

مع مرور الوقت، بدأ ماثيو يتعلم شيئًا فشيئًا. تعلم كيف يقطع الخضروات. وكيف يغلي الماء. وكيف يخلط المكونات. وبالطبع... تعلم أن النار ليست لعبة. «ماثيو!» «نعم؟» «ابتعد عن المقلاة!» «لكنها بدأت تدخن!» «ولهذا أقول لك ابتعد عنها!» ركض ماثيو مبتعدًا، بينما أسرعت نانا لإطفاء النار. ثم نظرت إليه. «أنت بخير؟» ابتسم ماثيو. «أنا بخير!» وضعت نانا يدها على جبينه. «يا إلهي... ماذا سأفعل بك؟» ضحك ماثيو. وكانت تلك الضحكة وحدها كافية لتجعلها تبتسم. لم تكن حياة ماثيو مقتصرة على نانا وحدها. كان W يزور المطعم من حين إلى آخر. وفي كل مرة يدخل فيها، كان ماثيو يركض نحوه بحماس. «السيد W! لقد جئت!» «بالطبع. هل كنت تنتظرني؟» «نعم!» «ولماذا؟» «لأريك ما تعلمته اليوم!» ابتسم W. «إذن، هل أصبحت طباخًا محترفًا؟» رفع ماثيو رأسه بفخر. «تقريبًا!» ضحك W. «تقريبًا؟» «نانا تقول إنني ما زلت أحتاج إلى التدريب.» نظر W إلى نانا. «يبدو أن لديه الكثير ليتعلمه.» «بل أكثر مما تتخيل.» جلس W كعادته في مكانه، بينما ظل ماثيو يتحدث معه بحماس عن كل ما حدث في يومه. وفي بعض الأيام، كان يأتي زوار آخرون أيضًا. بعضهم كان يأتي لتناول الطعام. وبعضهم كان يعرف نانا منذ سنوات. وكان ماثيو يحب التحدث مع الجميع. لكن في أحد الأيام... دخل رجل عجوز إلى المطعم. كان طويلًا نسبيًا، ويمتلك شاربًا أبيض طويلًا يمتد الى صدره بشكل غريب. توقف ماثيو عن الحركة وهو ينظر إليه. حدق الرجل فيه. وحدق ماثيو فيه. ساد الصمت بينهما. ثم قال ماثيو: «نانا...» «نعم؟» أشار إلى الرجل. «من هذا؟» التفتت نانا إلى الداخل، وما إن رأته حتى ابتسمت. «آه... لقد وصل أخيرًا.» اقترب الرجل من الطاولة ببطء، ثم جلس دون أن يقول شيئًا. ظل ماثيو يراقبه بحذر. ثم مال نحو نانا وهمس: «نانا... لماذا لديه شارب كبير جدًا؟» غطت نانا فمها حتى لا تضحك. أما الرجل فرفع حاجبه. «سمعتك، أيها الصغير.» تجمد ماثيو من الخوف. «أوه.» ضحكت نانا. «لا تقلق، إنه لا يعض.» نظر ماثيو إلى الرجل مرة أخرى. «من يكون إذًا؟» نظرت نانا إلى ماثيو، ثم إلى الرجل العجوز. وبابتسامة هادئة قالت: «هذا... جدك اسمه هيكب.» اتسعت عينا ماثيو. «جدي؟!» أومأت نانا. «نعم.» ظل ماثيو يحدق فيه للحظات. ثم نظر إلى شاربه. «...هل أستطيع لمس شاربه؟» رفع الرجل العجوز حاجبه مرة أخرى. «ماذا؟» ابتسم ماثيو. «إنه طويل جدًا!» انفجرت نانا بالضحك. أما الرجل العجوز، فاكتفى بالتنهد وهو يمسك شاربه. «يبدو أن هذا الصغير سيكون مزعجًا.» ابتسمت نانا. «ألم تكن تتمنى أن يكون لديك حفيد؟» نظر إليها الرجل للحظة. ثم نظر إلى ماثيو. ولأول مرة، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. «ربما...» مرت الأيام، وأصبح هيكب يأتي إلى المطعم من حين إلى آخر. وفي كل مرة كان يدخل فيها، كان ماثيو يركض نحوه. «جدي!» كان هيكب يبتسم دائمًا عند سماعها. «مرحبًا أيها الصغير.» ثم يفتح ذراعيه، فيركض ماثيو نحوه ويحتضنه. في البداية، لم يكن هيكب معتادًا على ذلك. لكنه سرعان ما أصبح ينتظر تلك العناق الصغيرة أكثر مما يعترف به. كان رجلًا هادئًا، قليل الكلام، لكنه كان حنونًا مع ماثيو بشكل واضح. وأحيانًا، كان يجلس معه لساعات، يستمع إلى قصصه التي لا تنتهي. «جدي! اليوم قطعت الجزر بنفسي!» «حقًا؟» «نعم!» نظر هيكب إلى نانا. «وهل نجا المطبخ؟» ضحكت نانا. «بأعجوبة.» «هيه!» عبس ماثيو. «أنا أصبحت طباخًا ماهرًا!» مد هيكب يده وربت على رأسه. «بالطبع، بالطبع.» ثم أضاف بابتسامة: «لكن حاول ألا تهاجم الخضروات هذه المرة.» «أنا لم أهاجمها!» ضحكت نانا. «قل ذلك لحاجبك.» لمس ماثيو الندبة الصغيرة عند حاجبه. «أوه... هذه؟» نظر هيكب إليها باهتمام. «ماذا حدث؟» تنهدت نانا. «حادث أثناء الطبخ.» «ماثيو كان يقطع جزرة بسرعة كبيرة.» أكمل ماثيو بفخر: «وضربتني!» نظر هيكب إليه للحظات. ثم قال بجدية: «يبدو أن هذه الجزرة كانت عدوًا خطيرًا.» انفجر ماثيو بالضحك. «أجل!» ابتسم هيكب. ثم مد يده ولمس الندبة برفق. «هل ما زالت تؤلمك؟» هز ماثيو رأسه. «لا.» «جيد.» ظل هيكب ينظر إليه للحظة، ثم ابتسم وربت على شعره. «إذن لا بأس.» ومع مرور الوقت، أصبح للمطعم زوار اعتاد ماثيو وجودهم. هيكب و W كانا الزبونان الزوار المفضلين لماثيو. وبعض زبائن نانا أصبحوا يعرفون ماثيو بالاسم. وفي كل مرة كان يسمع فيها صوت جرس الباب، كان يركض ليرى من دخل. أصبح المطعم بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان للعمل. كان بيته. وكانت نانا عائلته. وهيكب جده. وحتى W أصبح شخصًا ينتظر زيارته بفارغ الصبر. لم يكن ماثيو يعرف أن هذه الحياة الهادئة لم تكن سوى جزء صغير من حقيقة أكبر بكثير. ولم يكن يعرف أن الأشخاص الذين أحاطوا به كانوا يخفون عنه أسرارًا أكثر مما يمكن لطفل أن يتخيله.
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!