

_ دامَت حربٌ ضروس بين مملكةِ السَّعيرِ والطِّين لسنواتٍ يضرِبُ بعضها بعضًا، خسارةٌ تلو خسارة، جُثمانٌ بعدَ آخَر، اصبحَت الأرضُ تنضحُ برائحةِ العفَنِ والدِّماء. كانت حربًا طويلة حتى أنَّ البعضَ نسي لأجلِ ما كانَ يُقاتِلُ لأجلِه، بعضُهم وصَلَ بهم اليأس إلى أن يأخذوا بارواحِهم إلى العالمِ الآخَر على ان يكونوا بينَ جُثثٍ ساكِنة. أولئِكَ الذينَ وجدوا بالموتِ الحياة على أن يُقاتِلوا لأجلِ رايةٍ تلطَّخَت رسالتُها بالدِّماء فضلَّت معناها. انتهَت الحرب وما كادَت تنتهي، انتهت ما إن وقعَ ملِكُ الطِّين وملِكَةِ السَّعير بالحُب وتزوَّجا، زواجُهما لم يكُن فرحًا لتِلكَ الأُمَّة بل عزاءً قضوا فيهِ وقتهُم يدفنونَ الجُثث ويضحكُونَ بينَ أنفُسِهم، لأنَّ الملِكَ والملِكة قتلَا زوجَ الآخَر خِلالَ هذهِ الحرب، لكِنَّ الحُب لا يعترِف بالمنطِق. وبعدَ هذهِ الخساراتِ المُدوِّية لا أحدَ سيُمانِعُ استراحةً من القِتال. شيئًا فشيئًا أنبتت الحياةُ على ظهورِ الجُثث، بدأت الأرضُ تستعيدُ لونها الأخضَرَ البهي والإبتسامةُ عادَت إلى سُكَّانِها، لكِن تبقى وصمةُ الفقد مطبوعَةً في أعيُنِهم التي رأت الفواجِع بعدَ الأُخرى. ذاتَ يوم استيقظَت الملِكة وجسَدُها يُضيء وكأنَّها البدرُ في ليلٍ سرمدي، عندما حاوَلَ الملِك الحديثَ إليها عبرَت من خلالِه، تبِعها وهي استمرَّت بالمشي وسطَ ذهولِه وذهولِ شعبِه وهُم يرونَ ملِكَهُم يركُضُ خلفَ زوجَتِه المُضيئة. وفجأة، اهتزَّت الأرض وانشقَّت وظهَرَ من بطنِها مرجَلٌ عِملاق، بهِ سائِلٌ كالحميم، وقفَت أمامَهُ الملِكة قبلَ أن تُلقي بنفسِها فيه مُتجاهِلَةً نداءاتِ الملِك، بدأ جسدُها بالاحتراق وتبعتهُ صرخاتُها وفجأة انفجَرَ المِرجَل وفتحَ بابًا إلى النَّعيم والجحيم في ذاتِ الآن، خرجَت الأرواحُ منه وأخذَت تعبُرُ أجسادَ أحبابِها الأحياء، تُعانِقُهم، تُحدِّثُهم، تُعاتِبُهم، تضحَكُ معهُم. رأى أرواحِ والِديه، عائلتِه الممتدَّة، الجميعُ حدَّثَه، عاتبه، عانَقه، رأى كُلَّ شيء وعاشَ بظِلِّ ثوانٍ عُمرًا، وظَنَّ بأنَّهُ يتخيَّل حتى رأى شروقَ شمسِ اليومِ الثَّاني، اختفَت الأرواح واختفى المِرجَل. رأى جميعَ الأرواح، إلَّا روحَ زوجَتِه. _ انتهى. _
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!