


"لماذا وافقت على المجيء إلى هنا؟ كنت أعلم أنني لن أحتمل البقاء بين هذا العدد من الغرباء.. أبواب كثيرة.. أصوات كثيرة.. وجوه لا أعرفها.. لا.. لا.. يجب أن أهدأ!"


فيلا التدريب الساحلية - غرفة المعدات اللاسلكية جلس ناروشي إيجي على حافة الكرسي وكأن الكرسي نفسه قد يبتلعه إن استرخى قليلًا كانت الغرفة التي خُصصت له أشبه بمختبر تقني صغير أكثر من كونها غرفة نوم جدرانها بلون أزرق باهت مائل إلى الرمادي وإضاءة بيضاء باردة تتدلى من السقف المستوي وفي الزاوية القريبة من النافذة امتد صف طويل من الأجهزة الدقيقة أجهزة إرسال صغيرة ومستقبلات رقمية ولوحات دوائر إلكترونية مفتوحة وأسلاك دقيقة ملتفة بعناية أما الطاولة الرئيسية فقد تحولت إلى فوضى علمية منظمة حواسيب محمولة مفتوحة وشاشات تعرض مخططات رقمية وعدة مفكات صغيرة مصطفة كما لو كانت أدوات جراحية رفع إيجي نظارته قليلًا فوق أنفه المرتجف ثم نظر حوله بقلق: "الهدوء.. الهدوء جيد.. طالما لا أحد يدخل فجأة.. طالما لا أحد يصرخ" مد يده المرتعشة نحو لوحة إلكترونية صغيرة لكن الباب طُرق فجأة تجمد جسده بالكامل وسقط المفك من يده ثم بصوت خافت يكاد لا يُسمع: "لا... لا... ليس الآن" طُرق الباب مرة أخرى ثم جاء صوت مألوف من الخارج: "سيد إيجي؟" "أنا نوبويا" تنفس الصعداء قليلًا لكنه بقي متجمدًا في مكانه لثوانٍ ثم بصوت متردد: "ا... ادخلي" فُتح الباب ببطء ودخلت نوبويا وهي تحمل ملفًا سميكًا وجهازًا صغيرًا في يدها ألقت نظرة سريعة حولها الطاولة مغطاة بالأسلاك والأجهزة والمخططات الرقمية تملأ الشاشة الكبيرة بابتسامة خفيفة: "يبدو أنك بدأت العمل بالفعل" لم يجب إيجي مباشرة كان يحاول إبعاد بعض الأوراق بسرعة وكأنها أسرار دولة لا يجوز لأحد رؤيتها ثم رد بتوتر: "أ... أجل" "كنت فقط أراجع بعض الإعدادات" اقتربت نوبويا قليلًا ثم وضعت الجهاز الذي بيدها فوق الطاولة وعقبت: "السيد إيكتو طلب مني إعطاءك هذا" نظر إيجي إلى الجهاز.. ثم التقطه بحذر شديد.. وقلبه بين يديه وفي استنتاج رد: "جهاز اتصال قصير المدى" رفعت نوبويا حاجبها بدهشة: "عرفت ذلك بهذه السرعة؟" ارتبك قليلًا ثم: "الأمر واضح من تصميم الهوائي" جلس على الكرسي وبدأ يفك الغطاء الخلفي للجهاز بدقة مفرطة بينما يهمس لنفسه: "الدوائر هنا بدائية قليلًا" "يمكن تحسينها بسهولة" راقبته نوبويا للحظة ثم اسهبت: "السيد إيكتو يريدك أن تشرح لنوريكو كيفية استخدام هذه الأجهزة" تجمد إيجي مرة أخرى رفع رأسه ببطء شديد وسأل: "أنا؟" أومأت نوبويا بثقة: "نعم" ثم أضافت: "هي بحاجة إلى معرفة أساسيات الاتصال اللاسلكي قبل بدء المهمة" ارتجفت أصابع إيجي قليلًا فوق الجهاز ثم عاد للسؤال مرة أخرى: "هل... هل سأضطر إلى الشرح أمامها مباشرة؟" أجابت نوبويا: "بالطبع" خفض رأسه ببطء شديد وحدث نفسه: "هذا سيئ هذا سيئ جدًا الحديث مع شخص واحد صعب بما فيه الكفاية فكيف إذا كانت تلك الفتاة تحديدًا" رفع رأسه قليلًا ثم سأل للمرة الثالثة بتردد: "هل... هل هي هنا الآن؟" ردت نوبويا: "على السطح مع السيد كازوهارو" تجمدت عضلات وجهه للحظة ثم تنهد بارتياح واضح وقال: "جيد.. هذا يعني أن لدي وقتًا" عاد ينظر إلى الجهاز في يده ثم بصوت خافت: "ربما.. ربما إذا شرحت الأمر بسرعة .. لن أضطر إلى النظر في عينيها كثيرًا" وقفت نوبويا تراقبه بصمت للحظة ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت في نفسها: "غريب الأطوار فعلًا لكنه عبقري حقيقي" بينما كان إيجي منحنياً فوق الطاولة غارقًا في عالم الدوائر الإلكترونية وهمس لنفسه بقلق: "فقط" "لا يدخل أحد فجأة مرة أخرى" كانت نوبويا لا تزال واقفة قرب الباب تنظر إلى الطاولة المليئة بالأجهزة والأسلاك التي تحيط بالبروفيسور من كل جانب ثم تنهدت بخفة: "حسنًا" "سأتركك تعمل بسلام يا سيد إيجي" هز إيجي رأسه بسرعة وهو ما يزال محدقًا في اللوحة الإلكترونية أجابها: "ن... نعم" "هذا سيكون جيدًا" تقدمت نوبويا نحو الباب وضعت يدها على المقبض فتحت الباب نصف فتحة ثم خطت خطوة إلى الخارج وفي اللحظة نفسها اصطدمت مباشرة بشخص يقف خلف الباب ارتد جسدها خطوة إلى الخلف ورفعت رأسها بسرعة لتجد إيكتو يقف أمامها مباشرة ― بكتفين عريضين وهيئة تملأ المكان حضوراً وتلك الابتسامة الصبيانية التي لا تفارق وجهه وخلفه بقليل كانت نوريكو تقف بهدوء شعرها الأسود معقود في ذيل حصان ووجهها خالٍ تمامًا من أي تعبير تجمدت نوبويا للحظة ― ثم اتسعت عيناها فجأة وقالت: "س... سيد إيكتو!" اعتدل إيكتو قليلًا وهو يضحك بخفة ايكتو: "أوه، نوبويا" ثم أضاف: "يبدو أنك كدتِ تدهسينني عند الباب!" ارتبكت نوبويا بسرعة وتراجعت خطوة حاولت الوقوف باعتدال لكن الملف الذي كانت تحمله انزلق من بين يديها فتناثرت الأوراق فوق الأرض، فانحنت على عجل لتجمعها إلا أن حركتها تباطأت حين وجدت إيكتو ينحني إلى جانبها في اللحظة نفسها فارتطم رأساهما بخفة توقفت نوبويا في مكانها .. ثم رفعت رأسها ببطء وكان وجهها قريبًا من وجهه لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس نفسها داخل عينيه .. قال إيكتو مبتسمًا: "يبدو أن الأرض قررت مهاجمتنا اليوم!" أما جني نوبويا الصغير فقد ظهر فوق رأسها في تلك اللحظة وهو يصرخ بهستيريا: "يا إلهي! إنه قريب جدًا! هذا هو الوجه الوسيم الأسطوري! تماسكي يا نوبويا! لا تنهاري الآن!" لكن كالعادة ― لم يكن أحد يسمع ذلك الصراخ سوى عقلها المرتبك تلعثمت نوبويا: "أ... أنا آسفة سيدي" "لم أنتبه أنك تقف خلف الباب" أخذ إيكتو آخر ورقة من الأرض ثم ناولها إليها بلطف وقال: "لا بأس" ثم أضاف مبتسمًا: "على الأقل لم نكسر الباب" رد عليه جنيها المتهور: " كل سخافاتك رائعة يا ايكتوسان ~" وقفت نوبويا أخيرًا وهي تضم الأوراق إلى صدرها متشبثة بها وكأنها درع نجاة بينما غمرت الحمرة وجهها حتى أطراف أذنيها حاولت التماسك ثم اردفت بسرعة: "ك... كنت للتو أخبر البروفيسور عن أجهزة الاتصال الجديدة" أومأ إيكتو برأسه وقال: "جيد" ثم أشار إلى الداخل وسأل: "هل يمكننا الدخول؟" ابتعدت نوبويا فورًا عن الباب في قفزة واحدة .. وكأن الأرض أصبحت حامية تحت قدميها دخل إيكتو إلى الغرفة أولًا ثم تبعته نوريكو بخطوات هادئة.. سقطت نظرتها مباشرة على إيجي الجالس خلف الطاولة والذي كان في تلك اللحظة قد تجمد تمامًا كأن جهازه العصبي توقف عن العمل فجأة همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع: "لا" "لا" "لماذا الآن؟" رفع رأسه ببطء شديد فرأى إيكتو يقف أمامه مبتسمًا وخلفه مباشرة كانت نوريكو تنظر إليه بعينيها البنفسجيتين الهادئتين تجمد جسده بالكامل وسقط المفك من يده للمرة الثانية وهمس بصدمة: "آه..." أما إيكتو― فرفع كوب القهوة قليلًا وقال بنبرة مرحة: "صباح الخير يا بروفيسور" ثم أشار بإبهامه إلى نوريكو الواقفة خلفه وأضاف: "جئت لأعرفك على طالبتك الجديدة!"

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!