

__________________________ جمع لينكولن ذراعيه فوق مكتبه الصغير وأسند رأسه عليهما، وهو يتأمل برطماناً زجاجياً مليئاً بالسكاكر، بمختلف الألوان والأشكال. كان والده يعطيه حبةً واحدةً كل يوم، رغم أن لينكولن أخبره مراراً بأنه لا يحبها، حتى امتلأ البرطمان إلى آخره، مزيناً بانعكاس ألوانها الزاهية على زجاجه الشفاف. لقد كان حلم كل طفل. أمام المكتب تزينت الغرفة بنافذة غير قابلة للفتح، مجرد مربع زجاجي كبير ومتين. يشاهد كل يوم من خلاله أبراج مالوري المجاورة للبرج الذي يعيش فيه وتضيء منها آلاف النقاط المربعة من نوافذ أشخاص آخرين مثله. لم تكن الشمس تشرق في سمائهم، لذا لا يمكن رؤية أي شيء من النوافذ؛ غير سماء صافية مزينة بالأجرام النجمية. نظر لينكولن إلى الأفق الذي كان أشبه بخط أبيض بهي يتخلله اللون الأخضر، إنه يدل على عالمٍ آخرَ تماماً هناك، عالمٍ من الفوضى. غنت آلية قفل الباب بأنغامها المنبهة وهي تفتح، ودخل عبرها إلى الغرفة شاب بشعر أبيض وعيون ذهبية، وكأنه النسخة الأكثر شباباً من والد لينكولن. كان هذا شقيقه الأكبر كينان، الذي قال "هل انتهيت؟" قال لينكولن "من ماذا؟" رفع كينان كتفيه "لا أعرف، ألا تريد أخذ شيءٍ معك؟" "لا..." قال لينكولن، ثم توقف عن الكلام وفكر للحظة. رفع برطمان السكاكر وأدخله في آلة الطلبات، التي ستوصل جميع أمتعته إلى أي مكان يذهب إليه. تمشى لينكولن بجانب كينان داخل ممرات أبراج مالوري. كان كينان طويلاً كوالدهما ويكبره بعشر سنوات، لكنه يضع يديه في جيوبه عوضاً عن إمساك يد لينكولن كما كان يفعل والده. "ما هي المدرسة؟" سأل لينكولن "كانت تسمى المدرسة في الماضي، الآن تدعى مركز تأهيل الناشئين" قال كينان "لكن ما هي؟" قال لينكولن "إنها مكان يعلمك كيف تصبح مثلي" قال كينان "لكني لا أريد أن أصبح مثلك" قال لينكولن بعفوية "اخرس" قال كينان صمَتا لفترة، ثم سأل كينان "إلى أي رقم يمكنك أن تعد؟" قال لينكولن بفخر "يمكنني العد حتى مئة ألف" "فقط؟" قال كينان تفاجأ لينكولن وأراد أنْ يجادل، لكنه سمع صوتاً لطيفاً ينادي باسمه "لينكولن" ابتسم لينكولن وركض إلى الأمام وهو يمد يديه قائلاً بحماس "كينو" سار كينو بجانب لينكولن وهما يثرثران بسعادة "هل ستذهب إلى المدرسة أيضاً؟" سأل لينكولن. تلاشت ابتسامة كينو "أنا لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة" تفاجأ لينكولن "لماذا؟" حاول كينو تغيير الموضوع "انظر، لقد وصلنا" نظر لينكولن إلى الأمام، في نهاية الممر تقبع بوابة المصعد الفولاذية الضخمة وأسفلها كان يقف والدهم، الذي قال "لقد تأخرتم" قال كينان بلسانه الحاد وابتسامةٍ ساخرةٍ "لماذا؟ هل تؤلمك مفاصلك من الوقوف؟" بدا على كينو الخوف وكأنه ينتظر صفعة تضرب خد شقيقه الأكبر، لكن وجه والدهم المبتسم لم يتغير. "يمكنك المغادرة الآن" قال الأب. ضغط كينان على أسنانه وسحب كينو من يده "لنذهب" نظر لينكولن بفم مفتوح إلى شقيقيه اللذين كانا يبتعدان دون أن يلتفتا إليه. مد الأب يده ببطءٍ نحو رأس لينكولن الذي استدار عندما لاحظ ذلك وبادر بإمساكها. ارتفعت البوابة الفولاذية بكل سلاسة للأعلى رغم ثقلها وكشفت عن حجرةٍ ذات جدران زجاجية. أضاء مربع صغير مثبت في الجانب بأرقام ملونة بالأحمر، ثلاثمئة وسبعة، وبدأ هذا الرقم بالتناقص عندما هبط المصعد إلى الأسفل بلا توقف. وضع لينكولن أصابعه الصغيرة على جدار المصعد الزجاجي ونظر إلى المدينة في الأسفل. يبدو أن لا أحد يهتم بتصميم المنازل الخارجية، فكلها عبارة عن مكعبات مختلفة الأحجام باللون الأزرق الداكن. فرقت بينها بعض الطرق، تسير فوقها مركبات متعددة الأشكال، تضيء من الخلف والأمام بالمصابيح الملونة كالأحمر والأصفر والأزرق وكأنها نجومٌ تسير على الأرض. أضاء المربع الصغير بالرقم خمسة وتوقف المصعد أخيراً عند الطابق الخامس. استقبلهم شاب بشعرٍ وزيٍّ أسود اللون، تجاهل لينكولن كلامه وترحيبه، فقد لمعت عيناه وهو يتطلع إلى ما يوجد خلفه. كانت الساحة مزدحمة بعدد كبير من الأطفال يلعبون ويجرون في المكان جاعليها تضج بصيحاتهم الصاخبة. انحنى الشاب نحو لينكولن وقال "هل أنت مستعد؟" تحمس لينكولن وسار خلف الشاب، في تلك اللحظة شعر بيد والده وهي تفلت يده الصغيرة، اتسعت عيناه واستدار للخلف، بينما وضع والده يديه في جيوبه. "لماذا توقفت؟" قال لينكولن. "عليَّ العودة الآن" قال والده بابتسامةٍ باردة. "لكنك قلت إننا سنذهب؟!" قال لينكولن بخوف "لا، قلت إنك ستذهب، وحدك" قال والده. __________________________
5 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!