

نظرات دامير تخترق مقدمة رأسي وهو ينتظر تفسيراً ما بينما أنا بكل وقاحة أحاول تشتيت نفسي بترتيب طبقات الفستان أو النظر للخارج والاستماع لصوت العجلات التي تدعس على الثلج بكل قسوة، رفعت نظري إليه أخيراً مستسلمة له فهذه ستكون رحلة طويلة جداً على ما يبدو: - إذا هل سيخبرني أحد لما سدرا معنا بالضبط ؟. - دامير ليس من الأدب طرح سؤال بهذه الطريقة. قالت السيدة إلينا ثم استطردت: - أن سدرا ستكون من فتيات البلستاتشي حين نصل إلى وفران لذى أخذتها معنا فنحن ذاهبين إلى هناك في كل الأحوال. قوس حاجبيه باستنكار: - لكن لما ؟، لما قد تودين أن تكوني كقطعة أثرية تحتاج لشخص ثري ليقيمها ويختارها ؟. ألقت السيدة إلينا نظرة نارية إلى دامير لكنه كان ينظر إلي ينتظر مني أجابة، فكرت ولم أعلم بما أجيب فقلت أخيراً: - على عكسك أنا لست ثرية ولا أستطيع أن أبقى أتسول لقمة العيش. - لكنك ستفقدين كونك انسانة أيض... - دامير هذا يكفي !. قالت السيدة إلينا بصوت حازم لأرى دامير يتنهد ويسند بجسده على المقعد بينما ينظر للخارج من نافذة العربة، أمسكت بيدي السيدة إلينا وقالت لي: - أعتذر عن كلامه أنه فقط لا يستلطف الليدي صوفيا. فهمس دامير بكلمات لم أسمعها وأكاد أجزم أنه أطلق بعض السباب، لم أستطع سوى أن أبتسم وأنا أنظر إليه وعلى وجهه أمارات الغضب وعدم الراحة، أخذنا فترة طويلة نتحدث فيها أنا والسيدة إلينا إلى أن غفت فوق المقعد بينما أنا كنت أنظر للخارج تارة ثم إلى دامير تارة أخرى، لقد كان وسيماً ومهما نظرت إليه لم تكن وسامته لتقل أنفه المدبب شفتيه الرقيقة وشعره البني الغامق والخصلات الطويلة المتدلية فوق وجهه قريبة من عينيه الخضراء الصريحة، التفت إلي فجأة فأخرجت وجهي من النافذة بسرعة خاطفة راجية أنه لم يلحظ أنني تهت في ملامحه إلا أنه خيب ظني عندما قال: - هل حاولت التهرب الآن يا آنسة كاذبة؟. فعدت بنظري إليه لأجد ابتسامة زينت وجهه المتعب، أرت أن أعلق على تسميته لي بالكاذبة لكنني أعلم مسبقاً لما قالها وقلت: - أردت فقط أن أسال أن كنت بخير فأنت تبدو متعباً دائماً . رمش لثانية ثم عادت ابتسامته ليرد: - يبدو أن الأمر أصبح واضحاً للعيان، لست بخير تماماً، لأصدقك القول أنا أحتضر. قال ذلك بهدوء المستلم ورأيت النور يخبت في عينيه، لم أتوقع ذلك كنت مصدومة قليلاً فأكمل وهو ينظر للفراغ خارج النافذة: - هل هذه الملامح التي سأرها حين أخبر الجميع يا ترى. - السيدة إلينا ... - والدتي تعلم . قال لي حين كدت أن أسأله، ولما يخبرني بهذا لقد قلت أنني أكره الحزن من قبل، يا إلاهي ماذا يجب علي أن أفعل أهو مرض يمكنني أن أستنبط علاجه ؟، لكنني لست طبيبه ولم أهتم يوماً بالطب بل أنني حولت دراستي من العلمي إلى الأدبي بسبب مادة الأحياء ! . - أرجوكِ لا تبدأ بالتفكير والقلق لن أموت بسرعة، كما أنني لم أخبرك لتحاولي إنقاذي بل لأنني وددت أن أرى التعابير التي قد ترتسم لخبر كهذا. دحرجت عيناي بملل وقلت شاردة بلا إرادة: - أنك تحاول جاهداً أن تكون الضحية. ابتسم حتى بانت أسنانه البيضاء المرصوصة كاللؤلؤ: - شكراً لك، فهذا أفضل من أن تتفوهي بكلمات منمقة عن الصمود والقدر. عم الصمت العربة إلا من صوت صهيل الأحصنة والعجلات، صمت يتخلله البرد القارس فلولا قفازات الصوف السميكة لتجمدت يداي كما أثقل الكري أجفاني فستسلمت للنوم فوق المقعد. لم أستيقظ إلا حين توقفت العربة كان الليل قد أستل ستارة على ضوء النهار وبدأت مسرحية النجوم والقمر. فتح الباب فاستيقظ دامير من نعاسة إيضاً رأيت رجلاً يرتدي قبعة حمراء فوق رأسه وضوء ساطع أتى من خلفه نزل دامير أولاً ومد يده بسرعة لوالدته كي تنزل من العربة ثم مد يده لي، في الحقيقة لم أرد أن أمسك يده لكن المسافة كانت بعيدة من العربة للأرض وحسب معرفتي بحظي الرائع أن تركت هذه اليد الممدودة سأسقط على وجهي أمام الملأ وأجلب العار لعائلة غلينكا ببساطة وسهولة فأنا خبيرة في هذه المواقف المحرجة ولو أن هناك كتاب سأصدره وسيتربع على العرش سيكون كتاب بعنوان ( كيف تصبح أضحوكة العصر ؟). أمسكت بيده ونزلت من العربة، رفعت رأسي لأتفقد المبنى الذي نقف أمامه فقد كان فندق !، وياله من فندق ضخم بتصميم قوطي مبهراً لدرجة أنني شعرت فمي تعلق في الهواء، قام دامير بنكزي هامساً لي: - لتودعي الحرية من الآن ولتستعدي فلابد أن والدتي لديها كثير من الخطط . التفتت له فرأيت على وجهه نظرة حزينة وابتسامة. كان يجب عليه أن يخبرني الحقيقة فما أنا بمواجهته شيء يصعب وصفة لقد كان أقرب للتجنيد الإجباري!. أول ما وقعت قدمي السيدة إلينا داخل الفندق حتى وجدت العديد من الرجال واقفون بالقرب منها وتحدث أحدهم بقلق بااً على تقاسيم وجهه : - آه لقد قلقنا جداً حين لم تصلي إلى هنا في الوقت المحدد سيادة الكونتيسة لقد تم أرسال برقية للشرطة قبل ساعات لتأكد من أحوالك. الكونتيسة !، يا للهول !، نظرت إليها بعينين متفقدة، أعلم الآن لما كانت تبدو مشعة إلى هذا الحد !، لكن ألم يكن يجب أن تكون الكونتيسة أكثر وعياً لحال تلك المناطق التي مرت من خلالها بلا حرس كما أنهم تحركوا بلا إي خدم معهم، كم هذا أمر مريب فردت عليه. - أعتذر عن أقلقاك سيد فون اعترضتنا الصدف لا أكثر رجاء أبلغ الشرطة أن لاشيء يستدعوا تضيع وقتهم الثمين، هل وصل الخدم إلى هنا مسبقاً ؟. - بطبع لقد بقيت الآنستين إليكسييف وكبير خدمك بارسنكي هنا كي يقوموا بخدمتكم بينما تحرك بقية الخدم لتجهيز قصر الكونت. - حسناً. قالت السيدة ثم اشارت لي وأكملت: - هذه الآنسة سدرا ستكون ضيفتي في جناحي أتمنى أن تجهزوا غرفة لها بداخل الجناح. ألقى علي ذلك الرجل نظرة وابتسم: - بالطبع طلباتك أوامر سيادة الكونتيس. تحركوا جميعاً أمامنا كي يتأكدوا أننا صعدنا على المصعد، بدا العامل الذي يجلس بقرب من المصعد متوتراً جداً حين قبلنا جميعاً عليه وبسرعة ضغط على الزر وفتح المصعد، كان فندق ضخماً ويبدو أنه من الفنادق القليلة التي تحتوي على دورة كهربائية. وصلنا إلى غرفتنا أخيراً وليتنا لم نصل ما أن فعلنا حتى أخذت السيدة إلينا على عاتقها أن تجعل مني آنسة لائقة في المجتمع النبيل قائلة لي ما أن جلست على الأريكة بقرب المدفئة: - فتيات بلستاتشي من أرقى فتيات المجتمع في هذا العصر وقد حرصت اليدي صوفيا على ذلك بنفسها ولن تقبل بك فجأة إلا لو كنت تعلمين الأساسيات على الأقل. ثم رفعت جرساً كان مقدماً لها فوق الطاولة لتأتي خدمتيها : - الآن بما أنه وقت العشاء ستتعلمين كيف تأكلين وستتأكد كل كسينيا من تجهيزك للعشاء. - حسناً. خرجت تلك الكلمة من فمي بتوتر، لم أكن أعلم ما كنت مقبلة عليه لكن يبدو أن السيدة إلينا كانت جادة جداً. دخلت إلى الغرفة مع كسينيا التي أخذت حقائبي لتفرغها في الغرفة التي بدأ العمال يرتبونها بهدوء تام، قالت كسينيا لي: - سيدتي الصغيرة لقد جهزت الحمام مسبقاً. وامسكت بفستان أشتريته مع السيد لايت من قبل وقالت: - هذا سيكون لائقاً للعشاء مع الكونيس والكونت المستقبلي لعائلة غلينكا. اشارت للحمام وكادت أن تدخل معي فأمسكت باب الحمام وقلت: - أستطيع خدمة نفسي بنفسي رجاء. أشتعل وجهي من الخجل فمن المستحيل بل من سابع المستحيلات التي تكون بين آلف الأقواس مستحيلة أن أترك شخصاً يحممني. خرجت من الحمام بعد فترة قصيرة، كنت خائفة من أن تستطيع إقتحام الحمام كي أسرح!، وهذا ما جعلني أسرع. أشارت كسينيا على الكرسي أمام التسريحة فركضت للتسريحة بلهفة لأرى وجهي لأول مرة في مرآه واضحة وليست كتلك السيوف الذي أظهرتي بشكل مشوش، ركضت كي أراني ويا لخيبتي كنت أنا بالضبط كما كنت بنفس الوجه والملامح أي نعم أصغر سناً لكنني كنت أنا مجرد أنا. قالت لي كيسينا في تلك اللحظة: - لم أرى شخصاً متلهفاً لرؤية نفسه من قبل. أومأت بحزن مطبقة شفتي فالخجل والأسف هو ما شعرت به على حالي، لقد قيل أنني جميلة من قبل كونتيسة ومن قبل غيرها لكن هذا الجمال ليس الجمال الذي كنت أصفه لفتيات البليستاشي فقد كان جمالهن سيوقف المار ويوقف القلب، جمال يجعل منك الحب الأول لأحدهم فقط لأنهن أبتسمن فجأة وبالخطأ أمام أحدهم. أنهت كسينيا تسريح شعري فتركته منسدل بخصلات ملتفة فوق رأسيكتاج وقالت أنني مازلت صغيرة لترفع شعري كله. فتحت الباب لي وارشدتني المائدة كانت السيدة إلينا جالسة بالفعل لكن دامير لم يظهر بعد. ما أن رأتني السيدة إلينا حتى انفرجت أساريرها: -بديعة بالفعل. كنت سأجلس لولا أنها قالت فوراً: - عزيزتي سدرا هناك قواعد في مائدة العشاء يجب أن يجلس الشخص ذا المقام الأعلى ثم ما بعده لذى يجب أن تنتظري دامير ثم تجلسي أنت. ماذا ؟ مقام؟ .. تذكرت همس دامير لي يبدو ان هذا ما قصده عن توديع الحرية. دخل دامير وتوقف لثانية حين رآني قائلاً: - تفضلي بالجلوس آنسة كاذ.. اقصد سدرا خرجت من شفتي ضحكة خالية من الفكاهة فهو لن يتوقف عن مناداتي بهذا القب، جلست بعد أن جلس مقابلاً لي. قامت الخادمة الآخرى بجر عربة الطعام ثم قامت هي وكسينيا بتقديم الطعام في الأطباق أمامنا. عدد لا متناهي من الشوك والملاعق وسكين، ثلاث أطباق، كؤوس بلورية لامعة وشمعدانات فوق المائدة ومناديل. قالت لي السيدة إلينا : - في البداية نضع.. لم أتركها تكمل فقد وضعت المنديل في حضني، لم يكن عشاء بل كان حصة من تعليم الآداب شعرت بعسر في الهضم مع كل الأخطاء التي فعلتها، حين أخذت سكينة السمك لتقطيع اللحم أو حين أمسكت بكأس العصير لأصب الماء ولا ننسى أبداً أنني كنت على وشك أكل التحلية بمعلقة الشاي، كل شيء كان خاطئ وليته كان الأمر لليوم فقط، كان دامير يضحك تارة بينما تزجره السيدة إلينا، لقد كان وبالفعل يتنمر علي طيلة العشاء !، رغم كل ذلك إلا أن السيدة إلينا لم تفقد أعصابها معي قط بل كانت توجه بكل وقار وحب. علمت الآن أنه من الرائع الكتابة عن هذه الحقبة ذات القواعد والقوانين لكن أن أعيشها ؟!، أبداً. قالت السيدة إلينا بعد بللت شفتيها بكأس الماء: - في الحرم لن يكون هناك شخص أعلى منك رتبة إلا بالطبع الليدي صوفيا، إلا أن هناك فتاة أخرى وضعت الملكة عينها عليها لولي العهد الأمير جيرلاد. فهمست لنفسي وقد تذكرت تلك الفتاة المغرورة التي كانت تصيب نيروبي بالجنون: - ونفريد. - ماذا ؟. - لا شيء. قلت متداركة نفسي لتكمل: · - بطبع كان من الممكن أن تختار أميره له من خارج البحار لكن وبعد أن تزوجت الكثير من فتيات البلستاتشي بأمراء خارج البلاد، والكثير من النبلاء والتجار أصبح الأمر معقول أن تزوج ولي العهد بأحداهن فالليدي صوفيا جعلت منهن جميعاً كالأخوات التي تبنين جسوراً لأخواتهن الأصغر سناً في الحصول على فرص أفضل في العيش لذى الزواج بأحداهن هو توطيد بالكثير من العلاقات بين عدد من الممالك، وهذه الفتاة التي تحدثت عنها من قبل تدعى ونفريد ماركس أيفرلين، بالطبع قد تشعرك أنها أعلى منك لكن أنت ستمثلين عائلة غلينكا حيث أن العائلة ستدعمك كلياً وهذا أمر لم يحدث من قبل، العائلات النبيلة تفضل أن تدعم بناتها لكن ولأنني لا أملك أي فتيات ولأنك أنقذت حياتنا أنا ووريثي فأن هذه طريقتي في تسديد الدين. أخذت أفكر بما قيل !، إذا أنا سأكون محل الأنظار في الحرم وربما يكرهنني كل الفتيات لأنني لست في مستوى جمالهن وستبغضني ونفريد وربما سأسبب نزاعات يآ إلهي لكن ما دخل جيرالد بكل هذا، أنتشلني صوت سيدة إلينا قائلة: - أنا بالطبع أريدك أن تعيشي حياة كريمة بداخل الحرم لكن أريدك أيضاً أن تطمحي بقلب الأمير أن كان ذلك ممكناً. تدخل دامير: - ليس وكأن ولي العهد ينتظر أن يقع في حب إحداهن.. كما لما على سدرا أن تحاول أن تلفت نظر الأمير أن اليدي صوفيا لا تسمح بزواج الذي لم يكن بموافقة ورضى من الطرفين من قبل لذى دعيها تختار من تريد من النبلاء. - أنا لم أجبرها على شيء، لكن أظنها قد تقع في حب الأمير لقد قلت بنفسك أنه شخصاً جيد لذا من سيكون أفضل من الأمير في هذا الأمر. - بل أظن أنك تودين أن تتقرب عائلتنا من العائلة المالكة. رفعت السيدة إلينا كتفيها وعلى وجهها أبتسامة هادئة فهي لم تنكر ما قاله دامير الذي قلب عينيه ونظر لي قائلاً: - لا أحبذ أن يتم أرغامك على الوقوع في حب أحدهم لذا لنجعل التفكير في هذا الأمر حين تقعين في حب أحدهم من الأساس. تضاربت الأفكار في رأسي هل اخترت الاختيار الخاطئ حين وافقت على الذهاب مع عائلة غلينكا هل سأصبح أنا وسيلة للوصول الكونتيسة إلى التاج، أشعر بالضغط لم أكن أود أن أكون في موقف كهذا، هززت رأسي لأطرد الأفكار مذكرة نفسي أن ما أعيشه الآن مجرد حلم طويل.. لربما حلم لا أوده أن يتحول إلى كابوس في أي لحظة. وضعت رأسي على المخدة أخيراً، أخرجت لي كيسينا الروب الخاص بالنوم ومشطت شعري وقامت بلفه كله حول قطع من القماش قائلة أنه يجب أن تكون التموجات واضحة في شعري كي يكون أجمل، لكنها تركتني أنا وألم الصداع بسبب شدها العنيف، أنه مجرد شعر وقد عاملته كأنها تشد حبال لثبت أشرعة السفن!. أخذت أنظر للسقف بكل زخارف الجبس التي تتخلل كل زاوية من زوايا الغرفة، كما أنني لم أغلق ضوء الأبجورة بجانبي. لقد كنت نائمة قبل أن نصل إلى هنا إلا أن جسدي تخدر كلياً وسرعان ما ذهبت لعالم الأحلام. الصباح التالي لم تقل التوجيهات من السيدة إلينا بل أزدادت عشرات الأضعاف، ما أن أنتهى الفطور حتى بدأ درس المشي، ثم درس في البيانو ثم درس في التطريز ثم درساً آخر في الرقص، كان يجب أن يصبح دامير من يعلمني لكنه أعتذر مع ابتسامة ليقول لي أنه في غير حاجة لأن يتم الدوس على قدمه فهو بالفعل متعب وكم وددت أن أدوس عل قدمه حينها. لكن الأمر لم يتوقف هنا بل تطور إلى كيف أتحدث وكيف أنحني ولمن أنحني وما كنت بطبع سأنحني لأحد في كل الحالات، لم ينتهي درس ( كيف أصبح امرأة نبيلة) إلا حين أخرج كبير الخدم ساعة من جيب سترته قائلاً أن الوقت سيحين لمواصلة رحلتنا إلى وفران، من شدة سعادتي أردت أن أقبل رأسه الأصلع. مرة أخرى إلى العربة طريق طويل قام به دامير بإتخاذ صفة المرشد السياحي، كانت تفصل بيننا وبين وفران نصف ساعة قالت لي السيدة إلينا أنني بحاجة لشراء بعض الملابس والمجوهرات حين نصل قائلة أنه يجب أن أترك أنطباعاً قوياً حين أدخل إلى الحرم. لوهلة ظننت أنني سأحارب، وأن الفتيات هناك سيطبخونني حية بسبب حماس السيدة إلينا حيث عدت إلى دائرة أفكاري التي بدأت تضيق بقلق، يد دافئة وضعت فوق يدي لتربت عليها وقد كانت يد دامير: - لا تقلق أن كل شي سيكون بخي... توقفت العربة أثر صهيل الأحصنة بسرعة حيث طرت من كرسيي لأصطدم بدامير في وجهة، لم أتركه حتى أن يكمل جملة لطيفة واحدة وكدت أن أكسر أنفه تآوه بألم وهو يضع يده على أنفه بينما قائلة السيدة إلينا وقد سقطت قبعتها على المقعد: - ماذا حدث ؟! . - أنه سيرك مار أمامنا. اتسعت عيناي وقلت : - سيرك !؟، ابتعد قليلاً دامير أريد أن أرى. اقتربت من النافذة الأمامية وسحبتها لتفتح ورأيت سيرك عدد من الأشخاص طوال القامة ذو بناطيل ملونة وزاهية مهرج مرعب وامرءة بملابس ضيقة وأقمشة تحركة بتمايل في كل أتجاه خيم ملونه يحملونها عدد من الأشخاص حاملين طبول والصنوج الكبيرة محدثة ضوضاء عالية ورائعة، قالت السيدة إلينا مفسدة سعادتي الصغيرة: - إلا يمكن أن نمر من طريق آخرى أو شيء ؟. - لا سيدتي. - إلا يمكن أن نمشي ؟. قلت برجاء فنظرت لي السيدة إلينا كأنني قلت شيء بمنتهى الغباء: - بالطبع لا. كسر ذلك قلبي فأنا أردت حقاً أن أرى السيرك عن قرب وأن أتمشى بحرية بين تلك الألوان الزاهية وأصرخ في وجه ذلك المهرج أن اقترب مني، أعني أن أمشي بقليل من الحرية ولو لمرة واحدة في شوارع وفران !. طأطأت رأسي وعدت إلى مقعدي بصمت بين نظارت الأثنين، ابتسمت السيدة إلينا وقالت لي: -ربما سأسمح بذلك أن قام دامير بالمشي معك لكن يجب أن تصلوا إلى دار البارونة للتصميم. - لا. قال دامير فنظرت إليه بعيون راجية تتلألأ كي يوافق تنهد وقال بملل: - سآخذ سترة أيغور وقبعته. فقلت بهمس من السعادة " أجل!"، وابتسامتي تكاد تشق وجهي. فتح الباب وخرج وطلب من السيد أيغور سترته و قبعته أمسك بيدي ومشينا بين الجموع، طرقات مملوءة بالجليد أناس كثر وازدحام ملابس من كل الألوان، محلات وأطفال يلوحون بالجرائد وآخرون يلمعون الأحذية أصوات باعة الخضر والفواكه لقد كنا فعلاً في القلب النابض للعاصمة، كان دامير يخبرني عن كل صغيرة وكبيرة عن الأماكن الخطرة وأماكن الرائعة كالمكتبات دخلنا إلى أحدها ووعدته أنني فقط سأنظر من بعيد فقط، كل شي كان حياً هنا، جعلني ذلك أنسى أن هذا حلم لربما أنا حقاً في مكان آخر من العالم . سألت حينها دامير ونحن نمشي بين الأروقة: - بالمناسبة دامير كم عمرك؟. - لماذا فجأة ؟. قال مع وجه متفاجئ فرددت وأنا أسير بهدوء وأنظر للأرض: - فقط أود أن أعلم. - في السابعة والعشرين. - السابعة والعشرين ؟!. - إلا يبدو علي ذلك ؟ - أبداً تبدو ف.... سرق أحدهم القبعة فوق رأسي قبل أن أكمل جملتي صرخت: - هاي، لص !. وقبل أن أدرك شعرت بقدماي تسابق الريح خلف ذلك السارق لا أعلم لما قد يسرق أحداً قبعة ! إلا يفترض أن يسرق الناس المجوهرات وما إلا ذلك!. لم أنتبه أنني كنت أسير في الطريق إلا حين سمعت صهيل حصان كادت حوافرة أن تهرسني فأغمضت عيني بهلع راضية بالقدر، فإذا بجسد يمسك جسدي دافعاً بي في الأرض بعيداً عن الطريق، فتحت عيني ببطأ لأجد أنني مستلقية فوق جسد أحدهم أتبعدت عنه لأرى عيون عسلية بارقة تتخللها بعض الخضرة، حينها لسبب أعرفه جيداً توقف الزمن أو هذا ما شعرت به، تحدث أخيراً قائلاً: - كما تعلمين يمكنك أن تبتعدي قليلاً. - أوه. قلت واستقمت بسرعة وشعرت أن وجهي بدأ يذوب من الاحراج ومن نظرات الناس لي، وقف أمامي وبدأ بنفض ملابسه وقال: · هل أنتِ بخير؟. نظرت له أردت أن يحدثني أن يخبرني شيء ما كعبارة ( لقد وصلت إلى هنا أخيراً ) أو شيء من هذا القبيل قلت له: - إلن تخبرني لما أرسلتني إلى هنا ؟!. - ماذا ؟. قطب حاجبيه وظهرت على وجهه ملامح مشوشة لقد كان مستغرباً وصادقاً بطريقة فاجئتني الا انها زادتني غضباً: - ماذا تقصد بماذا ؟ لقد أخبرتني عبارة غريبة عن العودة مقرونة بالاختلاف او شي كهذا، أسمع سأحاول تغير كل شيء لذا أعدني الآن !. كان ينظر إلي وكأنني مجنونة! وقال: · - أعتذر لك لكن أنا حقاً لا أعلم من أنت أو عن ماذا تتحدثين لربما تلك الوقعة أثرت بك. أمسكت يد بي فالتفت لأجد دامير خلفي صارخاً علي: - بحق السماء ماذا كنت تفكرين به ؟!. - أتعرفها ؟ أنها ربما تحتاج إلى بعض الراحة فقد بدأت بقول كلام غريب بعد أن أبعدتها عن الشارع. - آه أعتذر منك يا سيد..؟. - شيلد، ولا داعي للشكر. قالها شيلد بعد أن ألقى نظرة أخيرة علي بدا فيها مستغرباً فعلاً، ولكن ماذا يعني هذا؟!، شيلد الذي رماني في هذا المكان لا يعرفني !، أعلم أنه الآن أصغر سناً لكن كيف سأعود الآن. أنا لا أفهم !. صوت دامير اخترق طبلة أذني: - أنظري إلي هل جننتي ؟ لماذا ركضت خلف ذلك اللص؟، ماذا كنت ستفعلين حتى لو وصلت إليه ليس وكأن بأمكانك القتال!؟؟ - أنا آسفة. قلت بتبلد فقد شعرت بأن عالمي أنهار للتو. - لا يكفي أن تكوني آسفة يجب أن لا تفعلي ذلك مجدداً !. قال بصوت غاضب ثم تنفس الصعداء وقال: - لقد أقلقتني جداً . طاطأت رأسي وأنا أمشي بجانب دامير في صمت وأجواء مشحونة، بالطبع أردت أن ألحق بشيلد لكنني علمت أن دامير لن يسمح بذلك بتاتاً فهو كن ممسك بيدي بين يديه كي لا افلت مجدداً، لحسن الحظ رأيت أين يعمل شيلد لقد كان مكان خاصاً بتصليح العربات أو كما يطق عليه في عالم الحقيقي ( ورشة ). وصلنا أخيراً إلى دار البارونة إيفنكا حيث أن السيدة إلينا قد أشترت ما تريده لي ولم أعترض فذوقها كان خارقاً ولم أكن لأحصل على شخصاً أنيق أكثر منها ، حين صعدنا للعربة قالت لي بصوت الرزين إلا أنني لمحت بعض الحزن فيه: - وددت أن أذهب مع أبنة لي ونتسوق لكن لقد رزقت بالفتيان فقط. - إلديك أبن آخر ؟. - نعم. كان الجو كئيباً حين قالت ذلك لم أفهم ما حصل لكن شعرت بجمود في الأجواء وبعد بره من الصمت أخبرتني بأننا سنذهب إلى بيت آل غلينكا أولاً ثم إلى الحرم كي أرتب أغراضي. لقد قالت أنه (بيت) لكن ما يقابلني الآن كان بالتأكيد قصراً بحجارة منحوته وتصميم روماني، كانت ونافورة جميلة وسط الساحة الخارجية للبيت. رتب الخدم كافة ملابسي وذهبت مع كسينيا لتغير ملابسي إلى فستان كبير وغير مريح بالمرة شعرت وكأنني أرتدي درع حديداً وليس قماش، بلونه الأبيض وأشرطة الدانتيل وأكمام من الأورقنز المفوخ تليه خياطة ممسوكة في الذراع، بعض من الخرز اللامع هنا وهناك وفتحت الرقبة البيضاوية، شعري الأسود ذا الاالتموجات قاموا بوضع شبكه من الخرز وسطه وقامت بتجديله حول تلك الشبكة تاركة بقية شعري منسدل، قدمت لي بعدها سترة الفرو الخاصة بأنستازيا أبنة السيد لايت،وقبع من الفرو فوق راسي وبطبع قفازات غليظة لأنني لم أعتد على البرد بعد ولكي اخفي جراح يدي بداخلها. خرجت وقد رافقنا دامير رغم أن السيدة إلينا لم تطلب منه ذلك كان رافع الأكمام الخاصة بقميصة قبل أن يرتدي سترته فرأيت أسوارة غريبة بها بعض الخرز المصنوع من الخشب بأحرف V E L قلت له : - ما هذا ؟. نظر إلى السوارة في يده وقال : - آه أنها الأحرف الأولى من أسم أخي، لقد تناثرت حروف أسوارته حين كان صغيراً لذا حين أصلحتها له لم أحصل على باقي الحروف وبعد عدة سنين حصلت على بقية الحروف فجعلها أسوارة لي. ثم سبقني إلى العربة كي يمد يده لوالدته كي تصعد ثم لي، ثم صعد إلى داخل العربة. لم أقل كلمة واحدة منذ دخلت فقد كاد قلبي أن يقف من شدة التوتر والخوف لم يمر سوى عشرين دقيقة حين وصلنا قابلتنا بوابة ضخمة وأسوار شاهقة، فتحت البوابة فمرت العربة من خلالها، رائحة عطرية قوية قابلتنا في الداخل، لقد قلت على بيت غلينكا قصر .. لكن هذا المكان كان أكثر من مجرد قصر .. بتصميمه الفريد الذي لا أعلم لأي عصر، استقبلتنا امرأة مع عدد من الخادمات وكان ذلك واضحاً بسبب زيهن بفستان كحلي غامق ومريلة بيضاء. لم أسمع نص الأحاديث التي دارت إلا أن دامير أقترب مني ليهمس لي: - حتى وأن عشتي هنا فيمكنك القدوم إلى بيتنا أن كنت بحاجة للمساعدة. صدمني كلامه فلقد كانت لهجته لطيفة جداً هذه المرة، فأومأت له بسعادة. فتحت بوابة ودخلنا لأرى عدد من الفتيات بالداخل مصطفات أمامنا وأنحن حين دخلت السيدة إلينا ودامير وكنت خلفهم، لقد كنت أرى فتيات رائعات الجمال أمامي يتهامسن بين بعضهم ووصلت إلى أذني بعض تلك الكلمات : - من هذه؟. - وجهها غريب . - لا تبدو من هنا . - الكونتيسة تزداد جمالاً . - هل هي أجنبية ؟. - شعرها يبدو رائعاً . - يا آلهي أن الكونت يبدو وسيم جداً . والكثير من الهمسات الأخرى إلا أن وجهاً واحداً شدني من بين كل هؤلاء، وصاحبة الوجه كانت تقف بعيده بزيها الأزرق والمريلة البيضاء، تلك التي لم يكن عليها أن تكون هنا أساس وتلك كانت نيبروبي !. - End ايش رأيكم ؟ . هل حابين في الفصل الجاي أرفق صور للشخصيات ؟ ولا حابين تتخيلوها بنفسكم ؟ . ايش متوقعين بيصير في الاحداث الجاي ؟!
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!