

تعالت القهقهات المكتومة خلف أسوار قلعة "فلورنسا" العاتية، لكن السبب هذه المرة لم يكن اختراقاً لعصابة اغتيالات أو تعاويذ سحرية مظلمة، بل كان جيلير ومخططه الذي تتجاوز طرافته حدود العقل! كان سيباستيان يتنقل بنطات خفيفة ومحترفة ليتحاشى حرس الأبراج، وهو يمسك بسلة كبيرة مليئة بفاكهة الخوخ والتفاح. وفي هذه الأثناء، كان جيلير يركض خلفه ويرمي الفواكه نحو رؤوس الحراس لإشغالهم! "جيلير! أهذه خطتك العبقرية لاقتحام القلعة؟ الفواكه؟!" قال سيباستيان وهو يرمي تفاحة حمراء أصابت خوذة أحد الحراس بالخطأ، فترنح الحارس وسقط أرضاً. انفجر جيلير بالضحك وهو يسحب سيباستيان من عباءته نحو نافذة المطبخ الملكي: "اسكت يا سيباستيان! الخطة تسير بدقة متناهية، والهدف مقدس: تخطف الأميرة" توقف سيباستيان فجأة ورمقه بنظرة ذهول مستنكرة: هل جننت رسمياً؟!" تسلل الاثنان إلى داخل القصر الذي كان يشهد احتفالاً فاخراً بمناسبة خطوبة الأميرة هالبين كانت الموسيقى تعزف في القاعة الكبرى، والأضواء الساطعة تملأ المكان، بينما يجلس النبلاء بأزيائهم البراقة. وقف جيلير وسيباستيان خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة يراقبان الأميرة وهي تجلس على عرشها بملل واضح وسط الحفل. التفت جيلير نحو سيباستيان، ونزل بنظره من رأسه إلى أخمص قدميه، ثم قال بجدية تامة وابتسامة خبيثة: "سيباستيان... ما رأيك أن تكون أنت العروس بدلاً منها؟ " سعل سيباستيان بشدة وكاد أن يصرخ: "مااااذااا؟! هل تراني أرتدي فستاناً وأضع مساحيق التجميل يا أحمق؟!" قهقه جيلير بصوت عالٍ حتى اضطر لوضع يديه على فمه لكي لا يكتشفهما الحراس: "والله ستكون عروساً حسناء ذات أجنحة سوداء! تخيل ردة فعل النبلاء وعريسها المسكين!" صعدا كالظلال عبر الممرات العلوية حتى وصلا إلى جناح الأميرة هالبين وقف سيباستيان عند الباب مكتوف اليدين، وقال بغضب مكتوم: "جيلير، لم أوافق على مجاراتك في هذه الورطة إلا لأنك صديقي هل هذا صحيح أم أنك تكذب كالعادة؟" ابتسم جيلير ابتسامة ملائكية مزيفة وهو يحك رأسه: "بالتأكيد أعرف! .. …! المهم الآن أن نركز في المهمة!" "أيها المحتال الصغير!" كاد سيباستيان أن يخنق جيلير، لولا أن الأخير فتح باب الغرفة بسرعة ودفع صديقهما الثالث لاراك إلى الداخل. كان لاراك يرتجف من الخوف ويهز رأسه: "يا رفاق، هذا جنون مطلق، الحراس في كل مكان وسنعُدم جميعاً!" لكن جيلير لم يعطه فرصة للرحيل، بل أخرج فستاناً مطرزاً بالدانتيل والحرير الطبقي—كان قد سرقه للتو من خزانة القصر—وبدأ يُجبر سباستيان على ارتدائه بالقوة وسط مقاومة يائسة منه! لأراك الذي كان محنقاً قبل قليل، جلس على الكرسي يراقب المنظر ولم يستطع تمالك نفسه؛ سقط على الأرض من كثرة الضحك وهو يرى سباستيان يتخبط داخل الفستان الضخم وشعره المستعار مائل على أذنه! "يا إلهي! ... الحرير المطرز يليق بلون عينيك تماماً!" قال سيباستيان وهو يفطس من الضحك ويمسك ببطنه. صرخ سباستيان وهو يحاول ضبط الفستان الضيق والمخنق: "سأقتلك يا جيلير! سأقتلك يا سيباستيان! كيف سأتزوج وأنا بهذا الشكل؟!" رد جيلير وهو يمسح دموع الضحك من عينيه: "مبارك يا عريس... أقصد يا عروس! الآن اجلس على السرير، ولا تتكلم بلغة الرجال أبداً!" في هذه الأثناء، كانت الأميرة هالبين تتابع المشهد بذهول وضحك مكتوم. أسرعت وخلعت فستانها الثقيل وارتدت ملابس سباستيان العادية لتتنكر بها؛ فقد كانت تتمنى الهروب من القصر ومن حفل الخطوبة المفروض عليها أكثر من أي شيء آخر. التفتت الأميرة هالبين إلى جيلير، ونظرت إليه بابتسامة ذكية وغمزت بعينها قائلة: "جيلير... أنت تعرف مكان والدتي، أليس كذلك؟" ضحك جيلير ببرود وهو يغمز لها بالمثل: "بالطبع أعرف... لكن أولاً علينا الخروج حياءً نظر جيلير إلى الأميرة وهي بملابس سباستيا المحتجز داخل الفستان الملكي المنفوش، جيلير بقهقهة: "تبادل رائع! والان... حان وقت الفرار!" أمسك جيلير بيد الأميرة هالبين، وأومأ لأراك الذي قفز باتجاه النافذة الكبيرة، تركو سباستيان في عتمة الليل ليغطي على هروبهم. قفز الثلاثة من نافذة القصر نحو الحرية والظلام، تاركين سباستيان يجلس مسكيناً على العرش المصغر داخل الغرفة وهو يرتدي فستان الخطوبة المنتفخ، يعد الثواني وينتظر دخول العريس الحقيقي في أي لحظة!