شقته، كانت غرفته معتمة ودافئة؛ بسبب عمل نظام التدفئة، إنه الجو المثالي للنوم بعد يومٍ شاق، حتى بدا سريره وكأنه يناديه. ألقى حقيبته جانباً ونزع حذاءه بصعوبة، حاول رفع بطانيته لكنه شعر بشيء يتحرك تحتها. ولما رفعها أكثر، وجد مخلوقاً أشبه بتمساح صغير أزرق يحاول أخذَ قيلولة. حدق رودي فيه بلا تعابير، بعينيه النعستين ذاتَي الهالات السوداء، وكأنهما تقولان: ليس الآن. سحب رودي وسادته وبطانيته وافترش الأرض، لا يهم أين ينام المهم أنه سيفعل. الآن وقد داهمه الشتاء، تذكر أنه لم يحقق أي تقدم في البحث عن والدته، فهو لم يستطع المحاولة جراء تراكم جدوله الدراسي. وأغلق عينيه حتى يغوص في عالم الأحلام، تلك الأحلام التي تذكرك بأشياء من الماضي. عاد رودي الصغير مبكراً إلى المنزل في يومٍ صيفيٍّ حارٍّ وخانقٍ، ونادى بسعادة بعد أن مد رأسه من باب حجرة والدته. "لقد عدت!" وسبقته أشعة شمس الغروب في دخولها من النافذة، منيرةً ظلامها الموحش، وانعكست على جدرانها وأرضيتها. وأول ما سطعت فوقه، كان المقعد القماشي المزخرف، الذي كان خالياً. تجول رودي في أرجاء الحجرة وهو يدير رأسه يميناً ويساراً باحثاً عن والدته. "أمي هل أنتِ هنا؟ قلتِ إنكِ ستلعبين معي هذا الصباح" تردد صدى صوته في أركان الحجرة بلا جواب يرد عليه. "الجو اليوم كان حاراً جداً في المتنزه! ظننت أني سأذوب كالمثلجات إذا بقيت أكثر، لم أجد فيه أحداً من الأولاد على أي حال" تابع رودي سرد مغامراته بحماس، رغم أنه كان محبطاً من عدم عثوره على شخص يلعب معه في المتنزه. وقال بعد أن تعثر ببعض الأحذية "لقد آه... لقد رأيت قطة صغيرة كان وبرها وردي اللون وأذناها كبيرتان للغاية و... و..." صمت رودي وشعر بجفاف حلقه، لم يسمع أي ردٍّ يعود إليه مهما تحدث. لكن هذا غير ممكن لطالما كانت والدته تنتظره هنا كل يوم؛ تجلس على مقعدها قرب النافذة وتراقبه وهو يجري بين أشجار الحديقة عائداً إلى المنزل، إذن إلى أين ذهبت؟ خرج رودي من الحجرة ونظر إلى أبواب الغرف المجاورة، على طول ممر الطابق الثاني وبدأ يفتحها واحدةً تلو الأخرى، لا يوجد أحد في الغرفة الأولى ولا الثانية والثالثة والرابعة. ربما ذهبت إلى المطبخ؟ فكر رودي، ونزل بسرعة إلى الطابق الأول وهو يقفز فوق درجَاتِ السلالم. لقد كان يمتلك نشاطاً كبيراً في الماضي. اقترب من المطبخ ببطء ومد رأسه من المدخل محاولاً استراق النظر، كان هناك ثلاثة عمال من بينهم الطاهي. نظر أحدهم باتجاه الباب بعد أن انتبه لوجود رودي وقال بصوت عالٍ "سيد رودي" بسبب ذلك استدار بقية العمال ونظروا إليه. تفاجأ رودي وانحنى العامل واضعاً يديه فوق ركبتيه، وهو يبتسم "هل أنت جائع؟" سأل العامل بلطف، لكن رودي رمقه بنظرات غاضبة. _______________________ بعد صعوده إلى الطابق الثالث، لهث رودي وبدأ يتعرق من التعب، لم تعد قدماه تقويان على حمله أكثر من هذا. في بداية الممر كانت هناك غرفةٌ يستخدمها تويا، غرفة هادئة وصغيرة نوعاً ما. فتح رودي بابها الصغير بحذر ودارت عيناه تستطلعان داخلها، لكنه وجدها خالية أيضاً. "ماذا تفعل؟" اقشعر جسد رودي واستدار للخلف بسرعة. قال تويا "هل تبحث عني؟" "كلا أنا أبحث عن أمي" قالها رودي بعصبية. أخفض تويا حاجبيه ونظر بعيداً محاولاً إخفاء تعبيره الغاضب. قال رودي "هل رأيت أمي؟" صمت تويا لبرهة وكأنه يحاول انتقاء كلماته "لقد ذهبت" "متى سـ..." "لن تعود" أجاب تويا بسرعة قبل أن يكمل رودي سؤاله، كما لو كان يجيب عن هذا السؤال كل يوم. لقد ذهبت ولن تعود. _________________________
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!