

تراجعت كريستا خطوة إلى الوراء وهي تحدق في العيون الحمراء المنتشرة بين الأشجار. كانت تزداد عددًا مع كل ثانية. واحدة... اثنتان... عشرون... أكثر. شعرت بأن أنفاسها تتسارع. "كاليستا... ماذا يحدث؟!" قفزت الكلبة البيضاء أمامها مباشرة، وأصبح فراؤها يتوهج بضوء فضي ساطع. "ابقِ خلفي." خرجت من الظلال مخلوقات تشبه الكلاب، لكنها لم تكن كلابًا عادية. كانت أكبر حجمًا. أعينها حمراء متوهجة. وأنيابها طويلة بشكل مخيف. أطلقت إحدى تلك المخلوقات عواءً هز الحديقة بأكملها. ثم اندفعت نحو كريستا. صرخت الفتاة وأغلقت عينيها. لكن قبل أن تصل إليها... انفجر ضوء فضي قوي. اصطدم المخلوق بحاجز من النور وتراجع صارخًا. فتحت كريستا عينيها ببطء. كانت العلامة على رقبتها تتوهج بقوة غير مسبوقة. نظرت إليها كاليستا بدهشة. "مستحيل..." "ماذا؟!" "لقد استيقظ جزء من قوة قلب القمر." وقبل أن تتمكن من شرح المزيد، انشق الظلام فجأة. هبّت ريح باردة عبر الحديقة. وتوقفت جميع كلاب القمر عن الحركة. كأنها تلقت أمرًا غير مرئي. ساد الصمت. ثم ظهر شخص بين الأشجار. شاب طويل القامة يرتدي معطفًا أسود. شعره الأسود يتحرك مع الرياح. وعيناه الذهبيتان كانتا مثبتتين على كريستا وحدها. شعرت بأن قلبها توقف للحظة. لم تعرف السبب. لكنها شعرت وكأنها رأته من قبل. في حلم... أو ذكرى بعيدة جدًا. اقترب الشاب بخطوات هادئة. فتوترت كاليستا فورًا. "كاسيوس." توقف على بعد عدة أمتار. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "مر وقت طويل يا وريثة القمر." ارتجفت كريستا. "أنت... أنت كاسيوس؟" نظر إليها وكأن العالم كله اختفى من حوله. ثم قال بصوت منخفض: "وأخيرًا وجدتك." لكن الغريب... أن نبرته لم تكن نبرة عدو. بل نبرة شخص كان يبحث عنها منذ زمن طويل. شعرت كريستا بأن الهواء أصبح أثقل. كانت نظرات كاسيوس مثبتة عليها وكأنه يحاول التأكد من أنها حقيقية. أما هي فلم تستطع إبعاد عينيها عنه. رغم الخوف... كان هناك شعور غريب داخلها. شعور بالألفة. وكأنها تعرفه منذ زمن طويل. قطعت كاليستا الصمت. "ابتعد عنها." رفع كاسيوس حاجبًا واحدًا. "ما زلتِ تحمينها؟" كشرت الكلبة البيضاء عن أنيابها. "لن أسمح لك بأخذها." أخذ كاسيوس خطوة أخرى للأمام. فأضاءت العلامة على رقبة كريستا فجأة. وفي اللحظة نفسها... ظهرت صور غريبة داخل رأسها. سماء فضية. قصر ضخم فوق السحاب. حدائق مليئة بأشجار تتوهج أوراقها مثل النجوم. وشاب يقف أمامها... الشاب نفسه. كاسيوس. شهقت كريستا بقوة. وأمسكت رأسها. "آه!" اختفت الرؤى بسرعة. لكن قلبها ظل ينبض بجنون. لاحظ كاسيوس ذلك. ولأول مرة ظهر الارتباك على وجهه. "لقد رأت الذكرى..." همست كاليستا: "هذا مستحيل." نظرت كريستا بينهما. "أي ذكرى؟! ماذا يحدث؟!" لكن قبل أن يجيب أحد... اهتزت الأرض مجددًا. أقوى من المرة السابقة. ثم انشق التراب قرب الحديقة. وخرج منه ضوء أحمر مرعب. تراجعت كلاب القمر بخوف. حتى كاسيوس تغيرت ملامحه. قال بصوت حاد: "لا..." ثم ظهر مخلوق ضخم من الشق. كان أكبر من أي شيء رأته كريستا في حياتها. جسد أسود مغطى بالندوب. عين واحدة حمراء متوهجة. وأنياب بحجم السيوف. شعرت كريستا بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. همست: "ما هذا؟" أجابت كاليستا بصوت مرتجف: "الحارس الملعون..." اتسعت عينا كاسيوس. "من الذي أيقظه؟!" أطلق الوحش زئيرًا هائلًا. فتحطم سور الحديقة بالكامل. وتطايرت الأشجار من قوة الصدمة. ثم التفت مباشرة نحو كريستا. وكأنه يعرفها. وكأنه كان يبحث عنها. بدأ الوحش يركض نحوها. صرخت كريستا وتجمدت في مكانها. لكن فجأة... شعرت بيد تمسك معصمها. وفي ثانية واحدة فقط... وجدت نفسها بين ذراعي كاسيوس بعيدًا عن مكانها السابق. اصطدم الوحش بالأرض بقوة هائلة خلفهما. وتناثر الغبار في كل اتجاه. كانت كريستا قريبة جدًا من كاسيوس. لدرجة أنها استطاعت سماع دقات قلبه. نظر إليها للحظة. ثم قال بجدية: "يبدو أنني سأضطر لخطفك الليلة." رمشت كريستا بصدمة. "ماذا؟!" ابتسم ابتسامة صغيرة. "إذا بقيتِ هنا... ستموتين." ترددت كلمات كاسيوس في أذني كريستا. حدقت فيه غير مصدقة. "هل هذه طريقتك في طلب المساعدة؟!" رغم الوضع المرعب، ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه. "عادةً لا أطلب." قبل أن تتمكن من الرد، دوى زئير الوحش مجددًا. التفت كاسيوس بسرعة. كانت العين الحمراء العملاقة مثبتة عليهما. وفجأة قفز الوحش نحوهما. أمسك كاسيوس بيد كريستا بقوة. ثم اندفعا عبر الغابة بسرعة مذهلة. كانت الأشجار تمر حولها كأنها خطوط ضبابية. "كيف... كيف نتحرك بهذه السرعة؟!" "أنا لست بشريًا بالكامل." (كريستا) : "ماذا؟!" (كاسيوس) : "لاحقًا." صرخت كريستا بانزعاج. "الجميع يقول لاحقًا!" ومن خلفهما كان الحارس الملعون يحطم كل شيء في طريقه. الأشجار تتساقط. الأرض تتشقق. والعواء المرعب يهز الهواء. وفجأة ظهر أمامهم جرف مرتفع. توقفت كريستا بصدمة. "لقد انتهى الطريق!" لكن كاسيوس لم يتوقف. بل شد يدها أكثر. (كاسيوس): "ثقي بي." (كريستا): "ماذا؟!" وقفز. صرخت كريستا بكل قوتها. كانت متأكدة أنهما سيسقطان. لكن شيئًا غريبًا حدث. ضوء ذهبي انطلق من جسد كاسيوس. ثم ظهرت خلفه أجنحة هائلة من الطاقة القمرية. اتسعت عينا كريستا. "أجنحة؟!" حلّقا فوق الوادي المظلم. بينما ظل الوحش على الجانب الآخر يطلق زئيرًا غاضبًا. لأول مرة منذ بداية الليلة... ابتعد الخطر قليلًا. هبطا فوق هضبة مرتفعة تطل على غابة لا نهاية لها. كانت السماء صافية هناك. والقمر يبدو أكبر من أي وقت مضى. تقدمت كريستا نحو الحافة ببطء. ثم همست: "كل هذا حقيقي..." وقف كاسيوس بجانبها. "بل هذه مجرد البداية." التفتت إليه. كان ضوء القمر ينعكس على شعره الفضي. وبدون أن تشعر... اختفى جزء صغير من خوفها. سألته أخيرًا: "لماذا كنت تبحث عني؟" ساد الصمت للحظات. ثم نظر إلى القمر. وقال بهدوء: "لأنني وعدتك." تجمدت كريستا. "وعدتني؟" "قبل ثلاثمائة عام." سقط الصمت بينهما. أما كريستا... فشعرت أن عالمها كله انقلب رأسًا على عقب مرة أخرى.
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!