

لم أنم تلك الليلة. كلما أغمضت عيني، عادت كلمات آسر إلى رأسي من جديد. "أكثر مما تتخيلين." لم أفهم لماذا كانت تلك الجملة تحديدًا تزعجني إلى هذا الحد. ربما لأنني شعرت أنني كنت أعيش داخل شيء لا أعرف قواعده، وأنني الوحيدة التي لا تعرف الحقيقة. تقلبت في سريري للمرة الأخيرة، ثم مددت يدي نحو هاتفي. كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا. فتحت محادثتي مع آسر. كتبت: "هل أنت بخير؟" حدقت في الرسالة. ثم حذفتها. كتبت: "من هم هؤلاء الأشخاص؟" حذفتها أيضًا. وفي النهاية أغلقت الهاتف ووضعته بجانبي. كنت غاضبة منه. ليس لأنه أخافني فقط، بل لأنه جعلني أدرك كم كنت أعرف عنه القليل. كنت أعرف صوته. ابتسامته. طريقته في الحديث. أعرف أنه يحب القهوة دون سكر، وأنه يكره الأماكن المزدحمة، وأنه يتذكر التفاصيل الصغيرة التي أقولها. لكنني لم أكن أعرف الشيء الأهم. من هو؟ --- في صباح اليوم التالي، استيقظت وأنا أشعر بأنني لم أنم أصلًا. ارتديت ملابسي وذهبت إلى العمل، لكن عقلي بقي عالقًا في الليلة الماضية. حاولت أن أتصرف بشكل طبيعي، إلا أن زميلتي لاحظت شرودي بسرعة. قالت وهي تضع كوبًا أمامي: "ما بك اليوم؟" هززت رأسي. "لا شيء." نظرت إليّ لثوانٍ. "هذا الوجه يقول إن هناك شيئًا." ضحكت بخفة. "أنا فقط لم أنم جيدًا." لم أجد سببًا لأخبرها عن آسر. حتى أنا لم أكن أعرف ماذا سأقول. لكن بعد ساعات من العمل، وصلني منه أخيرًا إشعار. فتحت الرسالة بسرعة أكبر مما ينبغي. "صباح الخير." حدقت بها لحظات. هذا كل شيء؟ بعد كل ما حدث بالأمس؟ كتبت: "صباح النور." ثم أضفت: "أنت مدين لي بتفسير." ظهر أنه يكتب. توقفت الكتابة. ثم عادت. وأخيرًا وصلتني رسالته: "أعرف." شعرت بالضيق. كتبت: "متى ستخبرني؟" لم يجب مباشرة. وبعد عدة دقائق، وصلتني رسالة أخرى. "عندما أستطيع." وضعت الهاتف على الطاولة بقوة. "رائع." تمتمت بسخرية. "إجابة مفيدة جدًا." كنت أعرف أنه يخفي شيئًا. والآن أصبحت مصممة على معرفة ما هو. --- في المساء، وبعد انتهاء عملي، جلست في غرفتي وبدأت أبحث عن اسمه. لم أكن أعرف لماذا شعرت بالتردد قبل أن أضغط على زر البحث. ربما لأن جزءًا مني كان يخاف مما سأجده. كتبت اسمه كاملًا. ظهرت أمامي نتائج كثيرة. لكن معظمها لم يكن متعلقًا به. ثم رأيت صورة. توقفت. كان هو. الصورة قديمة قليلًا، وكان يقف بجانب رجل أكبر منه سنًا أمام مبنى ضخم. قرأت العنوان الموجود أسفلها. ثم عدت وقرأته مرة أخرى. لم أصدق ما رأيت. فتحت الخبر. كان يتحدث عن عائلة معروفة، وعن شركة ضخمة، وعن اسم عائلة لم يذكره آسر أمامي ولو مرة واحدة. بدأت أقرأ بسرعة. كل فقرة كانت تجعلني أكثر دهشة. لم يكن آسر مجرد رجل ثري. كان ينتمي إلى عائلة من أشهر العائلات في المدينة. والده رجل أعمال معروف. والشركة التي تحمل اسم عائلته كانت تملك فروعًا في أكثر من مكان. جلست على سريري وأنا أحدق في الشاشة. "لماذا لم يخبرني؟" لكنني لم أتوقف. واصلت البحث. وجدت مقابلات قديمة، وصورًا له في مناسبات رسمية، وأخبارًا عن عائلته. كان كل شيء أمامي الآن. العالم الذي أخفاه عني لم يكن صغيرًا. كان أكبر بكثير مما تخيلت. ثم رأيت خبرًا قديمًا جعل أصابعي تتجمد فوق الشاشة. كان العنوان يتحدث عن حادثة وقعت قبل سنوات. قرأت السطر الأول. ثم الثاني. وتغيرت ملامحي. كان اسم آسر موجودًا في الخبر. لكن التفاصيل كانت ناقصة. أغلقت الصفحة بسرعة. لم أعرف لماذا. ربما لأنني شعرت أنني دخلت إلى مكان لم يكن من المفترض أن أصل إليه. وضعت الهاتف جانبًا، ثم مررت يدي على وجهي. كنت أريد الحقيقة. لكنني بدأت أخاف منها. اهتز الهاتف فجأة. قفز قلبي. كان آسر. أجابته بسرعة. "مرحبًا." "ماذا تفعلين؟" ترددت. "لا شيء." ساد صمت قصير. ثم قال: "مايا." عرفت من نبرته أنه يعرف. "نعم؟" "هل بحثتِ عني؟" لم أستطع الكذب. "نعم." تنهد. "كنت أتمنى ألا تفعلي." شعرت بالضيق. "ولماذا؟ أنت لم تخبرني بأي شيء." "كنت أحاول حمايتك." "من ماذا؟" لم يجب. قلت بانفعال: "من عائلتك؟ من الأشخاص الذين أرسلوا لي الرسالة؟ أم من شيء آخر لا أعرفه؟" طال صمته. ثم قال بصوت خافت: "من ماضيي." شعرت بقشعريرة. "ماذا حدث في ماضيك؟" لم يجبني. وعندما ظننت أنه لن يتحدث، قال: "هناك أشياء لو عرفتها عني... ربما لن تنظري إليّ بالطريقة نفسها." أغمضت عيني. لم أعرف لماذا شعرت بالألم عند سماع كلماته. قلت بهدوء: "أنا أريد أن أعرف." "مايا..." "لا." قاطعته للمرة الأولى. "إذا كنت تريدني أن أثق بك، فعليك أن تثق بي أيضًا." ساد الصمت. هذه المرة لم أكن أنا من يخاف. كنت أريده أن يخاف قليلًا أيضًا. أن يعرف أنني لن أبقى الفتاة التي تكتفي بابتسامة منه وتنسى كل الأسئلة. وبعد لحظات، قال: "سأخبرك." توقفت أنفاسي. "متى؟" "غدًا." ثم أغلق المكالمة. بقيت أحدق في الهاتف. غدًا. كلمة واحدة فقط، لكنها جعلت قلبي يخفق بطريقة لم أفهمها. كنت سأعرف الحقيقة أخيرًا. أو على الأقل... كنت أظن ذلك. لأنني لم أكن أعرف أن بعض الأسرار لا تُكشف عندما نبحث عنها. بل عندما تكون مستعدة لتدمير كل شيء حولها.
5 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!