

___________________________ جلس رودي الصغير على أعلى درجةٍ من درجات السلالم الخمس، المطلة على حديقة المنزل الخارجية والشبيهة ببستان صغير مليء بالأشجار المعمرة. كانت في أبهى لحظاتها بسبب حلول فصل الربيع، لكن عيني رودي الخضراوتين لم تكونا تنظران إليها. خرج تويا من المنزل عبر الباب المفتوح، واقترب من رودي حتى أصبح خلفه "هيا يا رودي حان وقت الغداء، أبي ينتظرك" جمع رودي ذراعيه فوق ركبتيه قائلاً "لست جائعاً" قبض تويا يده وحاول التحدث بلطف "أحضر أبي بعض الكعك لأجلك" قال رودي "سآكله عندما تعود أمي" نفد صبر تويا وسحب معصمَ رودي بقوةٍ حتى جعله يقف، وقال "قلت لك إنها لن تعود، هيا ادخل" قاوم رودي وحاول تحرير معصمه من يد تويا وهو يتراجع إلى الخلف صارخاً "لا أريد!" ثم انحنى وعض يد تويا بأسنانه الصغيرة، فوجئ تويا وهو يشعر بأنياب رودي تغرز في ظهر يده وقام بإبعادها بسرعة من شدة الألم. لكنّ رودي فقد توازنه ومال جسده إلى الخلف وارتطم بدرجات السلالم الحجرية متدحرجاً فوقها إلى أن استقرّ فوق العشب. انقبض قلب تويا رعباً ونزل إليه وهو ينادي "رودي! هل أنت بخير؟" حاول رودي النهوض وبدأ بالبكاء وهو يمسح دموعه بيديه المجروحتين "سوف تعود أنا أعرف. لماذا أنت غير مهتم؟" نظر تويا إليه باستياءٍ وحرك فمه قائلاً "من قال لك إني غير مهتم؟" هبت رياحٌ باردةٌ ضربت أشجار الحديقة ودفعت أغصانها. تموجت خصلات شعر رودي مع الرياح وأثناء سماعه أصواتِ حفيف الأوراق، تذكر أنه قد نسي شيئاً مهماً. ___________________________ شعر رودي بيد تهز كتفه بلطف وصوت يقول "رودي؟" حاول رودي فتح عينيه بصعوبةٍ والجلوس رغم ألمِ ظهره ونظر إلى سيدي وهو يقلص عينيه كمن سطعت أضواء سيارة في وجهه. كانت خصلات شعره متشابكة في جميع الاتجاهات وهالاته السوداء بارزة أكثر من أي وقت مضى. قال سيدي "تبدو مضحكاً، لكن لماذا تنام على الأرض؟ ستمرض هكذا" التفت رودي بتعابير باردة نحو سريره الذي كان خالياً وهمس "تمساح" قال سيدي "تمساح؟" قال رودي "آه لا شيء" وزحف على ركبتيه باتجاه مكتبه الخشبي، كانت هناك كومة من الكتب الدراسية مكدسة في الأسفل. قلبها رودي كتاباً كتاباً حتى وجد ورقة صغيرة، تركها هنا منذ أشهر ويماطل في إخراجها والبدء بالقيام بما جاء من أجل فعله هنا في روسيا منذ البداية. فتح الورقة وقد كتب في داخلها بخطوط عريضة، منزل الجدة يوليا بيلوفا، حي كونتسيفو، شارع كونتسيفسكايا، المبنى الثالث، الشقة الثالثة. "كم يبعد حي كونتسيفو عن هنا؟" قال رودي وكأنه يحدث نفسه. قال سيدي "يمكنك الذهاب بالمترو إنه ليس بعيداً، لكن الجو ليس مناسباً، لماذا لا تنتظر حتى الأسبوع القادم؟" لم يرد رودي ولم يزح نظراته الباردة عن الورقة، كأنّ الكون تجمد عند ذلك العنوان. راقبه سيدي من بعيد وشعر أن كلماته لم تعد تصل إلى أذني رودي، يبدو أن هناك حملاً ثقيلاً فوق ظهره بدأ يسلب راحةَ باله. وقف رودي وأخذ معطفه البني، كان لا يزال يرتدي نفس الثياب التي ارتداها في الجامعة ونام بها، لكنه لم يهتم وأمسك مقبض الباب ليخرج من الغرفة. عندها لاحظ مظهره في المرآة المثبتة على الحائط. أدرك أنه سيقابل جدته بعد غياب طويل، لذا لا داعي لأن يقف أمامها كئيباً بهذا الشكل. تراجع رودي ومر بجانب سيدي الذي كان لا يزال جالساً على الأرض، وقد لمح ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتي رودي. فتح رودي خزانته باحثاً عن ثياب مناسبة؛ كانت ممتلئةً بالمعاطف والسترات الصوفية والكثير من الكنزات. وقف سيدي وقال "هل لديك موعد؟" التفت رودي وكأنه قد لاحظ وجود سيدي للتو وهز رأسه قائلاً "أجل" اقترب سيدي من قسمه الخاص من الخزانة، مخرجاً بدلة جميلة بلونٍ رمادي فاتح، ثم رفع مجموعةً من ربطات العنق بمختلف الألوان، اختار منها واحدةً خضراء "ارتدِ هذه، إنها تتلاءم مع عينيك" دهش رودي وتردد قليلاً لكنه ارتداها في النهاية، وشاهد انعكاس نفسه في المرآة، كان سيدي أطول منه قليلاً إلا أن البدلةَ ناسبته تماماً. وقف سيدي بجانبه "تبدو رائعاً لكن عليك تمشيط شعرك" تأمَّل رودي هيئته، لم يصدق أنه أراد الخروج بهذه الحال المزرية. "لنتناول العشاء الآن" قال سيدي "عشاء؟" قال رودي ألسنا في الصباح الباكر؟ فكر رودي واقترب من النافذة مزيحاً ستارها؛ كان الثلج ينهمر ببطء في عتمة الليل والهلال يزين السماء. جلس رودي على الطاولة ونظر إلى طبق الحساء الساخن خاصته وقال "أنا آسف" قال سيدي وهو يحشر الحساء في فمه بالملعقة "عن ماذا؟" قال رودي "لأني تجاهلتك منذ قليل" لوح سيدي بملعقته "لا بأس، لكن إذا كنت تعاني من مشكلةٍ ما فيمكنك إخباري" قال رودي "أنت دائماً تعرض المساعدة لكنك لا تطلبها أبداً" قال سيدي بدهشة "أهذا صحيح؟ لم ألاحظ ذلك، فأنا أحب أن أنجز أموري بنفسي، تعرف كما يقول المثل، بدون جهد لن تخرج السمكة من البركة" فكر رودي في كلام سيدي وكم هو مختلف عنه، ولاحظ لأول مرةٍ أنه طوال حياته كان والده وأخوه هما عكازيه، عاش متكئاً عليهما حتى نسي كيف يقف بنفسه. حتى بعد أن فارقهما لا يزال بحاجة إلى أحدٍ يهتم به. ___________________________ خرج رودي في صباح اليوم التالي بكامل أناقته وسط توديعات سيدي وتلويحاته. كان جو الصباح رغم برودته منعشاً للغاية والشمس في أولى ساعاتها، تتسلل بين الحين والآخر مشرقةً عبر الغيوم الكثيفة. استغرقت رحلته نصف ساعة استقل فيها مترو الأنفاق ثم أكملَ باقي الطريق بالحافلة. احتضن رودي معدته من البرد وهو يجلس على كرسي الحافلة الحمراء ويغمض عينيه في كل مرةٍ تضرب أشعة الشمس وجهه فجأة. جلست بجانبه باقةٌ كبيرةٌ من الزهور وردية اللون، اشتراها للتو، ملفوفةً بورقٍ أبيض كأنها فستانُ زفافٍ. حين دخلت الحافلة في حي كونتسيفو السكني، مسح رودي آثار الصقيع من النافذةِ الزجاجية بقفازه ونظر إلى الشوارع من خلالها. كانت منطقةً هادئةً، مليئةً بأفران الخبز، والبنايات الطوبيةِ الرماديةِ، وازدانت باصطفاف الكثير من أشجار الحور والبتولا العتيقة من حولها، لكنها الآن أسقطت كل أوراقها بسبب برد الشتاء. سار رودي على الرصيف وشعر بمعدتهِ تؤلمه كلما اقترب من شقة جدته، كيف يكون لقاؤها فكرةً مخيفةً هكذا؟! افتقر المبنى إلى مصعد كهربائي، لذا كان عليه صعود سلالم إسمنتية داخل ممرات ضيقة وصولاً إلى الطابق الثالث. عُلِّق بجوار الباب صندوق بريدٍ حديديّ، ضغط رودي على زر الجرس، فتعالت منه ألحانٌ موسيقيةٌ كلاسيكية ورفع باقة الزهور أمامَ وجهه مختبئاً خلفها، قبل أن تفتح الباب ببطء امرأةٌ عجوز كلل الشيبُ شعرها القصير بالبياض التام. عندما التقت بالزهور الوردية قالت بسعادة "مَن هنا؟" مد رودي رأسه من خلف الزهور مبتسماً. قالت الجدة "رودي الصغير هل هذا أنت؟" ___________________________
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!