

استيقظتُ في ذلك الصباح وأنا أشعر بأن شيئًا مختلفًا سيحدث. لم أعرف لماذا، فلم يكن هناك أي سبب واضح يجعلني أشعر بذلك، ومع ذلك بقي ذلك الإحساس يرافقني منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني، وكأنه تحذير صغير تجاهلته دون أن أعرف من ماذا يحذرني. مددت يدي إلى هاتفي ونظرت إلى الشاشة، فلم أجد أي رسالة منه، فضحكت على نفسي وأنا أتمتم: "بدأتِ تتعلقين فعلًا." ثم أخفيت وجهي في الوسادة للحظات، وكأنني أستطيع بهذه الطريقة أن أخفي الحقيقة عن نفسي أيضًا. نهضت بعدها واستعددت للعمل، محاوِلة أن أقنع نفسي بأن هذا اليوم لن يكون مختلفًا عن غيره، وأنني سأقضي ساعاتي في المقهى ثم أعود إلى المنزل وأنام كعادتي. لكن منذ أن دخلت إلى المقهى، كان هناك شيء لا أستطيع تجاهله. كنت أجد نفسي بين الحين والآخر أنظر إلى هاتفي دون سبب، أنتظر اسمه أن يظهر على الشاشة، وحين لم يحدث ذلك في الساعات الأولى، بدأت ألوم نفسي على اهتمامي الزائد. لم يكن من المفترض أن يصبح وجود شخص في حياتي مرتبطًا بهذا الشكل برسالة أو مكالمة، لكنني كنت قد وصلت إلى مرحلة لم أعد أستطيع فيها الكذب على نفسي. وقبل موعد الغداء بقليل، اهتز هاتفي في جيبي. لم أستطع إخراجه في تلك اللحظة، لكنني عرفت أنه هو من نغمة الرسائل التي خصصتها له دون أن أخبره. ابتسمت دون شعور، وانتظرت حتى حصلت على استراحة قصيرة، ثم أسرعت إلى الهاتف. كانت رسالته بسيطة: "هل أنتِ مشغولة الليلة؟" بقيت أحدق فيها للحظات قبل أن أكتب: "ربما، لماذا؟" ولم تمضِ سوى ثوانٍ حتى جاء رده: "أريد أن أراكِ." شعرت بدفء خفيف في صدري، ووجدت نفسي أكتب "حسنًا" ثم أمسحها، وأكتب "أين؟" ثم أمسحها أيضًا، وكأنني أحاول أن أبدو أقل حماسًا مما كنت عليه فعلًا. وفي النهاية كتبت: "متى؟" فجاء رده: "سأخبرك لاحقًا." ضحكت وأنا أهز رأسي. "ما هذا الغموض؟" قلتها لنفسي، ثم وضعت الهاتف جانبًا وعدت إلى عملي، لكن بقية اليوم مرّت وأنا أفكر في كلماته. كنت أتساءل أين سيأخذني، وماذا يريد أن يقول لي، ولماذا أصبح مجرد لقائي به كافيًا ليجعل يومي أفضل. انتهى دوامي متأخرًا، وعندما خرجت من المقهى كان الليل قد بدأ يغطّي الشوارع. أخرجت هاتفي وأنا أتوقع أن أجد رسالة منه، لكن الشاشة كانت خالية. انتظرت عشر دقائق، ثم عشرًا أخرى، وحاولت الاتصال به، لكنه لم يجب. اتصلت مرة ثانية ولم يجب أيضًا، فبدأ القلق يتسلل إليّ بطريقة لم أفهمها. حاولت أن أقنع نفسي بأنه مشغول، ربما في اجتماع أو لديه أمر طارئ، لكنني كنت أعرف أنني أختلق له الأعذار فقط لأنني لم أحتمل فكرة أن شيئًا ما قد حدث له. بدأت السير نحو المنزل، وأنا أحاول أن أتجاهل ذلك الشعور الثقيل في صدري، حتى اهتز هاتفي فجأة. أخرجته بسرعة، لكن الابتسامة التي ظهرت على وجهي اختفت عندما اكتشفت أن الرسالة لم تكن منه. كان الرقم مجهولًا، والرسالة قصيرة جدًا: "ابتعدي عنه." توقفت في مكاني. قرأت الكلمات مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكأنني كنت أنتظر أن تتغير أمام عيني. لم أفهم شيئًا. من هذا الشخص؟ وكيف عرف أنني أعرف آسر؟ ولماذا يريد مني أن أبتعد عنه؟ كتبت بسرعة: "من أنت؟" لكن لم يصلني أي رد. حاولت الاتصال بالرقم، إلا أنه كان مغلقًا. شعرت ببرودة تسري في أطرافي، وأعدت النظر إلى الرسالة وأنا أحاول أن أجد لها تفسيرًا منطقيًا. ربما كانت مزحة سخيفة، أو ربما شخصًا أخطأ في الرقم، لكن شيئًا بداخلي أخبرني أن الأمر لم يكن كذلك. ضغطت على اسم آسر في هاتفي وترددت للحظات قبل أن أتصل به. كنت غاضبة منه لأنه اختفى دون أن يخبرني، وخائفة عليه في الوقت نفسه، وفوق كل ذلك كان هناك شعور جديد بدأ يتشكل بداخلي؛ شعور بالخوف منه أيضًا. رن الهاتف لثوانٍ طويلة قبل أن يجيب. "مايا؟" أغمضت عيني للحظة عندما سمعت صوته، وكأن سماعه أعاد إليّ جزءًا من الأمان الذي فقدته منذ دقائق. "أين كنت؟ حاولت الاتصال بك." ساد الصمت للحظات، ثم قال: "كنت مشغولًا." "مشغولًا لدرجة أنك لم تستطع الرد؟" "أعرف أنني تأخرت." كان صوته هادئًا، لكن شيئًا في نبرته لم يكن طبيعيًا. قلت بعد تردد: "أين كنت؟" لم يجب مباشرة، ثم سألني بدلًا من ذلك: "هل أنتِ في المنزل؟" نظرت حولي. "لا، أنا في الطريق." تغير صوته فجأة، وأصبح أكثر حدة مما اعتدت عليه. "لا تكملي طريقك." توقفت تمامًا. "ماذا؟ لماذا؟" "فقط اسمعيني يا مايا." كانت تلك أول مرة أسمع الخوف في صوته. آسر الذي كان دائمًا يبدو وكأنه يعرف ماذا يفعل، والذي لم أرَ عليه الارتباك ولو مرة واحدة، كان الآن يتحدث معي وكأنه يحاول أن يمنع شيئًا من الوصول إليّ. ابتلعت ريقي وقلت: "آسر، ماذا يحدث؟" صمت للحظات، ثم قال بصوت منخفض: "هل وصلك شيء؟" تجمدت. نظرت إلى الرسالة الموجودة على شاشة هاتفي. "لماذا تسأل؟" لم يجبني، وعندها عرفت أن صمته كان إجابة بحد ذاته. قلت بصوت خافت: "وصلتني رسالة." ساد الصمت في الطرف الآخر. ثم قال: "ماذا كُتب فيها؟" "ابتعدي عنه." لم أسمع شيئًا لثوانٍ طويلة، لكنني شعرت أن صمته هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن صمت شخص فوجئ برسالة، بل صمت شخص كان يعرف تمامًا من أين جاءت. "آسر؟" جاء صوته أخيرًا، لكنه لم يعد يحمل أي أثر لذلك الهدوء الذي اعتدته منه. "مايا، أين أنتِ بالضبط؟" نظرت حولي، وشعرت لأول مرة أن الشارع الذي أسير فيه لم يعد مألوفًا كما كان قبل دقائق. ولم أعرف أن إخباري له بمكاني في تلك اللحظة سيكون أول قرار أتخذه وأنا لا أعرف أن حياتي بعده لن تعود كما كانت.ا
7 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!