

عادت الأصوات إلى أذني من جديد حين ابتعدت عن الطاولة ورأيته يسحب المطرقة ويذهب، أصوات الطَرق على المسامير وأعمدة الخشب التي تجر من مكان إلى آخر، قطرات الدهان غير الجاف وهي تسقط قطرةً قطرة على الأرض، ورائحتها المزعجة التي ملأت جوفي مع رائحة التبغ، أصوات الرجال وهم يصرخون على بعضهم داخل الورشة وضجة السوق كلها عادت من جديد حين مشى وتركني خلفه، لا أعلم ما الذي حدث لكنني بدأت أستذكر جملته التي قالها قبيل أن أسقط في هذا العالم( العودة محكومة بالاختلاف) إذاً هل علي أن أزرع الابتسامة حول ثغرة الحزين أو أن أغير حياته بالكامل؟ فنحن تقريباً في ماضي القصة إي ما يعطيني ثلاث سنين قبل أن يتحول لطاغية التي كتبتها في قصتي الحقيقة. هل أبداء بالبحث عن عائلته؟، لا فهذا سيأخذ وقتاً قبل أن أصل لأي معلومة ... ماذا عن إيجاد حب حياته ؟! سيكون هذا رائعاً أن حصل ذلك، يجب أن أسأله عن سمات التي تخلق حبيبته المثالية. حينها وبين انشغالي بإنتاج حبيبة رائعة وكأنني أصنع مخلوقاً كفرانكشتاين مرت ذكرى في مخيلتي، جعلتني أتلوى من الأحراج.. أذكر الآن كيف كتبت شيلد ولما كتبته من الأساس، شيلد كان عبارة عن تصوري للفتى المثالي الذي لم أجده في العالم الواقعي، لقد كنت بائسة إلى هذا الحد الذي جعلني أفرقع أصابعي وأنقر بحماس كلمات أصيغ بها شعورٌ عن سؤال تطرق لمخيلتي الخصبة؛ ماذا لو أن هناك (سيداً كاملاً للأوصاف) يقع في حبي؟، آه لما لا أتحول لمعزة أو بقرة ولننهي هذه القصة هنا!. أشعر وكأنني أقرا مذكراتي التي كتبتها في الثانوية!، ذلك الكلام الأحمق المبتذل الذي يجعل شعر جسدك يقف من القشعريرة بسبب الأحراج، يجب أن أشنق نفسي أن عدت للحياة !. لكن رغم ذلك أذكر نفسي في ذلك الوقت، وشعور الذي دفعني لفعل شيء مبتذل إلى هذا الحد، ذلك كان حين تأكدت في قرارة نفسي بأنني مجرد ممر لكل من أحببت وأنني لن أكون الوجهة أبداً. ابتسمت بحزن على حالي متناسية كلياً أنني واقفة أمام محل ورشة شيلد ولم يعدني إلى الواقع سوى تلويح شيلد ليده أمام وجهي قائلاً: - هل أنت بخير؟. - آه أجل، أجل أنا بخير. أومأت ليعود لعمله، فحشرت محفظة صغيرة كنت أمسكها بين المعدات قبل أن يلحظ، ثم التفتت له كان يعمل بجد قبل أن يلتفت هو الآخر ليحدثني لكن شاب آخر ذا شعر أصهب ووجه دائري بشوش يعمل معه في الورشة قال له : - شيلد أنظر من أتى أنه صديقك الوفي مجدداً !. نظر شيلد خلفي ودحرج عينه قائلاً بنفاذ صبر: - آه ليس أنت مجدداً !. - هيا يا شيلد كف عن التظاهر بخشونة، تعلم أنك تشتاق لي، وأنت يا فوتوس أنقلع وعد لعملك. ضحك ذلك الأصهب وعاد لعمله في تركيب العجلات. ألتفت لأرى جيرالد وسقط فكي كلياً حين رأيت تلك الباروكة البنية والرداء ذا قلنسوة بنفسجية يغطي جسده، ما كنت لأعرفه إلا لتلك الشمات التي تزين وجهه المشرق، آه تذكرت أنهم ليسوا أصدقاء بعد نحن هنا قبل أن تبدأ القصة من الأساس. إذا نحن هنا قبل أن يجيب شيلد بصفاتي كصفات الفتاة التي يحب إذا يمكننا تغير ذلك!، كنت مستعدة لفتح الموضوع إلى أن لمحت ونفريد آتيه من بعيد وكاد جيرالد أن يلتفت!، سترى وجهه وبالتأكيد ستتعرف عليه وستحدث جلبة !، أمسكت بطرف قلنسوته لينظر لي ولا يلتفت!، بطبع كنت أقصر منه لكنني رأيت بؤبؤ عينيه السماوية يتوسع وهو ينظر إلي بتفاجأ، قلت مفسرة له بهمس متوتر وسريع: - صدقني أنا فقط أحاول مساعدتك يا سمو الأمير. - كيف عرفتِ؟!. بدت عينيه الزرقاء أكثر جدية من ذي قبل، وقبل أن أرد سُحبت يدي من قبل ونفريد قائلة بصدمة: - سدرا لا يمكنك فعل ذلك!، هل جننتي؟. وضعت يدها لتغطي فمها قائلة: - يا ألهي هل قلبتي هذا الشخص !، أنك من فتيات البلستاشي نحن لا نفعل ذلك!. تقدمت إليها وتركت جيرالد خلفي يحارب أفكاره وحده بينما تملكتني الصدمة فبدأت يدي ترتعش تلقائياً وتتحرك في الهواء محاولة شرح الوضع!: - ماذا ؟! لا لم يحدث .. أنا لم أفعل ذلك كنت فقط... قاطعتني وهي تشير علينا أنا وجيرالد وابتسامة لعوبة بين شفتيها: - لقد رأيتك حين شديتي قلنسوته، من هذا ؟، اسمعيني يجب أن يكون من عائلة مرموقة وإلا قتلتك السيدة صوفيا ! . كاد جيرالد أن يلتفت فمددت يدي كي أبعد وجهه، وقلت لها: - ونفريد أرجوك أنا لم أفعل ذلك !، الأمر ليس كما يبدو لك صدقيني... - لقد كانت تساعد صديقي في رفع قلنسوته لقد سقطت وهو لا يملك يدين. قال شيلد بهدوء وجدية وهو يمسح يديه من الدهان ويبعد الشبهات عني، نظرت إليه مصدومة لكن ممتنة وبادلني النظر ورأيت شبح ابتسامة على شفتيه، قالت ونفريد متفهمة: - آه، هل كان الأمر كذلك حقاً، أعتذر لكِ سدرا لقد كان يبدو الأمر مختلفاً قليلاً من بعيد، وأعتذر لك على أحداث هذه الضجة. قالت بحرج لي ولشيلد، ثم سحبت يدي قائلة : - سيدة نينا ستقتلك لذى يجب أن نجد عذراً. ذهبت وأنا أسمع حديث جيرالد لشيلد: - لا أصدق لقد ساعدتني أو ربما كانت تلك الفتاة لكن ساعدتني يا شيلد برغم أنك بترت يدي بسبب ذلك لكن أليس هذا اعتراف أنني صديقك؟. - لا. سمعت ضحكات فوتوس على أجابة شليد المقتضبة إلا أنه جيرالد لم يتهاون قائلاً: - هيا لا تكن بارداً كالقمر. - قد أفعل ذلك أن لم تكن ساطعاً ومزعج كالشمس. ضحكت حين سمعت آخر جملة له قالت لي ونفريد ونحن نسير عائدين إلى السيدة نينا: - ماذا حصل ؟، لماذا كنت في تلك الورشة ؟. - كما سمعتي شيلد من قبل كنت أساعد ذلك الفتى لمقابلة صديقه. - شيلد ؟، من هو ؟. - الشاب الذي أخبرك أنني لم أقبل صديقه. - آه، أعتذر حقاً. - حقاً ؟ لقد كنت تبدين سعيدة ومتحمسة لمعرفة تفاصيل القبلة الخيالية التي في عقلك. طأطأت ونفريد برأسها وقالت: - هيا أنا بالفعل كنت خائفة أن فعلتها فعلاً، لكن ألن يكون هذا مشوقاً الوقوع في حب شخصاً لا يمكنك الحصول عليه، آه كم أود أن أرى قصة حب مأساوية على أرض الواقع. قطبت حاجبي ونكزتها: - أليست هذه قصة حبك مع ذلك الشاب الذي لا تودين أخباري عنه؟. - لكننا لم نتحدث قط سوى مرات قلة في الحفلات. - إذا هو من النبلاء؟. قلت باهتمام لتجيبني: - أجل أنه سيلف إيفانكون أبن الإيرل ميخائيل إيفانكون. - إيفانكون ؟. - أجل. دقيقة واحدة إليس هذا حفيد السيد أوليفر، لا يمكنني الجزم الآن لكنه نفس الاسم. رأيت رجلاً شعرت أن وجهه مألوف به علامات خدش لم تشفى وكان يسير باتجاه الورشة، بدا غريباً ومثيراً للريبة، مشيت خطوتين بعد ثم تذكرت هذا الوجه لقد كان أحد قطاع الطرق الذين تعرضوا للسيدة إلينا، أنا متأكدة !.. توقفت عن السير وقلت: - ونفريد لقد نسيت محفظتي هناك . - آه يا آلهي يجب أن نعود !. لقد تركت محفظتي هناك لأستخدمها كذريعة للعودة يوماً آخر أو لأقابل شيلد مجدداً، لم أتوقع أنني سأعود إلى هناك بهذه السرعة لكن بطني تخبرني أن هذا الرجل يهدد بالخطر. أسرعت وونفريد إلى الورشة لكنني همست لونفريد ونحن نمشي إلى هناك: - لنبقى خارجاً قليلاً. - لما ؟. - ذلك الرجل.. سأخبرك قصة عنه حين نعود. نظرت له وهي قاطبة حاجبيها، ثم همست لي: - حسناً. نظرت من الخارج إلى الورشة المبنية بطوب أحمر وسمعت ذلك الرجل يقول حين وصل إلى عتبة الورشة فاتح يديه برحابة: - أبني العزيز ها أنا أجدك مجدداً. رأيت شيلد ينظر إليه بملامح مبهوتة وممزوجة بالغضب فقال بصوت مكبوت: - تبدو في حال رديء، ما الذي تريده ؟. - أهكذا تحدث والدك؟.. هيا يا شيلد أنت أفضل من ذلك. سقط قلبي في معدتي، ما الذي يثرثر عنه هذا اللعين أنه ليس والد شيلد، دقيقة واحدة ربما يكون هذا الشخص مقرب من شيلد أي أنه أحد أسباب تحوله لشرير!، ماذا يعني هذا؟، والأهم من ذلك ما الذي يجب علي فعله ؟!، يجب أن أبعده عن شيلد قدر المستطاع، سمعته يكمل: - ما رأيك أن نأخذ جولة بعد أن تنتهي سأنتظرك عند جسر أوقون، لا تجعلني أنتظر. غلظ صوته عند آخر جملة، فاختلفت هالته كلياً لأخرى دامسة ثم التفت ليخرج من هناك، وما أن خرج حتى دخلت إلى الورشة قائلة بوتيرة سريعة: - نسيت محفظتي لديكم . نظر لي شيلد متفاجأ لأنني كنت فعلياً أركض بينما أرفع طبقات فستاني متناسية بأنه يفترض أنني أمثل فتيات البلستاتشي وأنني أمتلك صفات الفتيات النبيلات. تركت ونفريد وأنا أشير لها بسبابتي على فمي بأن تلتزم الصمت، سرت خلفه في ساحة واسعة في السوق ثم دفعته بحركة خاطفة كي أضع الحقيبة التي تشبه الظرف في جيب سترته بطريقه ديناميكية لم أظن أنه بإمكاني فعلها!، بالطبع تدربت على ذلك من قبل مع أخي زاهد، بعد أن أصريت على ذلك بسبب شخصية في الأنمي المفضل لي، كانت تفعل ذلك دائماً ( تسرق الناس )، لم أفلح من قبل فكان زاهد يشعر بمحاولتي لاختلاسه في كل مرة، لكنها فلحت هنا، اعتذرت له بدون أن أتوقف عن الركض وباشرت بالبحث عن شرطي قبل أن أفقد أثره، وقد وجدت شرطي في وسط الساحة، قلت له وأنا أشير على ذلك الرجل: - سيدي الشرطي أن هذا الرجل سرق محفظتي الثمينة !. بنظر إلى ملابسي الفارهة ومنظري الراقي أسرع الشرطي في امتطاء حصانه وباشر بنفخ على صفارته ليركض بتجاه الرجل المريب، وكاد ذلك الرجل أن يبدأ في الركض إلا أن شرطي آخر تقدم إليه بسبب تأشير وصراخ الشرطي عليه بأن يتوقف، اقتربت من مكان الحدث وسط ذهول الناس وتوقف بعضهم عن السير لشؤونهم الخاصة، حيث أٌمسك بذلك الرجل وقاموا الشرطة بتفتيشه وسحب المحفظة من سترته قال لي الشرطي: - هل هذه لك آنستي ؟. - أجل شكراً لك أنها لي. لكنني كنت مرعوبة من النظرات المجنونة التي كان يرمقني بها ذلك الرجل الذي تنفت منه رائحة التبغ المحترق وابتسامة الساخرة على شفتيه والتي أتسعت شيء فشيء كاشفة عن أنياب حادة قال لي بينما يسحبه الشرطي معه: - يبدو أن هذا ليس الشيء الوحيد الذي سرق منك يا جميلة. - ماذا تقصد ؟. قلت بخوف وأنا أحكم قبضتي على المحفظة، ليجيب : - سأخبرك حين نلتقي مجدداً، وتذكرِ أنكِ أنتِ من استخدمتِ الورقة الخاطئة بالظهور الآن. سحبه الشرطي فلم أستطع سؤاله جعلتني كلماته أشعر برجفة تسري في عمودي الفقري، اقتربت مني ونفريد وهي تقول لي بصدمة: - ما الذي فعلته؟، هل لفقتي تهمة لذلك الرجل ؟!. هزت جسدي لأنتبه لها لأن الذعر تملكني وأحكم مخالبهُ في صدري، وأجبتها: - لقد فعلت ذلك بالفعل ...لكن لا تخبري السيدة نينا فذلك الرجل خطير جداً. أردت أن أبعده عن الطرقات لكن يبدو أنه يعرفني بالفعل. - ماذا يعني هذا ؟. قالت ونفريد وهي تنظر لي بعينين مرتاعة، فقلت: - لا أعلم فالحقيقة ... لنعد أولاً إلى السيدة نينا والبقية. أوصدت ونفريد قبضتها على يدي وهي تربت على جسدي باليد الأخرى وكأنها تعلم أن روحي ترتعد في الداخل. بالطبع بعد أن عدنا قامت السيدة نينا بتأنيبي ولحسن الحظ أن ونفريد شرحت لها الأمر بأنني ساعدت شاب مسكين في الطريق وقد مستها بقول أنه معاق، هي بالغت قليلاً لكنها استطاعت تليين قلب السيدة نينا، ولقد كنتُ شاكرة جداً فعيني السيدة نينا كادت أن تخرج شراراً حين رأتنا قادمين من بعيد. عدنا للحرم وما أن دخلت من البوابة حتى نكزتني نيروبي قائلة : - أنت تساعدين شاب معاق؟، هيا يا سدرا إلا يفترض أن تكون الكذبة أكثر تصديقاً، يمكنك أخباري بالحقيقة فأنا أشك بأن هذا ما حدث. أخرجني ذلك من أفكاري السوداوية ورفعت يدي في الهواء مستفسرة: - هل تقصدين أنني لست طيبة ؟. - أنت ؟ ... حسناً ربما، لكن بصراحة لا أظن أنك طيبة لهذا الحد. دحرجت عيني بملل وقلت لها: - ما رأيك بأن نتقابل في المساء، الآن لدي كثير من الأمور التي يجب علي أن أفكر بها والكثير من الحصص المملة لذى انتظري. - سأحضر بسكوت وشاي. - هل وقعتِ في غرامي ؟. قلت مازحة حين عرضت البسكوت والشاي لي لكنها ردت علي محطمة لقلبي: - ليس وكأنني سأحضره لك بل لنفسي. - هيا نيبروبي لن أخبرك أن لم تحضري لي معك. قلت وأنا ذاهبة وعلى شفتي ابتسامة انتصار زائفة لكنها خلقت جواً جديداً غير الهلع التي كنت به. مر الوقت بسبب تفكيري بذلك الرجل بشكل بطيء، فلم تغب عن بالي عينيه الزرقاء القاتمة التي تبدو كأن الضوء لم يزرها أبداً، ذلك الجرح الذي يعلو حاجبه نزول إلى خده ذا العظام البارزة، أنفه المستقيم والابتسامة المرعبة على شفتيه المجروحة. في كل مرة أهرب من تلك الملامح تعود وتهاجمني من جديد. وبعد حصة طويلة ومملة حول أداب الحديث على طاولة الشاي مع السيدة آن كروني التي أظن أنها كانت ترتدي مشد أضيق من الازم فهي كانت تبدو مزرقة الون وتحاول في كل ثانية جذب الهواء إلي جوفها المخنوق، لابد وأن الظهور بشكل لائق أهم من التنفس بنسبة لها. أنا حقاً أحسدها لأنها مثابرة ولديها ما تؤمن به للحد الذي كادت أن تموت اليوم في سبيله. في صالة الطعام ذات الرائحة اللذيذة والمسيلة للعاب توزعت عدد من الطاولات المحوطة بالكراسي الخشبية ذات المقاعد الزهرية، ويتوسط سقفها المزين بالجبس الأبيض نجفة متلألأة كبيرة تلقي بانعكاسات الضوء في الأرجاء. رأيت السيدة هاربر تقف خلف طاولة بها عديد من الأطباق الشهية، ألقيت عليها التحية ثم أشارت لي على الصحن الخاص بي كي أضع به من هذه المأكولات أمامي. أخذت ما يكفيني كي لا ينقض علي الجوع، فلقد أتى المساء والجميع ينام بسرعة هنا ويمنع المشي في الأروقة، وهو بالطبع أمر سأكسره اليوم مع نيروبي. رأيت ونفريد تأشر لي من بعيد كي أجلس بجانبها، لقد كانت طاولة مكتظة بالفتيات، أتيت وجلست بجانبها بين النظرات التي كانت ترمق لي، رأيت آنيا نوكا أخيراً وقد تحدثت هي قائلة: - سدرا لم أكن قادرة على مقابلتك منذ الأمس أنا آنيا نوكا. - تشرفت بك آنسة نوكا. قالت وهي تقطع فطيرة اللحم أمامها: - إذا كيف جرا الأمر سمعت من ونفريد بأنك ساعدتها على الحصول على دبوس أخيراً وأنا التي ظننت أنها فقدت الأمل. - آه لقد وجدناه صدفة لحسن الحظ. رددت، فتحدثت فتاة بجانب فريا وإيرا التي كانا يتحدثان مع بعضهما بانسجام تام عن حصة التطريز والحياكة: - إذا أخبرينا عنك سدرا من أين أتيت ؟. نظرت لونفريد ثم ردتت لها بتوتر : - آه أنا .. لقد كنت في مدينة الصفراء قبل أن آتي إلى هنا في كنف رجل عجوز أعتنى بي آخر فترة. - إذا أنت يتيمة ؟. - أجل. أجبت ليحل الصمت في الطاولة تلاقت أعيننا أنا وونفريد التي وجهت عينيها لفتاة ذات بشرة شديدة السمار وعينين زرقاء فاتحة وشعر مجعد ورائع، لتقول لها مغيرة الأجواء المتوترة: - حسناً بامديلي ماذا فعلت في اختبار الحياكة اليوم رأيتك تتدربين كثيراً على الغرزة الماسية. فرأيت عيني بامديلي تترقرق بالدموع وقد بدأت بالبكاء: - لقد فشلت مجدداً، آه يا ونفريد لقد عملت جاهدة. كنت أنظر إليها بتفاجأ فلا أعلم لما قامت بالبكاء، فقالت الفتاة التي بجانبها: - آه بحق الإله بامديلي أنها المرة الرابعة اليوم، أليس بمقدورك أن تحبسي هذه الدموع قليلاً. فردت بامديلي بنشيج : - ساشا تعلمين أنني لا أستطيع، لقد كان يوماً سيئاً جداً، وأنت تعلمين أنني حساسة. تبادلت أنا وونفريد النظرات مجدداً فرأت ملامحي المحتارة، ابتسمت ودنت مني هامسة: - لا تلقي لها بالا فعينيها تحمل شلال من الدموع. فلتت من فمي ضحكة خفيضة، ثم انتبهت إلى نفسي كي لا أكون عداوات مع أحد. تبدلنا بعدها العديد من الأحاديث حول الحفلات وأخبرنني جميعهن أن هناك دائماً الفتيات من العائلات النبيلة التي يحاولن جعل فتيات حرم بلستاتشي يبدون أقل رقي فهن على ما يبدو يحاولن افتعال المشكلات. وأنه حين يحصل شيء كهذا كل ما علي هو الاعتذار والالتفاف والذهاب بعيداً عنهن، لأن تلطيخ سمعة فتاة واحدة سيجعل الشائعات تدور حول جميع الفتيات في الحرم. وذلك جعلني أشعر أنني في سجن!. صعدنا جميعاً إلى مهاجعنا وودعت ساشا وبامديلي وميارا بينما أنا وونفريد فريا وإيرا وبالطبع آنيا دخلنا إلى مهجعنا. كنت على وشك أن أتسحب إلى الغرفة كي أنام قبل أن تقول آنيا: - ما رأيكم بلعبة قبل أن ننام ؟. وأخرجت صندوق خشبي من بين الرفوف مكتوب عليه بخط عريض ( من سيأكل السمكة؟ ) قوست حاجباي بسبب ذلك الاسم الغريب، ثم عدت بنظري إلى آنيا وقلت مستفسرة: - ماذا يعني أسم اللعبة ؟. - إلا تعرفين هذه اللعبة ؟! . قالت ونفريد مصدومة ، فحلقت في وجهها لثانية ثم جلت بعيني لأرى بقية الفتيات وقد رسمت الحيرة على وجوههن لأرد: - لا فالحقيقة هذه أول مرة أراها، هل هي مشهورة إلا هذا الحد؟. - بالطبع، حسناً هناك ألعاب أخرى كلعبة ورق الممالك ودائرة الأرجوانية. قالت فريا، ليزداد حاجبي تقوساً مع كل أسم تنطقه ولكن ما هذا ؟، إلا أنني أحب الألعاب لذى قلت مستسلمة : - فقط قوموا بشرح اللعبة لي كي أستطيع اللعب معكم. ربتت أيرا على كتفي وقالت: - لقد كنت بنتظار لاعب خامس!، لكنك خيبت أمالنا بسبب جهلك .. أي يكن لنبدأ هيا يا آنيا أخبريها. أومأت آنيا بأسف وقالت: - هيا إذاً، أفتحي آذانك جيداً يا سدرا فلن أعيد الشرح، هذه اللعبة مبنية على أسطورة قديمة في ثرزمنس وتقول أنه في زمن بعيد كان يعيش هناك خمسة من الفصائل، في حروب ودمار وخوف، أنظري هنا. وأشارت على خمسة أشكال على القاعدة الخشبية: - هذا شعار البنفسجي هو للباحثين وقيل أنهم يمكنهم إيجاد أي شيء وأي شخص، ولذلك كانوا قتلة وجواسيس، وهنا الشعار الأصفر هو للعمالقة لقد قيل أنهم الأكثر وداً وهم بناء الحضارات، وهنا ذوي الشعار الأحمر هم البشر وما عرف عنهم أنهم النوابغ في المعارك، وهناك الشعار الأبيض هو شعار الجنيات ( الإيلف ) ويقال أنهم المعمرون حيث أنهم يعيشون سنين طويلة، أخيراً هذا هو شعار الأقزام ذوي القوة الخارقة والحرفيين. أومأت لتكمل: - كل واحدة مننا ستختار من ترغب بالعب بهم وكل جنس من هذه الأجناس لديه رغبة واحدة وهي الوصول إلى سمكة البيشانا حيث تقول الأسطورة أنها سمكة تحقق أمنية من أبتلعها، لكن لا يخلو درب من المصاعب فكل جنس له مصاعبه الخاصة للوصول إلى السمكة وأكلها لتحقيق أمنيته، هل ترين هذه الأوراق الصغيرة ؟، سيتم توزيع أربع أوراق منها كل ورقة تحمل أداة ما قد تعالج المشاكل التي تقع لديك في الدرب ومكتوب في كل ورقة ماذا تعالج أو أنه قد تكون وسيلة لتخريب الطريق على جنس آخر، أو تكون بلا أي فائدة لك، حين تكون بلا أي فائدة لك فأنت تقلبينها وتضعينها في المنتصف وتسحبي الورقة التي تليها، في حال كانت لها فائدة لك تضعي الورقة والتي مكتوب عليها كم خطوة ستتمكنين فيها من الوصول إلى هدفك وماذا ستفعل لك، هل ستطفئ النيران المشتعلة، هل ستصنع لك صداقة مع العمالقة أو الجنيات لكن احذري لكلٍ هنا مصالحة وقد يخونك عندما يحصل على الروقة المناسبة ويحصل على كل خطواتك ويعيدك للبداية. - حسناً يبدو أنني فهمت. لم أفهم شيء البتة !، بدت آنيا وكأنها على وشك ابتلاعي وابتلاعنا جميعاً بتلك الابتسامة المرعبة على شفتيها، همست لي ايرا التي كانت تجلس على جانبي الأيمن: - أن آنيا تكره الخسارة جداً وقد تنقلب إلى نسر جارح ينقض على أي فرصة للفوز. بدت آنيا كشخص خبيث بابتسامة مريبة حين وزعت الأوراق للجميع. أكان يفترض أن هذه لعبة؟، بل بدت كمعركة حقيقة الكل في حالة من الصمت وتفكير وتركيز تام، لا تسمع إلا صوت الورق وهو يسحب ويوضع في أماكن متفرقة على الخشبة العب التي رسم عليها طرق كل جنس وقطع صغيرة تحركها في ممراتها الخاصة، وفي الوسط كانت بركة تدعى بركة رزماثينيا رسم فيها سمكة طويلة هوليجرامية اللون تعكس ألوان قوس القزح في حراشفها. حاولت اللعب إلا أنني كنت طيبة أكثر من اللازم فقد أخذت دور الجنيات وقد أقمت صلح من العمالقة ( فريا ) والتي خانتني وأخذت ثلاث خانات من تقدمي وحين أستعدت قدراتي على التقدم أقام الباحثين ( ونفريد ) معي أتفاقية تقتضي بأن نحارب معاً فإذا بها تخونني أيضاً وتعيدنني كلياً إلى البداية من جديد، بالطبع في النهاية الأمر فازت آنيا التي كادت أن تقلب طاولة اللعب كي لا تفوز أيرا . تمنينا لبعضنا ليلة سعيدة ثم ذهب التوأم و آنيا إلى غرفتهم، جلست على السرير بعد أن بدلت ملابسي ودخلت نيروبي كي تقوم بلف خصلات شعري بقطع القماش متذمرة كالعادة وهمست لي بينما كانت تشد شعري بكل قوة وكأنني لست بكآن حي : - دعينا نلتقي على الشرفة في الدرج الشمالي بين الطابق الأول و الثاني. فأومأت، خرجت وخرجت معها كارولينا، وددت أن تنام ونفريد كي أتسحب إلى الخارج، فإذا بها تقول: - إذاً من هو ذلك الرجل ؟. لم تنسى .. وكيف لها أن تنسى كان صباحاً ممتلأ بالحركة: - هل يمكننا أن نتسحب إلى الشرفة الشرقية ؟ سأخبرك هناك ؟. - ولما لا تخبرينني هنا ؟. تنهدت، ليس وكأن أخبار نيروبي سيكون بهذه الأهمية بنسبة لي لكن، أريد البسكويت، أهم شيئين لدي هما بطني والنوم، فلا أحب التفريط في النوم أبداً ولا لأي سبب كان إلا بالطبع الذهاب في رحلة ( والتي هي نادر ما تحدث ) أو التسوق وخصوصاً التسوق الخاص بالعيد. قلت أخيراً لها باستسلام : - لأن نيروبي سرقت لي بعض البسكويت. بحلقت في وجهي حيث شعرت بغباء ما قلت، ثم قوست حاجبيها سائلة: - هل ستخالفين أحد القوانين لأجل بسكويت مسروق ؟. - بطبع؟. قلت وقد خرج صوتي كسؤال أكثر من كونه جواب فعلياً، دحرجت عينيها بملل قائلة واستلقت على سريرها بتعب: - أنا لا أحب نيروبي البتة، لكن يجب أن أعلم عن ما حصل اليوم فهو أكثر شيء مشوق رأيته منذ مدة. - إذاً هل ستأتين معي؟. وقفت بسرعة وبحركة خاطفة أخذت رداء ثقيل من الصوف وقالت: - هيا بنا. تسحبنا في أروقة الحرم الذي يفترض أن يسمى قصر البلستاتشي !، فهو ضخم وبأروقة جميلة مملوءة بالشمعدانات المطفأ معظمها. وصلنا للشرفة، وقد كان الجو مثلجاً، وما أن تلاقت عيني ونفريد ونيروبي حتى اشتعلت الشرارات، وأكاد أجزم أنني سمعت صوت مفرقعات بسبب المشاحنات التي تهيجت في الأجواء. جلسنا جميعاً حول طاولة في المكان بعد أن وضعت نيروبي البسكويت والشاي وبطبع أسرعت لحشر واحدة في فمي، لم تقدم نيروبي الشاي لونفريد حيث عللت ذلك أنها لم تكن تعلم بقدومها لذى لم تحضر كوب آخر، لكنني رأيت ابتسامة في شفتيها وهي تقول ذلك بنصر. قطعت احتدام النظرات بشرح ما حصل عن ذلك الرجل الذي في السوق وحكيت القصة منتهية بقولي: - لم أفهم ما يقصده ذلك الرجل لكن كل ما بدى لي أن عينيه تبدو كحفرة مظلمة لا قاع لها وهذا لا يبشر بالخير. - أنا لا أفهم لما أدخلت نفسك في هذا الأمر من الأساس حتى لو كان الأمر متعلق بعائلة غلينكا فقد حولتي الأمر كله لتكوني أعداء، هل فكرتي أن عائلة غلينكا لا تحتاج للحماية منك ؟، وأنك أنت من تحتاجين حمايتهم. أرى أن فعلك هذا سيورطهم في مشاكل حيث أنهم هم المسؤولين عنك أمام المملكة الآن. قالت ونفريد بقلق، لترد عليها نيروبي: - ما بالك !، لقد حاولت مساعدتهم بالفعل لربما أنقذتهم منه أنه الآن خلف القضبان، وهذا ما يهم وأظن أن الشرطة سيبحثون خلفه ليجدوا كل الأمور القذرة التي أفتعلها من قبل. - لا أعلم لا أشعر بأن الأمر كذلك ... أظن أنه يعرفني من قبل وهذا ما يصيبني بالجنون!. قلت لهن بينما أدفئ يدي بكوب الشاي الذي بدأ يبرد فبتعلته دفعة واحدة، ربتت ونفريد علي يدي وقالت: - أنا حقاً لا أصدق أنك فعلت كل ذلك فقط لأجل عائلة غلينكا لابد وأنهم سيكونون فخورين أن علموا بما حدث لذى لا تقلقي برغم أنني ما زلت أرى أن تصرفك كان خاطئ إلا أنني أعتقد أنهم سيكونون ممتنين لمعرفة أن الفتاة التي يساندونها قد تفعل أي شيء لسلامتهم. - فالحقيقة لا أريدهم أن يعلموا ... أريد أن أكتشف بعض الأمور قبل أن أفصح عن ذلك، لأن الكونت دامير في حالة صعبة كما أن الكونتسية ألينا لا تحتاج إلى ضغط أكثر مما تعانيه بسبب الفضيحة التي حدثت سابقاً. تركنا المقاعد وعدنا إلى مهاجعنا بعد عدة أحاديث عن محاولة فهم مقصد ذلك الرجل الغريب وبين كل ما هو قادم من احتفالات في فصل الربيع.
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!