

ظلّت لاسينا تنظر إلى الورقة. لم تقرأ السطر مرة ثانية. لم تكن بحاجة إلى ذلك. الكلمات القليلة كانت قد استقرت في رأسها بوضوح جارح: «إذا أردتَ إنقاذها عندما تبدأ الأغنية... فلا تجعلها تعرف أنك كنت تعرف الحقيقة منذ البداية.» رفعت عينيها ببطء. كان لوكاس لا يزال واقفًا أمامها. هادئًا. ساكنًا. لكن شيئًا في عينيه لم يكن هادئًا هذه المرة. قالت: «منذ البداية؟» لم يجب. ضحكت ضحكة صغيرة، بلا مرح. «هذه العبارة تحديدًا أصبحت مزعجة جدًا في هذا القصر.» بقي صامتًا. وضعت الورقة على السرير. «متى عرفت؟» «ليس كل شيء.» «لم أسألك عن كل شيء.» توقف لحظة. «قبل وصولكِ.» اتسعت عيناها. «كم قبل وصولي؟» «بعامين.» سكتت. للحظة، لم تستطع حتى أن تغضب. عامان. كان لوكاس يعرف منذ عامين أن هناك شيئًا متعلقًا بها، أو بعائلتها، أو بذلك اللحن الغريب الذي بدأ يطاردها منذ وصولها. ومع ذلك... استقبلها عند بوابة القصر وكأنه يلتقي بها للمرة الأولى. ابتسمت بمرارة. «إذن عندما وصلت إلى أريامور... كنت تعرف؟» «كنت أعرف أن اسم لورينفال مرتبط بأمر لم أفهمه.» «وهل كنت تعرف أنني أنا المقصودة؟» سكت. وكان صمته هذه المرة إجابة. نهضت لاسينا من السرير. «كنت تعرف.» «كنت أشك.» «هذا ليس فرقًا كبيرًا بالنسبة إليّ.» تقدم خطوة. «لاسينا...» رفعت يدها. «لا.» توقف. كانت عيناها البنفسجيتان ممتلئتين بالارتباك أكثر من الغضب. «كنت أظن أنك صامت لأنك هكذا.» سكتت قليلًا. «ثم ظننت أنك تخفي مشاعرك لأنك لا تعرف كيف تقولها.» ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. «والآن اكتشفت أنك تخفي أسرارًا أيضًا.» خفض لوكاس عينيه للحظة. ثم قال: «كنت أحاول حمايتك.» أجابته فورًا: «لم أطلب منك أن تحميني بالكذب.» كانت الجملة هادئة. لكنها أصابته أكثر من لو أنها صرخت. رفع عينيه إليها. «لم أكذب عليكِ.» «بل أخفيت الحقيقة.» «نعم.» «وهذا ليس أفضل.» صمت. جلست لاسينا على طرف السرير. مررت أصابعها فوق الورقة. «ماذا كنت تعرف؟» اقترب لوكاس، لكنه لم يجلس. «قبل عامين، وصلتني رسالة من رجل كان يعمل في أرشيف القصر.» «ماذا كان فيها؟» «كان يتحدث عن لورينفال.» «وماذا قال؟» «قال إن السلالة الملكية في لورينفال احتفظت بشيء لم يكن يجب أن يبقى.» رفعت رأسها. «اللحن؟» أومأ. «قال إن هناك شخصًا سيصل إلى أريامور يومًا، وسيوقظ شيئًا تحت القصر.» نظرت إليه. «وكان ذلك الشخص أنا.» «لم أكن متأكدًا.» «لكنّك شككت.» «نعم.» «ولماذا تزوجتني؟» هذه المرة طال صمته. رفعت لاسينا عينيها إليه. لم يكن السؤال سياسيًا. ولم يكن عن المعاهدة. كانت تريد شيئًا أبسط. شيئًا إنسانيًا. لماذا أنا؟ قال أخيرًا: «لأنني لم أرد أن تكوني وحدكِ هنا.» توقفت. لم تتوقع الإجابة. أكمل: «كنت أعرف أن الزواج سياسي. وكنت أعرف أن وصولكِ إلى أريامور لم يكن مصادفة كاملة. لكنني لم أعرف ما الذي ينتظركِ.» ثم نظر إليها مباشرة. «وعندما رأيتكِ في اليوم الأول... لم أعد أستطيع التعامل معكِ باعتباركِ جزءًا من اتفاق.» شعرت لاسينا بأن قلبها ارتبك. «وماذا أصبحت؟» أجاب بهدوء: «زوجتي.» ساد الصمت. لم تكن إجابة شاعرية. ولم يحاول أن يجعلها كذلك. ولهذا بالتحديد بقيت في قلبها. خفضت لاسينا عينيها. «كان بإمكانك أن تخبرني.» «كنت سأفعل.» رفعت رأسها. «متى؟» لم يجب. ابتسمت ابتسامة خافتة. «هذه مشكلتك يا لوكاس.» «ماذا؟» «تقول الأشياء المهمة بعد فوات الوقت.» للمرة الأولى منذ بدأ الحديث، ظهر شيء يشبه الندم في عينيه. جلس على المقعد المقابل لها. «ربما.» نظرت إليه. «أنا لا أريد أن أعرف كل شيء دفعة واحدة.» رفع رأسه. «ماذا؟» «لا أريد أن تفتح أمامي كل أسرار هذا القصر غدًا.» نظرت إلى القلادة. «لكنني أريد شيئًا واحدًا.» «ما هو؟» «من الآن فصاعدًا، إذا كان الأمر متعلقًا بي... أخبرني.» صمت. ثم قال: «أعدك.» حدقت فيه لحظات. «وعد حقيقي؟» «نعم.» «ليس وعد الدوقات والسياسة والقصور؟» ظهرت ابتسامة صغيرة على فمه. «وعد لوكاس.» ارتاحت ملامحها قليلًا. ثم قالت: «حسنًا.» نهض. لكن قبل أن يخرج، قالت: «لوكاس.» توقف عند الباب. «هل كنت تعرف شيئًا عن أمي؟» لم يجب فورًا. وهذا وحده جعل قلبها يهبط. قال: «لا.» تأملته. ثم أضاف: «لكنني سأبحث.» هزت رأسها. «شكرًا.» خرج. أغلقت لاسينا الباب خلفه. ثم بقيت مستندة إليه. لم تكن غاضبة كما توقعت. كانت خائفة. الخوف الحقيقي لم يكن مما يحدث الآن. بل مما قد تجده عندما تعود إلى الماضي. لأنها للمرة الأولى بدأت تشك في شيء لم تسمح لنفسها بالشك فيه طوال حياتها. ربما لم تكن ذاكرتها ناقصة بسبب النسيان. ربما كان هناك من أراد لها ألا تتذكر. وفي تلك اللحظة، جاء طرق خفيف على الباب. «مولاتي؟» عرفت الصوت. «ميرال، ادخلي.» فتحت ميرال الباب، وأغلقت خلفها بسرعة. كانت تحمل صينية صغيرة. قالت: «جئت لأتأكد أنك لم تقتلي الدوق.» نظرت لاسينا إليها. «لماذا أفعل ذلك؟» وضعت ميرال الصينية. «لأنك عندما تكونين غاضبة، تصبحين مهذبة أكثر من اللازم. وهذا يخيفني.» ابتسمت لاسينا رغمًا عنها. «لم أقتله.» «ممتاز.» جلست ميرال بجوارها. «هل أخبركِ بشيء؟» «ماذا؟» «كنت أستمع خلف الباب.» اتسعت عينا لاسينا. «ميرال!» رفعت يديها بسرعة. «لم أتنصت. أنا فقط... كنت موجودة في المكان الصحيح بالصدفة.» «لأكثر من نصف ساعة؟» «كانت صدفة طويلة.» ضحكت لاسينا. ثم سكتت. نظرت ميرال إليها. «هل أنت بخير؟» «لا أعرف.» «إذن أنت لست بخير.» تنهدت لاسينا. «ميرال... هل تتذكرين قلادة أمي فعلًا؟» تغير وجه ميرال. «نعم.» «كيف كانت؟» «كانت ترتديها أحيانًا عندما تكون وحدها.» «هل تعرفين من أين حصلت عليها؟» هزت رأسها. «لا.» ترددت لحظة. ثم قالت: «لكنني أتذكر شيئًا آخر.» رفعت لاسينا رأسها. «ماذا؟» «ذات مرة، عندما كنتِ صغيرة، دخلتُ غرفتها دون طرق.» «أمي كانت غاضبة؟» «جداً.» «ماذا رأيتِ؟» خفضت ميرال صوتها. «كانت تبكي.» تجمدت ابتسامة لاسينا. «أمي؟» «نعم.» «لم أرها تبكي قط.» «كانت تحاول ألا يراها أحد.» صمتت ميرال. ثم قالت: «وكان أمامها رجل.» شعرت لاسينا بقشعريرة. «هل تعرفينه؟» «لا.» «كيف كان شكله؟» «لم أر وجهه جيدًا.» «وماذا كان يقول؟» ترددت ميرال. «شيئًا عنكِ.» «ماذا؟» نظرت ميرال إليها. «قال لها: إذا بدأت تغني، فلن نستطيع إخفاءها مرة أخرى.» لم تتحرك لاسينا. ثم سألت: «وماذا قالت أمي؟» «قالت له...» توقفت ميرال. «ماذا؟» «قالت: لن تغني ما دمتُ حيّة.» انخفضت عينا لاسينا. بقيت الكلمات بينهما. ثم همست: «لكنها ماتت.» لم تجب ميرال. كانتا تعرفان أن الجملة تحمل معنى أكبر من الحزن. في الصباح التالي، عادت الحياة إلى القصر وكأن شيئًا لم يحدث. وهذا كان أكثر ما أزعج لاسينا. الخدم يتحركون في الممرات. الأبواب تُفتح وتُغلق. رائحة الخبز الطازج تتسلل من المطبخ. الحدائق تُسقى. الخيول تُجهز. والشمس أشرقت فوق أريامور بلطف مستفز. وقفت لاسينا أمام المرآة. كان فستانها الصباحي بسيطًا بلون بنفسجي فاتح، وشعرها الوردي منسدلًا على كتفيها. حدقت في انعكاسها. ثم قالت: «هل تبدو عيناي مختلفتين؟» كانت ميرال ترتب شعرها. «لا.» «متأكدة؟» «إلا إذا كنتِ تريدين أن أخبركِ بأنهما تحولتَا إلى نجمتين.» التفتت لاسينا إليها. «لا تمزحي.» «أنتِ من سألتِ.» تنهدت. ثم دخلت سيلين دون أن تطرق الباب. توقفت عند رؤيتهما. «مولاتي، الدوق يطلب حضوركِ في قاعة الخرائط.» قالت لاسينا: «الآن؟» «نعم.» «هل قال لماذا؟» هزت سيلين رأسها. «قال إن الأمر متعلق بالاحتفال الإمبراطوري.» ثم اقتربت قليلًا. «لكنني رأيت السير إليان معه.» قالت ميرال: «وهذا يعني؟» ابتسمت سيلين. «أن الأمر ليس بسيطًا.» نظرت لاسينا إليها. «أنتِ تحبين الأسرار، أليس كذلك؟» ابتسمت سيلين. «للأسف الشديد.» قالت ميرال: «لا تقولي للأسف. أنتِ فخورة بذلك.» «قليلًا.» ضحكت لاسينا. ثم خرجت. كانت تسير نحو قاعة الخرائط عندما سمعت صوتًا مألوفًا خلفها. «دوقة أريامور!» التفتت. كان كايل يركض في الممر. توقفت. «هل هناك حريق؟» «لا.» «إذن لماذا تركض؟» توقف أمامها يلتقط أنفاسه. «لأنني كنت أحاول اللحاق بك.» «لماذا؟» ابتسم. «لأحذرك.» «من ماذا؟» خفض صوته. «من الاحتفال.» رفعت حاجبًا. «احتفال؟» «الإمبراطور لا يدعو العائلة الملكية والنبلاء والوفود الأجنبية إلى قصره لمجرد شرب الشاي.» قالت لاسينا: «كنت أظن أن الاحتفالات الإمبراطورية تشتهر بذلك.» «في أريامور؟ لا. هنا يقدمون الشاي ثم يقدمون الأسئلة.» ضحكت. ثم قالت: «وما الذي سيحدث؟» «ستلتقين بأشخاص كثيرين.» «هذا ليس مخيفًا.» «ستلتقين بدالين.» توقفت ابتسامتها قليلًا. «وهذا؟» «ليس مخيفًا أيضًا.» ثم أضاف: «لكنها ستراقبكِ.» نظرت لاسينا إلى الأمام. «هي تراقبني أصلًا.» «صحيح.» «وأنت؟» «أنا أراقب الجميع.» «ولماذا؟» ابتسم. «لأنني قائد حرس.» ثم مال نحوها. «ولأنني فضولي.» «كنت أعرف.» استأنفا السير. لكن قبل أن يصلا إلى القاعة، توقفت لاسينا. كان هناك شيء على الأرض. زهرة بنفسجية. طازجة. في منتصف الممر. انحنت والتقطتها. كانت نفس الزهرة التي وجدتها داخل الصندوق. لكنها هذه المرة لم تكن مجففة. قال كايل: «لا تلمسيها.» نظرت إليه. «لماذا؟» «لا أعرف.» «إذن لماذا قلت ذلك؟» «لأنني بدأت أتعلم.» حدقت في الزهرة. ثم شعرت بشيء داخلها. نغمة. قصيرة جدًا. كأن أحدًا غنى داخل رأسها. رفعت عينيها. وفي نهاية الممر... كانت دالين تقف وحدها. تراقبها. تلاقت أعينهما. ثم ابتسمت دالين. ابتسامة هادئة جدًا. وقالت: «يبدو أن القصر بدأ يحبكِ.» نظرت لاسينا إلى الزهرة في يدها. «لا أعرف إن كان هذا شيئًا جيدًا.» أجابت دالين: «في أريامور... الأشياء التي تحبكِ كثيرًا قد تكون أخطر الأشياء عليكِ.» ثم مرت بجانبها. لم تقل شيئًا آخر. بقيت لاسينا مكانها. قال كايل: «هل كانت تهددك؟» «لا.» «هل قالت شيئًا غريبًا؟» «نعم.» «إذن كانت تهددك.» ابتسمت لاسينا. لكن عينيها بقيتا على الزهرة. كان هناك شيء في كلام دالين جعلها تشعر بأن هذه الفتاة تعرف أكثر مما ينبغي. في قاعة الخرائط، كان لوكاس يقف أمام طاولة طويلة. فوقها كانت خريطة أريامور ولورينفال والممالك المحيطة بهما. إلى جانبه وقف السير إليان. وأدريان. وعندما دخلت لاسينا، رفع لوكاس عينيه. «تعالي.» اقتربت. قال إليان: «وصلتنا معلومات جديدة عن الوفد الذي سيحضر الاحتفال.» وضع إصبعه على الخريطة. «من نيفاريس سيصل وفد الأميرة إيزيل.» قال أدريان: «ومن سولمير سيأتي مبعوثون من الأكاديمية القديمة.» نظرت لاسينا إلى الخريطة. «والأكاديمية؟» «يهتمون بالسحر القديم.» قال أدريان. تبادل لوكاس وإليان نظرة سريعة. لاحظتها لاسينا. «ماذا؟» قال لوكاس: «لا شيء.» رفعت حاجبها. «قلت إنك ستخبرني.» صمت. ثم قال: «الأكاديمية طلبت مقابلة خاصة بكِ.» نظرت إليه. «لماذا؟» أجاب أدريان: «لأنهم سمعوا أنكِ تغنين.» تجمدت ملامحها. «من أخبرهم؟» لم يجب أحد. وفي تلك اللحظة... فُتح باب القاعة. دخل رسول إمبراطوري. انحنى أمام لوكاس. ثم قال: «سيدي الدوق، وصلت رسالة عاجلة من القصر الإمبراطوري.» أخذ لوكاس الرسالة. فتحها. قرأها. ثم رفع عينيه إلى لاسينا. هذه المرة لم يكن في وجهه هدوء. قال: «لقد تغير موعد الاحتفال.» سألته: «إلى متى؟» أجاب: «إلى الليلة.» ساد الصمت. قال كايل من خلفها: «كنت أعلم أن هذا اليوم سيزداد سوءًا.» لكن لاسينا لم تسمعه. كانت تنظر إلى لوكاس. ثم إلى الخريطة. ثم إلى الزهرة البنفسجية التي لا تزال في يدها. ولسبب لم تفهمه... شعرت أن كل ما حدث منذ وصولها إلى أريامور لم يكن يقودها إلى ذلك الاحتفال. بل أن الاحتفال نفسه... كان هو الذي ينتظرها. وفي مكان بعيد، خلف أسوار العاصمة الإمبراطورية، كان رجل مجهول يضع قطعة شطرنج بنفسجية على رقعة قديمة. ثم قال: «وصلت الدوقة أخيرًا إلى المكان الذي أردناه.» وسأله صوت آخر: «وماذا عن النجمة السابعة؟» ابتسم الرجل. «لم تستيقظ بعد.» ثم نظر إلى النافذة. «لكنها ستستيقظ الليلة.» وهكذا، من دون أن تعرف لاسينا، كانت الليلة التي ظنت أنها مجرد احتفال رسمي... تقترب من السر الذي بدأ معها منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماها أريامور.
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!