

سواءً نامت ليلًا أم نهارًا، استيقظت ظهيرةً أم فجرًا، لا يوجدُ من يتمنى لها الخير. فمنذُ أول لحظة تتذكرها كانت وحدها في عالمٍ معزولٍ ولخمسةَ عشر عام، لا تدري إن كانت في الثالثة والعشرين أم الرابعة والعشرين من العمر، أكبر من ذلك أم أصغر. ولا تدري بتاريخ اليوم، فهي تحسب السنين بمرور الفصول الأربع. لا تعلم كيف عرفت بطريقة الحساب هذه ولكن ولسببٍ مجهول كانت محفورة في طي ذكرياتها المنسية كما اسمُها… راين (Rain): كالمَطَر، الهتّان، والغَدَق… يحمل العديد من المسميات حسب شدته، مما جعلها تظن انه اسمٌ يناسب تقلبات مشاعرها بين الهيجانِ والهدوء. كانت تتوق لسماعِ من يناديها باسمها، تتوق لمسَ أحدهم أو الحديثِ معه، تتوق كلماتٍ عادية مثل صباحِ الخير وعمتِ مساءً. حاولت بشتى الطرق إيجاد وسيلةٍ تصلها بالناس، أي وسيلة ممكنة! واستغرقت ٥ سنوات منذ اليوم الذي استيقظت فيه بذكرياتٍ ممحية، وكل ما بقي معها هو ملابسها والقليل من المعرفة العامة بالسحر… أجل، استخدمت سحرها وكرست كل طاقتها لتُحقِقَّ ما تتمنى. ابتكرت العديد من التعويذات، واستغلت خيالها الخصب لابتكارِ تعويذة تستغل بلورة زجاجية صنعتها بسحرها. كانت البلورة هي الصلةُ الوحيدة بينها وبين العالمِ الخارجي، حيثُ تستطيع من خلالها مراقبة حياةَ أولئك الذين يعيشون فيه. كان ذلك أقصى ما توصلت إليه، فلم تستطع التواصل معهم. أخذت تقلدهم فترسم، تغني، تحاول تجسيد كل شيء أرادته بالسحر. ملابس، حلي، أقمشة لتجرب الحياكة، تصنعُ ألوانا تطلي فيها لوحاتٍ خشبية. لم تترك شيئًا لم تجربه محاولة ملء الفراغ القاتل الذي تشعُرُ به. كانت تخفي وحدتها بحديثها مع نفسها، تتحدث مع الأزهار، الغيوم والنجوم. بكل حماسةٍ ونشاط، لعل وعسى أن ينعكس ذلك عليها ويصبح الشغفُ جزءًا منها. هذهِ هي راين، سواء رسمَت أم غنَّت، راقبت الأشخاص أم غَفَت. فهي وحدها دائمًا وأبدًا.
9 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!