

.♤.1.♤. اتكئت زيلفا على كُرسيِّ الزعامة الذي سلبتهُ داميان قِسرًا بمُساعدَتِها، ورُغمَ انقباضِ قلبِها جرَّاءَ ما فعلَت إلَّا أنَّها اطمأنَّت، فداميان الآنَ بأمان. هو ليسَ طامِعًا بالمُلك ولم يكُن مُرادهُ قط، ما عادَ تهديدًا لدى زيلفا ما عادَ هدَفًا لها ولا لمطامِعها، الأن تستطِيعُ أن تطمئِن__ «تخلَّصُوا مِنها.» لوهلة تصوَّرَت بأنَّها سمِعَت خطأً لكِنَّ رجالَ زيلفا أحاطُوها مِن جميعِ الجهات، تراجعَت للخلف: ماذا تفعلين؟! أنا حليفتُك! أبعدَت زيلفا خُصلةً بيضاءَ مِن على وجهِها ورمقتها ساخِرة: الذي خانَ حُلفاءه ليسَ بعيدًا ليأتي يومٌ و يخونني! رمقتها ليلا بعدَمِ تصديق: ما الذي تتحدَّثِين عنه؟! زيلفا: لا تدَّعِي الغباء أيتُها الشابَّة، ألستِ من أبلغنا بالمخبأ حيثُ تختبِئ زوجةُ داميان برِفقةِ مُتطوِّعاتِها لنقومَ بحرقِه؟ و أكملَت ساخِرة: دارُ أيتام؟ يالا السُّخف، أتسائلُ عن كمِّ الأطفالِ الذينَ تفحَّمُوا حتى الأن. هل اعتقدَ داميان بأنَّ وجودَ أطفالٍ في المكان سيردعُني؟ ربتت على ذقنِها: كانت أثينا حامِلًا حسبما أعلَم، هل نجَت مِن الحريق؟ ابتلعَت ليلا ريقها وشعرَت كأنَّ زيلفا تُكلِّمُ الهواء لا تُكلِّمُها، هذهِ المرأة تعتبِرُها جُثَّةً مُسبقًا! أكملَت زيلفا: كانت مع إحدى مُتطوِّعاتِها وقد حاولَت الفِرار، على الأرجح بأنَّ رِجالي وصلوا إليها وقتلُوها. استرخَت زيلفا بجلسَتِها: أمَّا داميان فقد أخذَ بقيةَ المُتطوِّعات إلى مكانٍ ما وأعتقِدُ بأنَّهُ أخبَرَكِ أين، أليسَ كذلك؟ كانت تتنفَّسُ بصعوبة، شعرَت كمن طُعِنَت في صميمِها: وصلتِ إلى مُبتغاك مالمغزى الذي ستصِلينه بإجابتي تِلك؟ ابتسمَت زيلفا: تمنِّيتُ إخبارَك، لكِن ما الجدوى مِن الحديثِ إلى الجُثث؟ حِينها أصابتها طعنةُ الوعي بالصميم: أتنوينَ قتله!؟ زيلفا: قتلهُم جميعًا، أم نسيتي أمرَ رفيقاتِك؟ تتذكَرُ جيِّدُا اتساعَ أحداقِ زيلفا وقتها، تتذكَرُ كومةَ الأجسادِ المُتهالِكةِ عِندَ قدَميها، وتتذكَرُ ذِراعَ زيلفا المقطوعة، ذراعها التي قطعتها بنفسِها ورصاصة زيلفا التي أصابت كتِفها لتفقِدَ وعيها بسبب الألم وانقطاع الأدرينالين، وحالما استيقظَت وجدَت نفسها تُجرَفُ إلى الخارِج بواسِطة رجُلين، جسدُها يرتطِمُ بالحصيِّ والحِجارة دُونَ أن يأبهوا وقد كانا ينويانِ إلقاءَ جسَدِها في مكبِّ النفايات. أغمضَت عينيها واستسلمَت لمصيرِها ليعودَ لها الماضي بصورِه المنفِّرة، ماضٍ نفتهُ في أقاصيها وما عادَت لفتحِه ولن تعودَ قط. تشكلَت صورةُ أثينا ببالِها، لطالما أثارَت بِها الغِبطةَ والغيرة، امرأةٌ شديدةُ الجمال تُحِيطُها هالةٌ نُورانية لا يشوبُها خطأ، يجزِمُ المرءُ بأنَّها انعكاسٌ لروحِها، كانت مثاليةً للحدِّ الذي جعلَها تشعُرُ بتقزُّمٍ أمامها. ورُغمَ كونِها أكثرُ حُسنًا وجمالاً إلَّا أنَّ داميان لم يلتفِت إليها قط، كانَ قد وقعَ بحُبِّ رُوحِ أثينا فلم يرى غيرها أو يعشَق سواها، وفي معركةِ الروح أدركَت بأنَّها أكثرُ الأرواحِ خسارة. و الأن هاهي ذي تتجِهُ إلى حتفِها و داميان الأن__ داميان الأنَ لوحدِه! حرَّرت نفسها من قبضةِ الرجُلين وقتلتهُما بيديها العاريتين و تركت جُثَّتيهما للأيام تأكُلها كيفَ تشاء وأسرعَت الخُطى إلى المخبأ حيثُ اتفقت مع داميان. عِندما وصلَت كانت بحالةٍ يُرثى لها، مُغطَّاةٌ بالدِّماء من رأسِها حتى أخمصِ قدَمِيها، ملابِسُها شبهُ ممزقة، يغزو جلدها الجُروح، تقدَّمَ داميان نحوها فتقدَّمَت إليه وألقَت نفسها على صدرِه حيثُ تقبُع الطمأنينة والأمان والوطَن. .♤.2.♤. فتحَت عيناها على وقعِ الذِكرى و دمعةٌ يتيمة فرَّت سجنَ عينيها الشفافتين، كم كانَ حُزنُها مفضوحًا واضِحًا للعيان إلَّا أنَّ أحدًا لم يأبه لمواساتِها. كانت أثينا يومًا لا يرفُّ لها جفنٌ حتى تجعلها تضحَك بجانِبِ سينا. كم كانت امرأةً أنانية، أفسدَت سعادةَ الرجُلِ الذي تُحِب وفقدَت ثقةَ رفيقاتِها، أنساها الحُب - بل الهوَس - قيمة ما كانت تملِك، الأن خرجَت صِفرَ اليدين بمُعادلةِ الحُب وخسِرَت حبيبَ عُمرِها ورفيقاتِ الكفاح. وقعَت عيناها أمامَ صورَةِ أثينا المُخصصةِ لها، حتى ثوبُها الأسوَد لم يحجُب بياضَ رُوحِها، حتى وهي ميِّتة تبقى على قيدِ الحياة، بأثَر وذكرى وخسارةٍ مريرة. أطلقَت تنهيدةً مِن صدرِها، لم تُشعِل شمعةً لأثينا قط لأنَّها مُدرِكةٌ بأنَّ شخصًا مُنيرًا مِثلها لن يحتاجَ لظلمَتِها. «ماذا تظُنينَ نفسَكِ فاعِلة؟» التفتت نحو صاحِبة الصوت والتي لم تكُن عدا سينا، صديقةُ الصِبا ومُنافِسَتُها الأكبَر على حظوةِ أثينا فيما مضى. أجابتها: أتمشَّى، أم أنَّ ذلكَ ممنُوع؟ عقدَت سينا ساعِديها: لو كانَ لديكِ أدنى احترامٍ لصاحِبةِ القصرِ وزوجِها لما تجرأتي على دُخولِه وتدنيسه بخُطاك. كانَت ليلا تعيشُ بشقَّةٍ مُنفصِلَةٍ عن القصر ومن حينٍ لآخَر تتجوَّلُ بالحديقة أو أنحاء القصر دونَ أن يُكلِّمها أحَد. كشبحٍ هائِم، لا يُريدُه الموت ولا تُريدُه الحياة. تمتمت بدِفاع: ليسَ بيدي الحُكمُ على قلبي__ قاطعتها بهدوء تضُمُّ ذِراعيها: دعينا نتوقَف عن الكذِبِ على أنفُسِنا، مشاعِرُكِ لداميان لم تكُن حُبًّا، لو كُنتِ تُحِبِّينه حقًّا لما آذيتي أعزَّ الأشخاصِ لديه، كانَ الحُبُّ ليشفع لكِنَّ فِعلتَكِ أبشعُ مِن أن يُغطِّيها حُبُّكِ الزائِف. ابتسمَت ساخِرة مُحاولةٍ إخفاءِ قلَقِها، لكِنَّ جسَدُها رُغمًا عنها كانَ يرتجِف: هل أخبرتكِ أثينا ذلكَ بالحُلم، ألم اقُل لكِ بأنَّ ذلكَ محضُ شيطانٍ يتلاعَبُ بِك؟ سينا: أنا لستُ بحاجةٍ لشيطانٍ في الحُلم فلديَّ واحِدَةٌ على أرضِ الواقِع أمامي. شحُبَ وجهُها لتُكمِل سينا تخترِقُها بنظراتِها المُستعلية: تتلاعَبُ بِنا وتُمثِّلُ دورَ المغلوبِ على أمرِها من فرطِ الحُب وتستعطِفُ داميان وكردَّةِ فِعل لطبيعتِه الطيِّبة يُداوِي جراحَك ويُطبطِبُ على أوجاعِك في الوقتِ الذي تسببتِ له بأكبَرِ خساراتِ عُمرِه. تقدَّمَت سينا نحوها بغضَب فتراجعَت للخلفِ إلَّا أنَّها قبضَت على كتِفيها تهُزُّها: كانَ سيكُونُ أباً، و أنتِ__ سكتت تستجمِعُ حروفها، تصرُخُ فيها: أنتِ قتلتِ طِفله وحُبَّ عُمرِه، كيفَ تستطِيعينَ العيشَ مع هذا الذنب؟! كيفَ يُمكِنُكِ العيش وأنتِ تحمِلينَ أرواحًا بريئةً فوق كتِفيك؟! كيفَ تتحمَّلينَ العيش وقد تسببتِ بتعاسةِ الرجُلِ الذي «تُحِبِّينه»؟! لم تملِك ردَّاً، و كيفَ لها ذلك؟ اختنقَت كلِماتُها وسطَ حنجرَتِها في حِينِ ضغطَت سينا على كتِفيها وبأعجوبة كتمة آهة آلمٍ جمٍّ بروحِها قبلَ كتِفيها. تتوسَّلتها سينا: قولي شيئًا... أرجوك، قولي شيئًا يُعيدُ المياهَ إلى مجارِيها... قولي شيئًا يُعيدُ إليَّ صديقتي التي رحلَت... أرجوك، لا تقطعِي أمَلِي بها. بدأت عيناها تقطِرانِ بالدَّمع فتغرِزَ سينا أظفارَها بكتِفيها وهي تقول: لا أُريدُ دموعَك ولا صمتك. أخفضَت رأسها: ماذا تُريدينَ مِنِّي قوله؟ أنا فقط سأوجِعُك. حِينها دفعتها لتصطدِمَ بالطاوِلةِ خلفها فيهوي الشمعدان وكذلكَ اللوحةُ السوداء وتُغادِرَ ركضًا من شدَّةِ القهر، في حِينِ نهضَت بهدوء وأعادَت الشمعدان واللوحةَ مكانَهُما وتوجَّهت لغُرفتِها وما إن اطمأنَّت أنَّها بحِصنِها الأمين حتى انهمرَت بالبُكاء. .♤.3.♤. تقدَّمَ داميان وهو يجُرُّ عربةَ طعامٍ بيدِه: أحضرتُ لكِ الطَّعام! «أنتَ تقتُلني.» فاجأته وفاجأت نفسها بقولِها، أبعدَت شعرَها حالِكَ السوادِ عن وجهِها ليظهرَ وجهُها المُنتفِخ مِن شدَّةِ البُكاء فملأ قلبهُ الفزَع: ماذا حدَث؟! مسحَت دُموعها: أنت، أنتَ ماحدَث! أصدَرَ تنهيدَةً عمِيقةً مِن روحِه ليسألها: هل تناولتِ دواءك؟ أجابته: وما الفائِدة؟ حالي ستزدادُ سوءً في كِلا الحالتِين وأنت... سألها: ما بي أنا؟ كانت ستتحدَّث لتعقِدَ حاجِبيها وهي ترى أطفالًا يمُرُّونَ أمامَ غُرفتِها لتسأل: من أينَ أتى هؤلاء الأطفال؟! داميان: هؤلاء أبناءُ سيرينا، ألا تذكُرين، لقد أتت بِهِم بعدَ طلاقِها. همسَت ساخِرة: سيرينا تطلَّقَت! هل أصبحَ المكانُ فجأة جمعيةً خيرية؟ ابتسمَ داميان وهو يرفعُ الأغطية عن الأطعِمة، رائحةُ اللحم والحساء الشَّهيَّة احتلَّت أنفها بالإضافة إلى الخبزِ المُحمَّص مع الشَّاي. «عِندما واجهَت سيرينا زوجها بإختلاسِه هدَّدها بأولادِها فكسرَت يديه.» حِينها ابتسمَت فهي تبقى دائِمًا بمعزَلٍ عن الآخرِين وكانت لتفقِدَ صوابها مِن فرطِ الوِحدة التي فرضنها عليها، داميان كانَ الشخصُ الوحيدَ الذي يُؤنِسُ وِحدَتها. «تتلاعَبُ بِنا و تُمثِّلُ دورَ المغلوبِ على أمرِها من فرطِ الحُب وتستعطِفُ داميان وكردَّةِ فِعل لطبيعتِه الطيِّبة يُداوِي جراحَك ويُطبطِبُ على أوجاعِك في الوقتِ الذي تسببتِ له بأكبَرِ خساراتِ عُمرِه...» «أنتِ قتلتِ طِفله وحُبَّ عُمرِ ، كيفَ تستطِيعينَ العيشَ مع هذا الذنب؟!» انتفضَت وكلِماتُ سينا تطعنُها بالصَّميم، الواقِع هي لا تعيش، بل تموتُ باليومِ ألفَ مرَّة، إن لم يقتُلها المرَض قتلها الذنب. «أنا أُحِبُّك.» اعترافٌ اعتادَت قوله وابتسامةٌ رقيقةٌ اعتلَت شفتيه اعتادَت رُؤيتها، لم يكُن يرُدُّ على إعترافاتِها قط لكِنَّه كانَ يرُدُّ على ما دُونَ ذلك وكأنَّهُ خائِفٌ من قولِ أيِّ شيءٍ مِن شأنِه جرحُها. لم يعلَم بأنَّ صمتهُ يجرحُها، إنَّهُ عِقابُها وهي تتقبَّلُه بصدرٍ رحِب. بقيا يتحدَّثان حتى مُنتصَفِ الليل ليُغادِر وقد ارتسمَت على شفتيها ابتسامةٌ عذبة سببُها هو، فلتكُن سينا وبقيَّةُ المُتطوِّعاتِ ضدَّها، لكِنَّها تؤمِنُ يقينًا بأنَّ داميان لن يتخلَّى عنها حتى لو عرفَ الحقيقة، هو. لن. يتخلَّى. عنها. أبدًا. وغفَت مُطمئنَّةً على إيمانِها ذاك. .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!