

مرّت الأيام التالية أسرع مما توقعت. ومنذ ذلك اليوم، لم أره مجددًا. في البداية، كنت أظن أنني سأشعر بالارتياح، لكنني اكتشفت أن الأمر لم يكن كذلك تمامًا. كنت كلما دخل زبون جديد إلى المقهى، أرفع رأسي دون تفكير، وكأن جزءًا مني كان ينتظر أن أراه مجددًا. كنت أكره الاعتراف بذلك. فأنا بالكاد أعرفه. كل ما أعرفه أنه رجل غريب اصطدمت به، وحطمت هاتفه، ثم وقفت أمامه أعده بأنني سأدفع ثمن إصلاحه رغم أنني لم أكن أملك حتى ما يكفي لتغطية مصاريفي. ومع ذلك... كنت أفكر فيه. ربما لأن وجوده في ذلك اليوم ترك بداخلي شعورًا غريبًا لم أفهمه. لم يكن إعجابًا. على الأقل، هذا ما كنت أقنع نفسي به. كان فضولًا. نعم، مجرد فضول. ولهذا عندما اهتز هاتفي مساء الأربعاء، لم أتوقع أن يكون هو. نظرت إلى الرقم الغريب على الشاشة، وترددت قليلًا قبل أن أجيب. "مرحبًا؟" ساد الصمت للحظات. ثم جاءني صوت مألوف. "مايا؟" توقفت أنفاسي للحظة. عرفته. "أنت..." ضحك بخفة. "يبدو أنك عرفتِني." "صاحب الهاتف." "هذه ليست طريقة لطيفة لوصف شخص." ابتسمت رغمًا عني. "أنت لم تخبرني باسمك." ساد صمت قصير. ثم قال: "آسر." كررت الاسم في ذهني دون أن أشعر. آسر. كان اسمًا بسيطًا، لكنه بطريقة ما بدا مناسبًا له. "حسنًا يا آسر... ماذا تريد؟" "أريد أن نتحدث عن الهاتف." تنهدت. "قلت لك إنني سأدفع." "وأنا لم أقل إنني أريد المال." عقدت حاجبي. "إذن ماذا تريد؟" "عشاء." رفعت رأسي عن الوسادة. "عشاء؟" "يوم الجمعة." ضحكت بخفوت. "هل هذه طريقة جديدة لطلب تعويض عن هاتف مكسور؟" "ربما." هززت رأسي وأنا أبتسم. "أنت غريب." "هل ستأتين؟" سكتُّ. لم أعرف لماذا ترددت. ربما لأنني لم أكن معتادة على أن يدعوني أحد إلى عشاء كهذا. وربما لأنني كنت أخشى أن أكتشف أن فضولي تجاهه أكبر مما كنت أريد الاعتراف به. "أين؟" أخبرني باسم المطعم. ثم قال: "الثامنة مساءً." نظرت إلى الساعة. "حسنًا." "حسنًا ماذا؟" "سآتي." أغلقنا المكالمة بعدها بدقائق. وبقيت أحدق في هاتفي. آسر. مررت أصبعي على اسمه الذي حفظته في جهات الاتصال، ثم توقفت. "مجرد عشاء." قلت لنفسي. لكن شيئًا بداخلي لم يصدقني. --- جاء يوم الجمعة. وبشكل غريب، شعرت أن الساعات لا تتحرك. منذ الصباح وأنا أفكر في المساء. كنت ألوم نفسي على ذلك، وأحاول أن أشغل عقلي بأي شيء آخر، لكنني كلما نجحت في نسيانه لدقائق، عاد اسمه إلى رأسي من جديد. آسر. لم أكن أعرف عنه شيئًا تقريبًا. لا أعرف من أين جاء. ولا ماذا يعمل. ولا لماذا اختار أن يدعوني إلى العشاء بدلًا من أن يطلب مني إصلاح هاتفه وانتهى الأمر. لكنني كنت سأعرف الليلة. وقفت أمام المرآة بعد أن ارتديت فستاني الأحمر. تأملت نفسي للحظات. لم أكن معتادة على ارتداء شيء كهذا، ولهذا شعرت بشيء من التوتر. عدّلت إحدى خصلات شعري البني، ثم تنهدت. "هل أنا فعلًا ذاهبة إلى عشاء مع رجل بالكاد أعرفه؟" نظرت إلى انعكاسي. "نعم." ثم أضفت: "ولماذا أشعر أنني مجنونة؟" لم يجبني أحد. أخذت حقيبتي وغادرت. --- عندما وصلت إلى المطعم، كان المكان أكثر فخامة مما توقعت. توقفت عند المدخل للحظات، وشعرت بشيء من التردد. لم أكن أنتمي إلى أماكن كهذه. كنت معتادة على المقاهي الصغيرة، والطاولات المزدحمة، والملابس العملية، والأيام التي تنتهي وأنا أحسب ما تبقى معي من المال. أما هنا... كل شيء بدا مختلفًا. رفعت عيني، فرأيته. كان يقف بالقرب من المدخل، وقد ارتدى بدلة سوداء بسيطة جعلت مظهره أكثر ترتيبًا مما رأيته عليه في المقهى. كان أول شيء لاحظته هذه المرة هو طوله. ثم كتفاه العريضتان. ثم شعره الأسود الذي بدا أكثر ترتيبًا، وإن بقيت فيه بعض الخصل التي سقطت بشكل عفوي فوق جبينه. وعندما اقتربت، رفع عينيه نحوي. كانت عيناه بنيتين داكنتين، عميقتين بطريقة جعلتني أنسى للحظة ما كنت سأقوله. ثم نظر إلى فستاني. وساد الصمت بيننا لثوانٍ. شعرت بالحرج. "هل... تأخرت؟" هز رأسه ببطء. "لا." ثم رفع عينيه إليّ مجددًا. وقال ببساطة: "الأحمر يليق بك." توقفت. لم أعرف ماذا أقول. لم تكن الجملة كبيرة. مجرد ثلاث كلمات. ومع ذلك، شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي. خفضت نظري بسرعة. "شكرًا." ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أشار إلى الداخل. "ندخل؟" أومأت. جلست أمامه، وحاولت أن أتصرف بشكل طبيعي، لكن قلبي كان يخالفني. كنت أشعر بأنني أراه للمرة الأولى فعلًا. في المرة السابقة، كنت مشغولة بالخوف من الهاتف وبالإحراج الذي سببه اصطدامي به. أما الآن، فقد أصبحت لدي فرصة لأن أنظر إليه دون أن أهرب بعيني. ملامحه كانت هادئة. أنفه مستقيم، وفكه محدد، وبشرته السمراء قليلًا جعلت عينيه تبدوان أكثر قتامة. لكنه لم يكن يبدو متكبرًا كما توقعت. على العكس... كان يتحدث بهدوء، ويستمع عندما أتكلم، ولم أشعر للحظة بأنه ينظر إليّ باعتباري أقل منه. وهذا الأمر تحديدًا أربكني. تحدثنا عن أشياء بسيطة في البداية. سألني عن عملي، وعن دراستي، وعن الأشياء التي أحبها. وأنا، دون أن أدرك، بدأت أتحدث أكثر مما ينبغي. حدثته عن أحلامي الصغيرة. عن الأشياء التي أتمنى أن أفعلها يومًا. عن الأماكن التي أريد زيارتها. وعندما انتهيت، نظرت إليه بخجل. "آسفة... تكلمت كثيرًا." هز رأسه. "لم أمانع." نظرت إليه. كان صادقًا. وهذا جعل صدري يضيق بطريقة غريبة. لم أعتد أن يستمع أحد إليّ بهذه الطريقة. أن يهتم بما أقوله دون أن ينتظر مني شيئًا بالمقابل. لذلك، وللمرة الأولى منذ وقت طويل... شعرت بالراحة. ربما أكثر مما ينبغي. بعد انتهاء العشاء، خرجنا من المطعم. كانت السماء مظلمة، والهواء البارد يلامس وجهي. وقفنا أمام السيارة، ثم التفت إليّ. "استمتعت الليلة." ابتسمت. "وأنا أيضًا." سكت قليلًا، ثم قال: "إذن... هل يمكنني رؤيتك مرة أخرى؟" توقفت للحظة. نظرت إلى عينيه، ثم ابتسمت دون أن أتمكن من منع نفسي. "ربما." ضحك. "سأعتبرها موافقة." ركبت السيارة التي ستعيدني إلى المنزل، بينما بقي هو واقفًا أمام المطعم. طوال الطريق، ظللت أفكر في تلك الليلة. في صوته. في ابتسامته. وفي الجملة التي قالها عندما رآني. الأحمر يليق بك. ولم أكن أعرف لماذا بقيت تلك الكلمات عالقة في رأسي أكثر من أي شيء آخر. كنت أظن أنني بدأت أتعرف إلى شخص جديد. ولم أعرف أنني، في الحقيقة... كنت أقترب من شيء سيغير حياتي بالكامل. شيء سأدفع ثمنه لاحقًا... أكثر بكثير من ثمن هاتف محطم.
12 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!