

رغم نصوع النهار في الخارج، إلا أن هذا الزقاق الممتد كأنه أفق لا ينتهي، كان ما يزال رازحاً تحت عتمة خانقة. مكانٌ تفوح منه رائحة العفن، فوضوي ومزعج إلى حدٍّ يثير الغثيان، تجد فيه كل ما هو فاسد ومحرم في هذا العالم. يحاول أفراد العصابات الصغيرة استقطاب المشردين لضمهم إلى جحيمهم، يقف رجل بملامح متصلبة يساوم بدم بارد على بيع طفلين لم يدركا بعد مصيرهما الأسود، بينما يترنح المخمورون ويتسلل الأشخاص المريبون بين الظلال... هذا هو الشريط المكرر الذي عليك الاعتياد على رؤيته في أي زقاق طويل ومظلم في هذه المدينة. لكن بالطبع، إن كنت شخصاً يقطر خطورة، فهذا المكان لن يجرؤ على مسّك؛ بل سينحني لك طائعاً! تماماً كذاك الرجل الذي شق العتمة بخطوات وثيقة.. رجل طويل القامة، يلتف بمعطف أسود ثقيل يلامس كاحليه، وتعتلي رأسه قبعة فيدورا سوداء حادة الحواف، أمالها قليلاً لتمتد ظلالها على نصف وجهه الأعلى. كان يبعث من حوله هالة حارقة من الخطر المكتوم؛ هالة تجبر كل من في الزقاق على التراجع خطوة إلى الخلف دون شعور. لم يكن بحاجة إلى أن يمتشق سلاحاً أو يكسر يد أحدهم لمجرد الاقتراب منه ليثبت قوته، بل كانت هيبته وسكونه المرعب أكثر من كافيين لإرسال إشارة تحذير صريحة: الاقتراب يعني الهلاك. دفع الرجل المريب باب ملهى ليلي مشبوه يقع في قلب الزقاق، وتسلل إلى الداخل بهدوء. بمجرد أن خطت قدماه العتبة، تقدم نحوه أحد الخَدَم، لم يكن سوى شابٍ في مقتبل العمر. وما إن وقعت عيناه على هذا الغريب ذي المعطف الأسود والهالة المهددة، حتى تمكن الخوف منه؛ تعرف على هويته في لحظة، فاهتزت ثقته وارتبك بوضوح وهو يحاول تأدية عمله بتلعثم. انحنى الشاب قليلاً وقال بصوت حذر: — أنت... أنت هو من تم تأجيره، أليس كذلك؟ من فضلك، اتبعني. أشار بيده نحو العمق بوقارٍ مفرط يفرضه الخوف، ثم قاد الطريق عبر ممرات الملهى الخافتة. كان المكان شبه فارغ من الزبائن نظراً لإغلاقه في ساعات النهار، باستثناء بضع طاولات مستديرة ينتشر حولها أشخاص خبيثو الملامح، يتهامسون حول شحنات الممنوعات وعمليات التهريب القادمة. توقف الشاب بجانب باب خشبي سميك في نهاية الممر، ثم رفع يده ودقّ على الخشب مرتين بخفة. جاءه الصوت من الداخل، رزيناً وقاطعاً: — إدخل. فتح الشاب الباب بسرعة، وتنحى جانباً ليتيح للمجهول المرور. خطى الرجل إلى الداخل بثبات وسكون، وما إن وُرج القادِم حتى أُغلق الباب خلفه بإحكام، ليتهاوى الخادم مسرعاً بالابتعاد وكأنه نجا للتو من مخالب موت محقق. كان بداخل الغرفة ثلاثة رجال، تتراوح أعمارهم ظاهرياً بين الثلاثينيات والخمسينيات. غير أن إلزار ما إن وطأت قدماه المكان حتى استشعر هالة سحرية مشؤومة تنبعث منهم وتملأ أركان الغرفة بالتثاقل... وعلى الأغلب، كانت أعمارهم الحقيقية تتجاوز بكثير ما توحي به أجسادهم الفانية. والآن... من كان ليصدق أن ساحراً ينتمي لعرين السحر المحظور قد يلجأ لاستئجار قاتل مأجور؟ لا بد أن هذه مهزلة حقيقية! كان الأول يجلس على أريكة جلدية مهترئة؛ رجل عريض المنكبين في أواخر أربعينياته، يرتدي بذلة داكنة ذات قماش ثقيل لكنه مجعد، وشعره الداكن مشطوف إلى الخلف تتخلله خصلات رمادية. كان يحمل بين يديه كتاباً ضخماً تجليده قاسي، لكنه لم يكن يقرأ فعلياً؛ بل كانت عيناه الغائمتان تتنقلان بجفاء بين السطور، يبدو عليه ضيقٌ مكتوم يشتت ذهنه. أما الثاني، فكان يبدو في ثلاثينياته، يرتدي قميصاً حريرياً كامد اللون مع سترة قصيرة، يقف بجانب النافذة يستمع بنصف أذن إلى راديو خشبـي ينبعث منه تشويش خافت. كان ذا بشرة شاحبة للغاية وشعر ذهبي براق يلمع تحت شعاع شمس يتيم استطاع الفلات من بين الغيوم التي غطت نصف السماء، بينما تكسو وجهه ملامح باردة تشبه التماثيل. أما الثالث، وهو أكبرهم سحنة وأكثرهم هيبة، فكان يبدو في منتصف الخمسينيات، بطول قامة مفرط وجلباب أسود مطرز عند الياقة بخيوط فضية خافتة. كان يقف بسكون بجوار مزهرية سوداء قديمة تتوسطها زهورٌ ذابلة... ذبلت منذ زمن، أم أنها فارقت الحياة للتو بفعل وجودهم؟ استدار الرجل الثالث ببطء، وتعلقت على شفتيه ابتسامة خفيفة باهتة، لتلتقي عيناه الذهبيتان المتوهجتان بسواد عيني الرجل الجافتين. ألقى بنظرة خاطفة نحو النافذة حيث كان نهار الظهيرة ما يزال قائماً في الخارج، ثم قال بصوت هادئ: — إلزار فالس... أليس كذلك؟ لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة. لم يتحرك إلزار من موقعه عند الباب، وظلت يداه مستقرتين داخل جيبي معطفه الأسود الثقيل. ردّ بصوت منخفض، جاف، خالي تماماً من النبرات: — أنهيت عملي أسرع مما توقعت. تحرك الرجل ذو العينين الذهبيتين خطوات قليلة بعيداً عن المزهرية، وأمسك بطرف طاولة خشبية وسيطة، بينما أغلق الرجل الجالس على الأريكة كتابة بقوة أحدثت صوتاً مكتوماً في الغرفة. قال الساحر ذو العينين الذهبيتين بابتسامة تلاشت تدريجياً: — الدقة والسرعة... سمعتك تسبقك دائماً يا فالس. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم. الهدف امرأة تدعى إليانور. كانت واحدة منا، رفيقتنا التي شاركتنا أسرار السحر المحظور لسنوات... إلى أن قررت أن تختار طريقها الخاص. توقف الساحر لبرهة، وشخصت عيناه بنظرة كراهية مظلمة، بينما صدح تشويش الراديو بجانب النافذة كأنه يملأ الصمت الناجم عن الحديث: — هربت في الخفاء بعد خلاف لم يكن يعني شيئاً. ولم تكتفِ بالفرار فحسب... بل غدرت بنا وقتلت أحد أعضاء مجلسنا. قتلتْه بدم بارد، ولم نكتشف جثته إلا بعد فوات الأوان. آه، هكذا هو الأمر! أومأ الرجل ذو العينين الذهبيتين برأسه نحو جليسه الذي يتظاهر بقراءة الكتاب. استقام هذا الأخير من على الأريكة المهترئة، وفتح الصفحات الضخمة بحركة هادئة ليخرج من بينها صورة صغيرة، ثم مدها نحو إلزار قائلاً: — الصورة قد بهتت بعض الشيء... لكنها تؤدي الغرض. ثبتت عينا إلزار السوداوان على الصورة المطبوعة باللونين الأبيض والأسود، وأخذها ببرود، ثم عقد حاجبيه ببطء وهو يتأمل ملامح ضحيته الجديدة.

ردّ بصوته الخالي من التعبير: — الصورة لم تبهت. تطلّع إليه الرجل الذي سلّمه الصورة للحظة ثم شخَص بنظره بعيداً بادعاء عدم الاهتمام: — حقاً؟ تلمس إلزار خامة الورق بين أطراف قفازه الجلدي؛ كان يعرف هذا النوع جيداً. إنه ورق تصوير فاخر كان يُستخدم قبل أحد عشر عاماً تقريباً أو أكثر، وهو معروف بقدرته العالية على الحفاظ على تفاصيل الصورة ودقتها دون أن تبهت مع الزمن. لكن... إن كان الأمر كذلك، فلماذا يقدمون له صورة بالأسود والأبيض؟ لقد انتشرت الكاميرات الملونة ودخلت الأسواق منذ نحو سبع سنوات. وشخصٌ كان رفيقاً لهم كما يدّعون، أليس من المفترض أن يمتلكوا له صوراً حديثة وملونة؟ حتى لو كان غالي الثمن. رفع إلزار عينيه المظلمتين نحوهم، ومدّ الصورة ليُعيدها إلى يد الساحر، ثم استدار بجسده جانباً معلناً رحيله وهو يقول بجفاف قاطع: — هذه صورة قديمة... وأنا لا أتعامل مع العقود الناقصة. — مهلاً مهلاً! صاح الرجل ذو الشعر الذهبي وهو يخطو خطوة سريعة إلى الأمام ليقطع عليه الطريق، ناتئ الملامح فارضاً كفيه في الهواء: — جرب أن تستمع منا أكثر قبل أن تصدر حكمك! توقف إلزار في مكانه دون أن يلتفت بكامل جسده، وظل وجهه الجانبي مغطى بظلال قبعته، ينظر إليه بطرف عينيه المظلمتين بهدوء. تنهد الساحر ذو العينين الذهبيتين بخفة، وهز رأسه متقبلاً فطنة القاتل، ثم قال بنبرة جادة: — لم نكن نخدعك، لكن الأمر أكثر تعقيداً مما تظن. تذكر أنك تتعامل مع ساحرة محظورة... إليانور ألقت تعويذة حجاب سحرية على نفسها، تعويذة تمنع أي شخص مننا من رؤية وجهها أو تذكر تفاصيلها، وحتى صورها تتلاشى منها ملامحها وتتحول إلى بقع ممسوخة بنظرنا. ساد صمت قصير، قبل أن يتابع الساحر ذو الشعر الذهبي مضيفاً: — حسب ما عرفناه لاحقاً، لقد غيرت ملامحها بالسحر احتياطاً كي لا يستدلها أحد. لكننا اكتشفنا مؤخراً أمراً لم نكن نحسب له حساباً... لديها ابنة. التفت إلزار بنصف دورة، رافعاً حاجبيه بخفة متسائلاً دون أن ينطق بكلمة. أكمل الساحر وهو يشير إلى الصورة التي ما تزال في يد إلزار: — تلك الصورة... هي صورة للأم بالفعل قبل أن تضع سحر الحجاب، وهي قديمة كما لاحظت. لكن ابنتها نسخة طبق الأصل منها بشكل غير طبيعي! إذا رأيت الابنة، فكأنك تنظر إلى هذه الصورة تماماً. أقفل الساحر الجالس على الأريكة أصابعه وثبت نظراته نحو إلزار قائلاً: — الابنة لا تملك الندبة القاطعة التي على خد أمها، وشعرها أقصر... عدا ذلك؟ هما شخص واحد في جسدين. استدل على الابنة، وستصل إلى رفيقتنا القديمة فوراً. التقط الساحر ذو الشعر الذهبي الأنفاس لبرهة، ثم تقاطعت نظرات الرجال الثلاثة في حوار صامت وسريع، قبل أن يعود ذو العينين الذهبيتين ليخطو نحو إلزار مستطرداً بنبرة خالية من أي شفقة: — نريدك أن تنهي وجودهما معاً. الأم والابنة. لا نترك خلفنا نبتة مسمومة ولا بذرة قد تنبت في المستقبل لتبحث عن الثأر. اقتل إليانور واقتل ابنتها أيضاً. ساد الصمت الغرفة مجدداً، صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت التشويش المكتوم الصادر من الراديو بجانب النافذة. تأمل إلزار الصورة المثبتة بين أصابعه المكسوة بالقفاز الأسود؛ أمال رأسه قليلاً ليختفي نصف وجهه تحت ظلال قبعته الـ فيدورا، ثم فتح شفتيه ليحدد شروطه لهذا العقد المزدوج... أطبق الساحر ذو الشعر الذهبي يده على قرص الراديو بجانب النافذة، ليتوقف التشويش المزعج فجأة ويسود الغرفة صمتٌ مطبق وثقيل. أعاد إلزار الصورة إلى الطاولة الخشبية بثبات، ودسّ يديه مجدداً في جيبي معطفه الأسود الثقيل. قال بنبرة جافة كالجليد لا تقبل المساومة: — المبلغ سيكون مضاعفاً. رفع الساحر الأكبر عمراً حاجبيه بقسوة، وشخصت عيناه الذهبيتان بنظرة حادة نحو القاتل، بينما اتكأ بشرسه على الطاولة قائلاً: — مضاعفاً؟ لقد اتفقنا على سعر محدد لعقد واحد يا فالس! ردّ إلزار ببرود وهو يقف بثبات كالجدار الصخري، دون أن يتزحزح إنشاً واحداً: — العقد الأول كان لشخص واحد وبمعلومات كاملة. الآن أنتم تطلبون رأسين... رأس ساحرة محظورة ورأس ابنتها. أضف إلى ذلك أن المعلومات التي قدمتموها ناقصة وتعتمد على التخمين، وسيتعين عليّ القيام بعملية البحث والمطاردة بنفسي من الصفر. صمت الساحر الأكبر لبرهة، وتبادل النظرات مع الساحر الجالس على الأريكة، الذي اكتفى بهز رأسه بقلة حيلة. استوعب السحرة أن القاتل المأجور الذي يقف أمامهم لا يرحم في عمله ولا يساوم في أجره؛ فهو يعلم تماماً قيمته وقيمة المخاطرة المكتنفة بهذا السحر. زفر الساحر الأكبر نفساً طويلاً محتداً، ثم مال بظهره إلى الخلف وقال بصوت مغموم: — لك ما أردت. الضعف... نصف المبلغ ستستلمه الآن، والنصف الآخر بمجرد أن تعود لي بجثثهما معاً.
—— وربما بعد مرور اسبوعين.. كانت الغيوم الرصاصية الثقيلة تتلبد في سماء المدينة، تحجب شعاع الشمس وتفسح المجال لقطرات المطر لتتساقط بلطفٍ وهدوء على الطرقات. استحالت الشوارع الحجرية إلى مساحات صقيلة ترطبها المياه، تعكس أضواء المتاجر وظلال المباني كمرآة داكنة ومكسورة. كانت أقدام الخيول تصدر طقطقة منتظمة ومكتومة وهي تجر عرباتها الخشبية على الأسفلت المبتل، وتخلف وراءها رذاذاً خفيفاً وخطوطاً لمعت تحت ضوء النهار الخافت. في الحافات، شقّ المارة طريقهم بين الأزقة وهم يمسكون بمظلاتهم متلفعين بمعاطفهم لمقاومة البرودة الرطبة التي تسللت إلى أنفاس المدينة. وسط هذا الزحام الهادئ، كان إلزار يسير بخطوات متمهلة وثابتة تحت غيث المطر، يحمل بيده مظلة زيتية داكنة بمقبض خشبي مصقول. لم يكن يرتدي رداءً ثقيلاً هذه المرة، بل اكتفى بمعطف أسود داكن بسيط وراقٍ يلتف حول جسده بإحكام، وتعتلي رأسه قبعة ديربي سوداء مستديرة الحواف وأنيقة، أمالها قليلاً لتحمي عينيه من الرذاذ المتطاير بسبب الأحصنة. كان يقف على مسافة حذرة يراقب من خلف رذاذ المطر المشهد بأكمله... كان نظره ثابتاً على متجر للزهور فُتحت أبوابه للتو. صاحبة المتجر، لورا روزمونت. فتاةٌ تبدو في منتصف العشرينيات من عمرها؛ تمتلك شعراً أسود قصيراً يتدرج بموجات خفيفة حول وجهها، وعينين هادئتين ورقيقتين بلون أزرق فاتح مائل للرمادي كأنها لون السماء الماطرة. اعتادت أن ترتدي ملابس بألوان فاتحة ودافئة من أقمشة ذات جودة عالية يظهر عليها الترف. ومن التفاصيل الدقيقة التي لاحظها إلزار خلال أيام مراقبته المتواصلة لها، أن هناك عدداً غير قليل من الرجال يترددون على المتجر لإبداء إعجابهم بها... قد تكون جميلة بحق، لكن تلك الرقة المفرطة والجاذبية في هذا الحي المظلم كانت تبدو مريبة إلى حدٍّ يستدعي الشك. على أي حال... توزنت خطواته وهو يقطع الشارع المبتل بثبات، بعد أن تأكد من أن عربات الخيول ما زالت على مسافة آمنة. تقدم نحو المتجر، ثم دفع الباب الخشبي ودخل بهدوء، مستنشقاً عبق الزهور الرطبة، بينما أطرق رأسه قليلاً ليعصر مظلته الزيتية ويغلقها بدقة. في تلك اللحظة، كانت لورا تجلس عند الطاولة القريبة من النافذة، ترفع غطاء قبة الجرس الزجاجي لتضع بداخله شمعة معطرة، قبل أن تحيط قاعدتها بزهور صغيرة متناسقة بعناية فائقة. رمشت عينيها الزرقاوان بذهول خفيف حين صدح رنين الجرس المعدني المعلق بالباب، لكنها لم تستعجل؛ أشعلت فتيل الشمعة بمهل، وتصاعد خيط دخان أنيق قبل أن تغطي الصحن بالجرس الزجاجي. استدارت لورا نحوه بأدب وهي تضع القداحة جانباً، واستقرت على شفتيها ابتسامة هادئة ومرحبة، تجعل حضورها لطيفاً ومريحاً دون تكلف. قالت بصوت خفيض ونبرة دافئة تجذب المسامع بسحرٍ هادئ: — أهلاً بك مجدداً... يسعدني رؤيتك مرة أخرى. كانت نظراتها الزرقاء المائلة للرمادي دقيقة بشكل مثير للاهتمام، تفحصت المظلة المبتلة بيده ثم قطرات المطر العالقة على حافة قبعته، دون أن تجعله يشعر بأي توتر أو انزعاج. في تلك اللحظة، مرّت في ذهن إلزار خاطرة خاطفة وهو يتأمل ودّها المسترسل... لم يعد يلوم بقية الرجال الذين يترددون على هذا المتجر كالفراشات؛ فالرجال أصحاب قلوب ضعيفة وسريعة الانخداع أمام هذا النوع من الرقة المحسوبة. ارتقى وجه إلزار بتلك الابتسامة الصغرى الأنيقة التي يتصنعها ببراعة لإتقان دوره؛ تلك الابتسامة اللطيفة التي تجعل الآخرين يطمئنون له فوراً وينخدعون بمظهره الدافئ. ردّ بصوت رزين ونبرة تحمل الكثير من اللباقة والهدوء: — صباح الخير. في الواقع، نمت تلك الزهور بشكل ممتاز بفضل إرشاداتكِ... اتضح أن طريقة الريّ التي اقترحتِها كانت ما ينقصها تماماً. أشكركِ على اهتمامكِ. اتسعت ابتسامتها ببطئ، وجالت بعينيها بين الزهور المعروضة أمامهما ثم عادت لتنظر إليه باهتمام لطيف: — هذا يسعدني جداً... القليل من الصبر والماء الكافي يغيران كل شيء. الجو ممطر جداً في الخارج اليوم، هل تبحث عن نوع معين من الزهور يضيف بعض الدفء لبيتك في هذا الطقس؟ أم أنك جئت لتفقّد شيء آخر؟ تظاهر إلزار بالتفكير للحظة، وجال بنظره الهادئ في أرجاء المتجر المضاء بنور خافت يبعث على الدفء. كان المكان يشبه حديقة سرية مصغرة؛ الجدران الخشبية الداكنة تكسوها رفوف مليئة بالأصص النحاسية والزجاجية، بينما تتدلى من السقف نباتات متسلقة ذات أوراق خضراء زمردية. ولم تكن الزهور المعروضة هنا من الأنواع العادية التي تراها في أي زاوية، بل كانت مجموعة من الأزهار الفريدة والنادرة؛ أوركيد سوداء غامضة، وزهور زنبق النمر المرقطة، وحتى أزهار الخربق الأسود وزهور متفتحة ذات بتلات مخملية قاتمة تنبعث منها عطور ترابية ثقيلة. بعد جولة بصرية سريعة، أعاد إلزار أنظاره إلى لورا، واتسعت ابتسامته الهادئة قليلاً قبل أن يقول بنبرة رخيمة: — لِنقل... أردت فقط تأمل هذا المتجر. لم يتغير تعبير وجهها، بل اكتفت بابتسامة رقيقة زادت من سحر ملامحها، وأومأت برأسها بصمتٍ لطيف، متقبلة عذره الراقي. وفي تلك اللحظة، تحولت عيناها الزرقاوان المائلتان للرمادي نحو الباب الخشبي، حيث لاح من خلف الزجاج المبلل بالمطر طيف رجل آخر يقترب بخطوات مستعجلة، هارباً من رذاذ الخارج. رنين جرس. استدار إلزار بمرونة ملحوظة وابتعد خطوتين إلى الجانب بأدبٍ، يفسح المجال للمشتري الجديد بينما حافظ على هدوئه ونظراته الثاقبة المتوارية تحت حافة قبعته. دخل الرجل وهو يعصر مظلته المبتلة، ثم رفع يده لتفحص قبعته السوداء وتعديلها على رأسه لبرهة. تقدم نحو المنصة الخشبية، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وهو يخاطب صاحبة المتجر: — مساء الخير! جئتُ لأشكركِ مجدداً على زجاجة زيت الزهور العطرية التي ابتعتها منكِ المرة الماضية... رائحتها كانت ممتازة للغاية، حتى إن الكمية قد نفدت من عندي بالكامل، وقررتُ شراء المزيد اليوم. رمشت لورا بعينيها الزرقاوين الفاتحتين بزهوٍ مفاجئ، وظهرت على ملامحها مفاجأة خفيفة ولكن لطيفة؛ فتحت شفتيها وردت بنبرة هادئة ومستغربة: — مساء النور... أوه، حقاً؟ لكن تلك قارورة مركزة من زيت الزهر الصافي، وعادةً ما تدوم لفترة طويلة جداً! كيف نفدت بهذه السرعة؟ ضحك الرجل قليلاً وهو يهز رأسه: — هذا صحيح، في الحقيقه، أمي وأختي أُعجبتا بالعبير بشكل لا يُصدق عندما زارتا منزلي! لم تستطيعا المقاومة وأخذتا معظم القارورة لحسابهما الخاص... لذا قررتُ اليوم شراء ثلاثة صناديق خشبية صغيرة من هذا الزيت العطري؛ صندوق لي، واثنان إضافيان كهدية لهما. تبسمت لورا برقة وعيناهما تلتقيان بتفهم، ثم ملت بجسدها لتفتح أحد الأدراج النحاسية خلفها وتبدأ في إخراج الصناديق الخشبية الأنيقة المخصصة لزيوت الزهور النادرة. في هذه الأثناء، كان إلزار يقف في الزاوية، يراقب المشهد بصمتٍ مطبق ورصانة قاتل يزن كل كلمة وكل حركة تُقال حوله... على الأغلب، كانت تلك كذبة. هكذا فكر إلزار وهو يراقب المشهد من زاويته. لم تنطلِ عليه تمثيلية الرجل؛ فعينا القاتل المأجور تمرست على قراءة الأجساد ونواياهم المخبأة. لقد لاحظ ارتباكاً خفيفاً في لغة جسد الزبون؛ نبرة صوته الحريصة التي خلت من أي عفوية، وطريقة ضغطه المتوترة بأصابعه على حافة قبعته السوداء، ناهيك عن حركة عينيه السريعة التي تتفحص وجه الامرأة بلهفة مكشوفة. لم تكن القوارير الثلاث لأمه وأخته كما ادعى، بل كان مجرد عذر مكشوف ومفتعل ليزور المتجر مراراً وتكراراً ويكسب ودّ صاحبة الشعر الأسود. ابتسم إلزار سراً؛ كم هم واضحون ككتاب مفتوح. انتهت صفقة شراء زيت الزهور، وجمع الرجل صناديق الخشب الثلاثة بشغف وهو يشكرها مجدداً، ثم حياها وانصرف ليحلّ رنين الجرس مجدداً مخلفاً وراءه صمت المتجر الهادئ وصوت قطرات المطر الخارجية. بعد رحيل الرجل وتراجع لورا بهدوء خلف الطاولة لتعطيه مساحته، وقف إلزار للحظة وسط عبير الزهور الرطب، ينظر إلى الباب المبتل الذي أُغلق للتو. تأمل سذاجة الرجال الذين ينسجون الأعذار الواهية ليحظوا بدقيقة واحدة في حضرتها، ثم نقل نظره المظلم نحوها باعتدال، مرجعاً قناعه اللبق والطيب إلى وجهه. ثم خطا إلزار خطوات متمهلة نحو منصتها الخشبية، ووضع قفازه الأسود بخفة على طرف الطاولة، ثم قال بنبرة هادئة ودافئة تحمل مسحة من اللباقة: — يبدو أن زجاجات الزيوت العطرية لديكِ تمتلك تأثيراً يفتن الجميع... أم أن الأمر يتعلق ببراعة صاحبة المتجر في الانتقاء؟ تظاهر بالتفكير للحظات وهو يجول ببصره بين الرفوف الخشبية، ثم أردف بنبرة متسائلة ورزينة: — في الحقيقة... كنتُ أبحث عن شيء مختلف هذه المرة. شيء لا ينتهي عبيره سريعاً كالباقات العادية، ويصمد أمام برودة هذا الجو الماطر. هل لديكِ اقتراح لمنتج خاص أو تركيبة فريدة تمتلك هذا النوع من الدفء والعمق؟ ابتسمت لورا برقة، وأومأت رأسها بتفهم واهتمام، قبل أن تلتفت نحو رفٍّ خشبي داكن في زاوية المتجر، وتتناول منه صندوقاً معدنياً عتيقاً تزينه نقوش ناعمة ودقيقة. وضعت الصندوق على الطاولة بينهما، وما إن رفعت غطاءه بحركة هادئة، حتى تفوه أريجٌ دافئ ومكثف يمتزج فيه عبير الورد الغامض بنفحات ترابية فاخرة، ليملأ المساحة الصغيرة بينهما. كان الصندوق يحوي بداخله أجزاءً مرتبة بعناية فائقة: بتلات الورد الأسود المجففة معالجة ببراعة وممزوجة بمسحوق المستكة والمسك الأبيض المبشور. وزجاجة قطارة صغيرة تحتوي على زيت الورد والعنبر الكثيف لتنشيط الخليط وتجديد عبيره. ، مشبك معدني صغير أُعد خصيصاً لنقل البتلات بأناقة دون توسيخ الأيدي. نظرت إليه لورا بعينيها الزرقاوين الفاتحتين وقالت بنبرة خفيضة وجذابة: — هذا رماد هافيتي العطري... أحد أكثر المنتجات تميزاً هنا. أمال إلزار رأسه قليلاً، متظاهراً بالفضول وهو يتأمل تفاصيل هذا الصندوق العتيق... أمال إلزار رأسه قليلاً وهو ينظر إلى الصندوق المعدني العتيق، تتملكه رغبة صادقة في الاستماع لحديثها أكثر من الاهتمام بالمنتج نفسه. سألها بنبرة رزينة: — رماد هافيتي... اسم لافت. ما الذي يجعله فريداً عن أنواع البخور التقليدية؟ وكيف تبدو رائحته؟ ابتسمت لورا برقة، ونظرت إلى الصندوق ثم أعادت عينيها الزرقاوين نحوه، تتحدث بأسلوبها العذب المنساب: — هذا ليس للبخور السريع الذي تحرقه النار في لحظات. رائحته تأتي على دفعتين؛ تبدأ بعبق مخملي دافئ يمزج بين الورد والمستكة، ثم تتحول تدريجياً إلى عبق خشبي ترابي يشبه رائحة المباني القديمة الممزوجة برائحة المطر. رائحة هادئة تصمد في المكان ولا تخنق الأنفاس. ثم مالت بقامتها قليلاً لتوضح له المبدأ العام لاستخدامه بكلمات بسيطة: — طريقته تطلب بعض المهل... لا يوضع على النار المشتعلة كي لا يحترق، بل يُكتفى بوضع القليل من البتلات والزيت فوق الرماد الدافئ بعد أن تهدأ الجمار، ليفرز عبيره ببطء مع الحرارة. وأشارت بسبابتها الخفيفة نحو طية صغيرة ورقية في زاوية الصندوق المعدني، مضيفة بابتسامة لطيفة: — وقد وضعتُ ورقة صغيرة بالداخل تشرح لك كل التفاصيل والدقائق إن أردت تجربته. تأمل إلزار الصندوق والورقة المطوية، ثم التقت عيناه السوداوان بنظراتها الهادئة.. — يبدو أن الأمر يتطلب دقة معينة... كم بتلة يُفضل أن أضع في المرة الواحدة؟ وكم تدوم هذه القارورة الصغيرة عادةً قبل أن تنتهي؟ شبكت لورا يديها أمامها برقة، وأجابت بصوتها الرخيم الخفيض: — ثلاث إلى أرباع بتلات تكفي تماماً لملء الغرفة بالعبير... أما بالنسبة للقطارة، فمع استخدام منتظم مرتين في الأسبوع، ستدوم معك لعدة أشهر، فالزيت مركز للغاية ولا يحتاج سوى قطرات معدودة. أومأ إلزار رأسه بتفهم، محتفظاً بابتسامته الأنيقة، ثم ألتقط الصندوق المعدني بخفة بيده المكسوة بالقفاز الأسود، وقال وهو يخرج صرّته المالية: — حديثكِ عنها يجعل تجريبها أمراً لا بُد منه... كم ثمن هذا الصندوق؟ ابتسمت لورا برقة، وسمت له المبلغ بوضوح، بينما كان إلزار يدفع الثمن وهو يشعر أن هذا الصندوق ليس سوى مجرد عذر آخر أطال به بقاءه في حضرة هذه الامرأة... خرج إلزار من المتجر، وأصدرت المظلة زيتية اللون صوتاً خفيفاً وهي تفتح فوق رأسه لتحميه من قطرات المطر المتساقطة. ثبّت الصندوق المعدني العتيق بين يديه المكسوتين بالقفاز الأسود وألقى عليه نظرة سريعة. لم يكن يخطط إطلاقاً لشراء شيء كهذا؛ كانت خطته تقضي بشراء أشياء بسيطة وعادية تفي بغرض التمويه فقط، لكنه وجد نفسه يشتري هذا الصندوق الذي كان ثمنه باهظاً ومكلفاً بشكل لم يحسب له حساباً. تباطأت خطواته على الرصيف المبتل، ومال بجسده قليلاً ليلتفت بنظرة خاطفة من خلف زجاج المتجر الضبابي. كانت لورا تقف هناك، تستدير بنظرها الهادئ نحو باب خشبي جانبي في التجاويف الخلفية للمتجر... باب يبدو بوضوح أنه يتصل بمبنى سكني خلفي؛ منزلها. لم يكن يتذكر وجود مظلة يبدو لها في المتجر.. ثبتت عينا إلزار المظلمتان على ذلك الباب لثوانٍ معدودة. كان يزن تلك المعلومة الجديدة في عقله، المتجر والبيت في مكان واحد، مما يعني أن المراقبة واختراق المكان سيكونان أسهل. استمر إلزار بالمشي بخطوات منتظمة ومتمهلة لربع ساعة تحت هطول المطر الخفيف، مفسحاً المجال لأفكاره لتترتب بعناية. توقف عند طرف الشارع، ورفع يده ليشير لأحد السائقين، فاستأجر عربة خشبية مغلقة. صعد إلى العربة ولهث الهواء البارد، ثم أغلق مظلته الزيتية بمهل، ليضعها جانباً بجوار الصندوق المعدني العتيق الذي استقر على المقعد الجلدي أمامه. تداعت ضربات حوافر الخيل على الحجارة المبتلة، واهتزت العربة بخفة وهي تنطلق في الأزقة الماطرة. دسّ إلزار يده داخل معطفه الأسود الثقيل، وأخرج دفتراً صغيرة بملمس جلدي داكن، يرافقه قلم حبر أنيق بلمعة فضية. فتح الدفتر الصفحات الأولى التي امتلأت بملاحظاته الدقيقة التي دوّنها على مدار أيام مراقبته السابقة:

ثبّت إلزار سِنّ القلم على الورقة، وأضاف سطراً جديداً بملاحظة اليوم: يُحتمل جداً أن يكون منزلها متصلاً بالمتجر عبر الباب الخلفي. توقف القلم. أُغلق الدفتر بصوت خفيف وأعاده إلى جيب معطفه الداخلي. أسند إلزار رأسه إلى المقعد الجلدي، وجال ببصره نحو قطرات المطر التي تتزحلق على زجاج نافذة العربة. تنهد بصوت غير مسموع وهو يفكر بسكون... هذا لا يكفي. كل هذه المعلومات السطحية والتفاصيل اليومية لا تقربه من هدفه الحقيقي؛ كانت لورا—رغم كل هذا التقرب المحسوب—لا تزال بعيدة للغاية عن متناوله، وغامضة كزهرة نبتت في أزقة لا تنتمي إليها.
2 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!