

لم تكن الدماء هي أول ما رآه. كان الصوت. صوتٌ عذب… رقيق إلى حدٍّ مؤلم، يتسلل بين ألسنة اللهب المتراقصة في قاعة العرش، كأنّه آخر صلاة تُقال قبل سقوط السماء. غناءٌ لا يليق بمشهد كهذا، ولا بامرأةٍ تقف حافية القدمين فوق أرضٍ مكسوّة بشظايا الزجاج. لاسينا كانت تغنّي. ثوبها الأبيض—الذي خُيط يومًا ليُعلن اتحادًا سياسيًا—كان الآن ممزقًا عند الأطراف، ملوثًا بسواد الدخان، بينما انسدل شعرها الزهري حول كتفيها كغيمةٍ ضلّت طريقها. عيناها البنفسجيتان لم تحملَا ذعرًا… بل هدوءًا مخيفًا، هدوء من اتخذ قراره متأخرًا جدًا، أو مبكرًا جدًا. في أسفل الدرج الرخامي، كان لوكاس راكعًا على ركبةٍ واحدة. سيفه—سيف الدوق—مغروس في الأرض لا في صدر عدو، ويده المرتجفة ممدودة نحوها، كأن المسافة بينهما ليست سوى خطأ واحد في القدر. قال بصوتٍ منخفض، مكسور، لا يشبه صوت الرجل الذي تخشاه الإمبراطورية: «لاسينا… توقفي. أرجوكِ.» لم تلتفت فورًا. أنهت المقطع الأخير من الأغنية، تلك النغمة التي كانت تُغنّى في لورينفال للوداع، لا للأعراس. ثم ابتسمت. ابتسامة صغيرة… دلوعـة حد القسوة. «أتعلم؟» قالت، وصوتها لا يزال يحمل لحن الغناء، «كنت أظن أن النهايات ستكون أعلى صوتًا.» خطوة واحدة فقط فصلتها عن الحافة. خلفها، النوافذ الزجاجية العملاقة تحطمت، والريح الليلية اقتحمت القاعة ككائنٍ غاضب. ومن الظلال، جاء صوت ثالث… ناعم، سام، مشبع بالانتصار. «دعها يا دوق أريامور.» «بعض الأميرات… وُلدن ليُكسرن.» دالين ڤيرنوا خرجت إلى الضوء. فستانها الأزرق الداكن لا يحمل أثر معركة واحدة، شعرها الأشقر مصفف بإتقان، وعيناها الزرقاوان تلمعان كحدّ خنجرٍ نظيف. لوكاس لم ينظر إليها. كان ينظر فقط إلى زوجته. إلى المرأة التي لم يخترها قلبه في البداية… ثم اختارها كل يوم بعد ذلك. «إن خطوتِ…» بدأ، ثم سكت. لم يستطع إكمال الجملة. لم يكن هناك تهديد يصلح للحظة كهذه. لاسينا أخيرًا نظرت إليه. وفي تلك النظرة، كان كل شيء: الزواج السياسي، الليالي الصامتة، الأغاني التي غنّتها وحدها، والطريقة التي كان يقف بها دائمًا بينها وبين العالم دون أن يقول أحبك. «لوكاس…» نطقت اسمه كما لو كان نغمة. «أنت لم تخذلني يومًا. لكن العالم فعل.» وفي تلك اللحظة— قبل السقوط، قبل الصراخ، قبل أن يختلط الغناء بالفراغ— انطفأت الشموع دفعة واحدة. قبل ذلك بثلاث سنوات… كانت لاسينا تقف داخل عربة ملكية مطلية بالعاج، أصابعها متشابكة في حجر ثوبها، تستمع إلى دقات قلبها كأنها طبول حرب لا تخصها. قالت وصيفتها، بصوتٍ خافت: «مولاتي… دوق أريامور لا يُشبه ما يُقال عنه.» لاسينا ابتسمت ابتسامة خجولة، تلك التي تجعل الناس يستهينون بها. «ولا أنا أشبه ما كُتب عني.» في الجهة الأخرى من البوابة الحديدية، كان لوكاس ينتظر. واقفًا باستقامة، قفازاه في يده، ونظراته ثابتة لا تحمل فضول الرجال… بل حذر الجنود. همس مساعده، السير إليان (رجل في الأربعين، عيناه رماديتان وصوته يشبه الحكمة المتعبة): «زواج اليوم سيغيّر ميزان الإمبراطورية.» لوكاس أجاب بلا تعبير: «أعلم.» لكنه حين رآها— حين نزلت من العربة، وحين رفعَت نظرها البنفسجي نحوه، وحين انحنى لها بانضباط لا يخلو من لطف— لم يعلم أن تلك اللحظة… ستقوده إلى قاعة تحترق، وصوتٍ يغنّي قبل السقوط. لم يكن لوكاس من الرجال الذين تفضحهم ملامحهم. منذ طفولته، تعلّم أن يدفن ما يشعر به خلف نظرة هادئة وصوت متزن. ولهذا لم يلحظ أحد التغيّر الطفيف في عينيه عندما توقفت العربة الملكية أمام البوابة الرئيسية لقصر فالين. لكن السير إليان لاحظه. لاحظ كيف استقرت نظرة الدوق الشاب على الفتاة القادمة من مملكة لورينفال أكثر مما ينبغي. خرجت لاسينا من العربة ببطء. لم تكن تشبه الأميرات اللواتي اعتاد النبلاء رؤيتهن. لم يكن جمالها صارخًا. بل كان من ذلك النوع الذي يتسلل إلى القلب دون استئذان. شعرها الزهري الطويل التقط أشعة الشمس فبدا كخيوط الفجر الأولى، وعيناها البنفسجيتان حملتا دفئًا غريبًا جعل الحديقة الباردة تبدو أكثر حياة. رفعت طرفي فستانها قليلًا حتى لا يلامس الأرض. ثم... تعثرت. بشكل بسيط جدًا. تعثّر أميرة وصلت للتو إلى أهم مناسبة سياسية في حياتها. شهقت إحدى الخادمات. أما لاسينا فحدقت في الأرض لثانيتين ثم قالت بكل جدية: "لقد أعلنت الأرض الحرب عليّ منذ اللحظة الأولى." ساد الصمت. ثم... ضحك أحد الجنود بصوت مرتفع قبل أن يحاول إخفاء الأمر. تبعته ضحكات خافتة. حتى السير إليان اضطر لإدارة وجهه كي لا تظهر ابتسامته. أما لوكاس... فقد رمش مرتين فقط. لكنه شعر بشيء غريب جدًا. شيء لم يشعر به منذ سنوات. الرغبة في الابتسام. اقترب منها بخطوات هادئة. ثم انحنى وفق التقاليد النبيلة. "مرحبًا بكِ في أريامور، صاحبة السمو." كان صوته منخفضًا. عميقًا. يحمل هيبة رجل يعرف مكانته. رفعت لاسينا رأسها. حدقت فيه للحظة. طويل. عريض الكتفين. أنيق بصورة مبالغ فيها. ويبدو وكأنه لم يبتسم منذ قرن كامل. فكرت: "يا إلهي... إنه وسيم بشكل غير قانوني." لكن ما خرج من فمها كان: "شكرًا لاستقبالي يا سيدي الدوق." ثم أضافت بعد تردد: "هل تبتسم أحيانًا؟" ساد الصمت. مرة أخرى. اختنق أحد الخدم. وأدار إليان ظهره مباشرة. أما لوكاس فبقي ساكنًا. كأنه يحاول استيعاب السؤال. ثم قال: "أعتقد ذلك." أجابت لاسينا بجدية: "جيد." "كنت قلقة من أنك قد تكون تمثالًا." لأول مرة منذ سنوات... ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتي لوكاس. صغيرة لدرجة أن أحدًا لم ينتبه لها. عدا لاسينا. رأتها. واستقرت في قلبها دون أن تفهم السبب. في الطابق الثاني من القصر... كانت فتاة أخرى تراقب المشهد من خلف الستائر. شعر أشقر. عينان زرقاوان. ملامح جميلة حد الكمال. لكن نظرتها... لم تكن جميلة. كانت باردة. حادّة. مليئة بشيء يشبه السم. دالين ڤيرنوا. ابنة الماركيز ڤيرنوا. أكثر شابات أريامور شهرة بين النبلاء. شدت الستارة بين أصابعها. حتى كادت تتمزق. "إذًا هذه هي." همست. "الأميرة التي جاءت من لورينفال." وقفت وصيفتها خلفها. "إنها جميلة." أجابت دالين دون أن ترفع عينيها: "ليست أجمل مني." "بالطبع لا يا سيدتي." لكن دالين لم تكن غاضبة من الجمال. لو كان الأمر يتعلق بالجمال فقط لما اهتمت. ما أزعجها حقًا... هو تلك الابتسامة الصغيرة التي رأتها على وجه لوكاس قبل لحظات. منذ سنوات... وهي تحاول انتزاعها. منذ سنوات... وهو يعاملها باحترام بارد. لا أكثر. أما هذه الغريبة... فقد حصلت عليها خلال دقيقة واحدة. في تلك اللحظة بالذات... وُلدت بذرة الغيرة. الصغيرة. الصامتة. والتي ستكبر يومًا حتى تصبح عاصفة. في المساء... أقيم حفل الاستقبال الملكي. امتلأت القاعة بالثريات الكريستالية. وعزفت الأوركسترا مقطوعات هادئة. بينما تجمع النبلاء لمشاهدة الأميرة القادمة من لورينفال. كانت لاسينا تحاول النجاة. هذا هو الوصف الأدق. كل دقيقة يقترب منها شخص جديد. كل دقيقة تضطر للابتسام. كل دقيقة تتلقى عشرات التحيات. همست لوصيفتها ميرال: "أشعر أن وجهي سيسقط." ضحكت ميرال. "ابتسمي فقط." "أبتسم منذ ساعة." "ابتسمي أكثر." "هذه جريمة." في الجهة الأخرى من القاعة... كان لوكاس يراقبها بصمت. لاحظ كيف تحاول الحفاظ على هدوئها. وكيف تضحك رغم توترها. وكيف تتعامل بلطف مع الجميع. حتى أولئك الذين ينظرون إليها كسلعة سياسية. شيئًا فشيئًا... بدأ يدرك أمرًا. لاسينا ليست أميرة ضعيفة. ولا فتاة مدللة كما تصور. بل فتاة شجاعة. تحمل الخوف في قلبها. ثم تمضي للأمام رغم ذلك. وفجأة... طلب أحد النبلاء بصوت مرتفع: "سمعنا أن أميرات لورينفال يُجِدن الغناء." "هل هذا صحيح يا صاحبة السمو؟" التفتت الأنظار كلها نحوها. احمر وجه لاسينا قليلًا. كانت تعلم أن الرفض سيبدو وقاحة. لكن الغناء أمام هذا العدد؟ كارثة. كارثة حقيقية. همست لنفسها: "حسنًا لاسينا..." "إما أن تموتي من الإحراج..." "أو تموتي من الإحراج بطريقة نبيلة." ثم تقدمت نحو البيانو. وفي اللحظة التي بدأت فيها الغناء... ساد الصمت في القاعة بأكملها. حتى الموسيقيون توقفوا. حتى الخدم توقفوا. حتى لوكاس... رفع رأسه بالكامل نحوها. كان صوتها... يشبه الضوء. لا يشبه الغناء فحسب. بل يشبه ذكرى جميلة نسيها المرء منذ زمن ثم وجدها فجأة. ومع كل نغمة... كان شيء ما يتغير داخل القاعة. وداخل القلوب. أما دالين... فكانت تقف بين الحضور. تبتسم. لكن أظافرها كانت تنغرس في راحة يدها. لأنها أدركت لأول مرة... أن هذه الأميرة اللطيفة. التي تبدو كزهرة. قد تصبح الخصم الأخطر الذي قابلته في حياتها.