

مرت عدة أشهر منذ عودة توما وسيفاك من أطلانتس. ومنذ ذلك الحين، بدأت الأمور تتغير بسرعة. في إحدى المناطق القريبة من القصر، كان عدد كبير من العمال يتحركون في كل اتجاه. أصوات المطارق، واحتكاك الحجارة، وصيحات العمال ملأت المكان. كانت هناك مبانٍ ضخمة ترتفع تدريجيًا، تجمع بين الطراز الشيطاني المظلم والتصاميم البحرية التي جاء بها سكان أطلانتس. كانت تلك بداية الأكاديمية الجديدة. مكان يجتمع فيه أبناء الشياطين وسكان أطلانتس تحت سقف واحد. وقفت توما أمام موقع البناء، تحدق في المبنى بحماس. «إنها تكبر بسرعة!» وقف سيفاك بجانبها. «بالطبع. لقد بدأوا العمل منذ أن عدنا.» «ومتى ستنتهي؟» «تحتاج إلى بعض الوقت.» عبست توما. «كم من الوقت؟» «بيب بوب.» «هذا ليس جوابًا!» ضحك سيفاك. «لأنك لن تعجبي بالجواب الحقيقي.» رفعت توما حاجبيها. «إذن سأنتظر.» ثم أضافت بسرعة: «لكن أليكس سيأتي، صحيح؟» نظر إليها سيفاك بطرف عينه. «يبدو أنك تسألين عنه كثيرًا هذه الأيام.» احمر وجه توما. «أنا فقط أريد أن أعرف! إنه أحد المشاركين في الأكاديمية! وأيضاً هو صديقي الوحيد...» ابتسم سيفاك. «بالطبع.» نظرت توما إلى المبنى مرة أخرى. ولأول مرة، شعرت أن شيئًا جديدًا قد بدأ فعلًا. لم تعد العوالم المختلفة مجرد أماكن تسمع عنها في القصص. لقد بدأت تقترب من بعضها. في أطلانتس... وقف أليكس وحده أمام نافذة قصره. كان البحر هادئًا في ذلك اليوم. مد يده إلى عنقه، وأخرج سلسلة قديمة كانت مخبأة تحت ملابسه. كانت سلسلة أخته. ظل ينظر إليها بصمت. لقد احتفظ بها لسنوات طويلة. وكان يعلم جيدًا ما تعنيه. هذه السلسلة كانت تنتقل إلى وريث الحكم التالي. وطالما بقي بعيدًا عن القصر، لم يكن عليه أن يفكر في ذلك. لكن الأمور تغيرت. تذكر وعده لتوما. وتذكر ما قاله لها. لقد قرر الانضمام إليها. وبذلك، لم يعد يستطيع الاستمرار في الهرب من مكانه. أمسك السلسلة بين أصابعه. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. «يبدو أنني عدت إلى هذا الطريق...» وبعد وقت قصير، أصبحت السلسلة شيئًا آخر. حوّلها أليكس إلى حلق صغير، كانت تملك شكل مرساة سفينة. رفع يده ولمس الحلق. المرساة كانت تمثل شخصاً يبقى ثابتًا مهما اشتدت الأمواج. ثم استدار وغادر الغرفة. لقد عاد أمير المحيط. في مكان آخر من عالم الشياطين... كانت الماركيزة مارسيا تجلس بهدوء في حديقتها الخاصة. احتست قهوتها وهي تستمتع بالهدوء. كان كلباها الكبيران من سلالة كلاب الدلماسي يجلسان بالقرب منها، لكنهما لم يبدوا مهتمين بقهوتها أو بالحديقة. بل كان اهتمامهما منصبًا على شيء آخر. طفل صغير كان مستلقيًا على الأرض بالقرب من مارسيا. شعره أسود حالك، وجسده هزيل بشكل واضح، بينما بدت بشرته شاحبة بصورة مقلقة. كانت ملابسه متسخة وممزقة، وكان جسده ساكنًا تمامًا. اقترب أحد الكلبين منه وبدأ يشم شعره وملابسه، ثم تبعه الآخر. نظرت مارسيا إليهما وهي ترتشف قهوتها. «اهدآ... إنه مجرد طفل.» لكن الكلبين لم يبتعدا. كانا يراقبانه باهتمام، وكأنهما يحاولان التأكد من حالته. وضعت مارسيا فنجانها على الطاولة، ثم نظرت إلى الطفل. كانت قد وجدته في عالم البشر. لم تعرف الكثير عنه. كل ما عرفته أنه ليس بشرياً عادياً، رائحة روحه فاسدة كالشياطين. لذلك أحضرته معها إلى عالم الشياطين. مدت يدها وربتت على شعره الأسود برفق. «يبدو أنك مررت بالكثير، أليس كذلك؟» لم يجبها. بالطبع لم يجبها. كان لا يزال فاقدًا للوعي. تنهدت مارسيا، ثم حملت فنجانها من جديد. «على الأقل... أنت في مكان آمن الآن.» وفي تلك اللحظة، سُمع صوت خطوات تقترب. «عمتي مارسيا!» رفعت مارسيا رأسها. كانت توما تقترب منها بحماس. لكن ما إن وقعت عيناها على الطفل، حتى توقفت في مكانها. «...من هذا؟» نظرت مارسيا إليها بهدوء. ثم أخذت رشفة أخرى من قهوتها. «طفل وجدته في عالم البشر.» اتسعت عينا توما. «عالم البشر؟!» أومأت مارسيا. «نعم.» اقتربت توما ببطء، ونظرت إلى الطفل. «لماذا هو هنا؟» نظرت مارسيا إلى الطفل مرة أخرى. «لأنني لم أستطع تركه هناك وجوده قد يشكل خطراً.» حدقت توما في الطفل طويلًا. كان يبدو ضعيفًا إلى درجة جعلتها تتساءل كيف استطاع الوصول إلى هنا أصلًا. «عمتي... هناك شيء غريب فيه.» رفعت مارسيا حاجبها. «لاحظتِ ذلك أيضًا؟» أومأت توما. «روحه.» تغيرت ملامح مارسيا قليلًا. «نعم.» اقتربت توما من الطفل أكثر، ثم جلست على ركبتيها بجانبه. «إنها مظلمة.» «مظلمة جدًا.» وضعت مارسيا فنجانها جانبًا ونهضت من مكانها. «وهذا هو السبب الذي جعلني أحضره معي.» نظرت إليها توما باستغراب. «لكن أليس ذلك بشري؟.» «هو كذلك... على الأقل جسده بشري.» ثم أشارت إلى الطفل. «لكن روحه ليست طبيعية.» وضعت توما يدها فوق صدره دون أن تلمسه. «هل تعتقدين أنه شيطان؟» «لا.» هزت مارسيا رأسها. «لو كان شيطانًا، لكانت الأمور أبسط.» صمتت للحظة. «هناك شيء آخر بداخله.» اتسعت عينا توما. «شيء آخر؟» «نعم.» اقتربت مارسيا من الطفل، ثم رفسته بكعبها. «أريد أن أعرف ما هو.» «وأنا أيضًا!» قالتها توما بحماس، ثم أمسكت بيد عمتها. «لنكتشفه معًا!» تنهدت مارسيا. «كنت أعلم أنك ستقولين ذلك.» جلستا بجانب الطفل، وبدأت مارسيا باستخدام طاقتها لفحص روحه. في البداية، لم يحدث شيء. ثم... ارتجف جسد الطفل فجأة. توقفت مارسيا. «توما... ابتعدي.» «ماذا؟» «الآن!!» لكن قبل أن تتمكن توما من التحرك، انفتحت عينا الطفل. لم تكونا عينَي طفل عادية. كانتا تلمعان بلون أصفر حاد. رفع الطفل رأسه ببطء. ثم ابتسم. «أخيرًا... قررتم إزعاجي.» تجمدت توما. «...ماذا؟» تراجعت مارسيا خطوة، بينما بدأ الظلام يتجمع حول جسد الطفل. وفجأة، خرج من خلفه ظل أسود أخذ شكل قط كبير. قفز القط إلى الأرض، ثم جلس أمامهما وبدأ يلعق إحدى قوائمه بكل هدوء. حدقت توما فيه. «...قط؟»
4 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!