

في منزل عائلي يلفه الهدوء والسكناء، كانت "سهى" ذات الخمسة عشر عامًا تجلس عند مكتبها الصغير في غرفتها. كان النهار يلملم أطرافه بينما تنكب هي بتركيز تام على دفتريات رسومها، تمسك بأقلام التلوين وتضع اللمسات الأخيرة على قصتها المصورة اللطيفة. فجأة، فُتح الباب ودخل أخوها "أيمن" (18 سنة). لمح الدفتر المفتوح والرسومات الملونة، فاقترب بفضول وابتسامة إعجاب تتسع على وجهه: – «ما هذه التحفة التي تعملين عليها؟!» ارتبكت سهى وسارعت بتغطية الصفحة بيديها والذعر يملأ عينيها: – «مهلاً! تمهل! لم أنتهِ منها بعد.. إنها.. إنها مجرد قصة مصورة أعمل عليها!» لم ينتظر أيمن، بل سحب الدفتر بخفة وبدأ يقلب صفحاته بإعجاب حقيقي: – «أوه حقاً؟ دعيني أرى.. واو! كم هذا رائع! لديكِ مستقبل مشرق بإذن الله! يجب أن أريها للعائلة فوراً!» ركضت سهى خلفه في الممر تحاول الإمساك به وهي تهتف بنبرة رجاء: – «انتظر! توقف يا أيمن! أقسم لك أنها لم تكتمل بعد!» كان أيمن متحمساً لإظهار إبداع أخته، لكنه عندما التفت ورأى ملامح القلق الحقيقي وخيبة الأمل في عيني سهى، توقف في مكانه. صمت للحظة، ثم ابتسم بأسلوب الأخ الأكبر الحنون وقال وهو يعيد لها الدفتر: – «بعد التفكير في الأمر.. أعلم كم يعني لكِ أن تكتمل قصتك. سأعيدها لكِ الآن، وعندما تنتهين منها تماماً أرِني إياها، وأنا واثق أنها ستعجب الجميع.» تنفست سهى الصعداء واستعادت شجاعتها، لكن أيمن لم يكتفِ بذلك، بل عرض عليها أن يشاركها العمل. في البداية رفضت سهى رغبةً منها في الاعتماد على نفسها، إلا أن أيمن أقسم بالله أن يساعدها في إنجاز الفصل الأول فقط، فوافقت بابتسامة امتنان.
في هذه الأثناء، في المطبخ الفسيح، كانت الرائحة الزكية تتصاعد. كانت الأم "مروة" تعد طعام العشاء بمساعدة ابنتها الكبرى "سلسبيل". أطل الأب "محمد" من باب المطبخ مبتسماً وهو يستنشق رائحة الطعام: – «يا أيتها اللطيفتان، متى يجهز العشاء؟ لقد بدأ الجوع يلعب دوره!» ردت الأم بابتسامة دافئة: «لا تقلق يا أبا خالد، سيجهز الطعام خلال دقائق.» وهنا حثه "آدم" (زوج سلسبيل) ضاحكاً وهو يضع الأطباق على الطاولة: «أجل يا عمي، حماتي على حق.. عليك بالصبر، فالنتائج تستحق الانتظار!» في الغرفة، وضع الشقيقان القلم الأخير على الصفحة الأخيرة من الفصل الأول. نظرت سهى إلى النتيجة بفخر لا يوصف: – «أوه! لا أصدق أننا قمنا بعمل هذه القصة الأسطورية معاً!» رد أيمن وهو يمسح جبهته بابتسامة رضا: «أجل، كم أشعر بالسعادة تجاه ما حققناه!» في تلك اللحظة، ارتفع صوت الأم ينادي الجميع لتناول العشاء. قفز الشقيقان بلهفة وأسرعا نحو طاولة الطعام، لكنهما في عجرفتهما حسناً نسيا دفتر القصة ملقى على المكتب! أثناء تناول العشاء العائلي المليء بالأحاديث والضحكات، نهض "رامي" (23 سنة) قائلاً: – «سأذهب لأغسل يدي، فقد شبعت.» وبعد أن غسل يديه، توجه نحو غرفة إخوته ليجلب شيئاً ما، ففتحت عينيه على الدفتر المفتوح على المكتب. جذبته الرسومات المفعمة بالحيوية، فأخذه وبدأ يقرأه بشغف وهو يسير.
عندما انتهى الجميع من العشاء، عادت سهى برفقة أيمن إلى الغرفة لعرض القصة، لكن المأساة حدثت: المكتب فارغ! شهقت سهى وشعرت بالإحباط يتسلل إليها: «قصتي! لقد أضعتها!» لكن أيمن وضع يده على كتفها بثبات قائلاً: – «لا تقلقي يا أختي، سنجد القصة بالتأكيد، لا تفقدي الأمل!» بدأ الشقيقان رحلة بحث مكثفة في كل أركان البيت، تحت الوسائد، فوق الرفوف، وفي الصالة، دون جدوى. بدأت سهى تستسلم وتبكي تقريباً، لكن أيمن لمح رامي يسير في الممر وهو يحمل الدفتر بيده ويقرأ فيه بتركيز. اتسعت عينا سهى وأدركت الأمر: – «مهلاً! أليست هذه قصتي؟!» أيمن: «نعم إنها هي! تعالَي معي!» اندفع الشقيقان نحو رامي، وقالت سهى بغضب طفولي: – «كيف تجرؤ على أخذ قصتي؟!» قاطعها أيمن مصححاً: «تقصدين قصتنا نحن!» تفاجأ رامي من هجومهما، ورفع يديه مهدئاً: – «مهلاً مهلاً سأشرح لكما! كنت ذاهباً لغسل يدي، وأردت دخول الغرفة لأعمل قليلاً، فصادفت هذه القصة الرائعة المفعمة بالحيوية.. وكأنها من تأليف كُتّاب محترفين! ذُهلت فعلاً عندما قرأتها!»
تلاشت علامات الغضب من وجه سهى وأيمن، وحلت محلها دهشة وفرحة عارمة. قالت سهى بنبرة تأثر: «لا أصدق أنها أعجبتك إلى هذا الحد! يبدو أن تعبنا لم يذهب سدى!» وأضاف أيمن: «أجل، نحن ممتنان لك على هذا الكلمات!» ابتسم رامي وقال وهو يعيد لهما الدفتر: – «عفواً، يسرني سماع ذلك منكما.. والمهم الآن: هيا لننام جميعاً، فقد تأخر الوقت غداً يوم جديد!»
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!