

"أيها العقل الخَرِف، ألن تساعدني قليلاً؟!" ليست هذه المرة الأولى التي أحدق فيها إلى ورقةٍ بيضاء على شاشة برنامج "وورد" الذي طالما كتبت فيه قصصي الخيالية عن ممالك رائعة في زمنٍ منسي. إنني أحاول بكل صدق أن أكتب الفصل الأخير من الرواية، ولكن لا شيء يخرج من رأسي. وقبل حتى أن أشرع في الكتابة، نادتني والدتي لتقطع حبل أفكاري، قائلةً إن عليّ أن أتفقد الغسالة والغسيل. تركت الورقة البيضاء كما هي، وذهبت مسرعةً لأرى الغسالة التي تركتها منذ دقائق عدة تُغني بصوتها الغليظ المزعج الذي يفصلني في كل لحظة عن العالم الذي أحاول أن أبنيه. دخلت إلى حمامنا حيث توجد الغسالة، فنحن لسنا أثرياء إلى درجة تخصيص غرفة كاملة لها ولأدواتها. نحن لا ندلل غسالتنا كما ينبغي! على أي حال، أخذت أنقر فوق غطائها القرمزي وأنا أنظر إلى قابس الكهرباء الخارج من مكانه. لقد وعد أخي بإعادة توصيله منذ أشهر، ويبدو أنه وعدٌ آخر من وعود عرقوب. ثم نظرت إلى عداد الغسالة؛ سيأخذ بعض الوقت قبل أن تنتهي من غسل الملابس. عدت أتأمل جدران الحمام المصنوعة من بلاط ذي زخارف غريبة وغير متناسقة، وإن دققت النظر سترى تمساحاً يرتدي قبعة ومعطفاً، وكأنه محقق ذاهب لحل لغز ما. بالطبع، هذا أمر لا يلاحظه إلا أولئك الذين اعتادوا أن يصنعوا أشكالاً من السحب أو يروا الوجه المبتسم للقمر. عدت بعد دقائق إلى الورقة البيضاء، ولا يزال نقيق الدجاج يقتحم سمعي، فأخي العزيز يملك عدداً من الدجاجات اللواتي لا يمللن من تعذيبي بأصواتهن الرائعة. وفوق هذا وذاك، جلس أخي على مقربة مني وأنا أحاول الكتابة. كتبت سطرين، وإذا به ينظر من بعيد ليقرأ ما أكتب، وسط أصوات هاتفه العالية. قلت وأنا أجزّ على أسناني: - أيمكنك ألّا تسترق النظر؟ أنت تعلم جيداً أنني لا أحب أن يُراقبني أحد وأنا أكتب! فرد باستخفاف وابتسامة ساخرة: - أنا لا أنظر إليكِ، فقط شردت قليلاً. دحرجتُ عيني بغضب وسحبت جهازي المحمول إلى غرفة أخرى. يمكن القول إنني أعاني نقصاً في الثقة بما أكتب! كنت قبل مدة أستمع إلى انتقادات لاذعة حول أن كتابتي لا ترقى للنشر، وقد ترك هذا أثراً فيّ لا يمحوه المدح. لقد شاركت سابقاً في عدة مسابقات، لكن كتابتي لم تحظَ يوماً بأي إشادة، ولم تبلغ أي مرتبة عليا. فقط من حولي كانوا يشجعونني، حتى شعرت أنهم ربما يجاملونني. جلست على أرض الغرفة، أنا وجهازي المحمول، ليباغتني صوت وصول رسالة على هاتفي. أمسكت بهاتفي شبه الحي؛ فلم أستطع جمع مبلغ كافٍ لشراء جديد. إنه صديق السنوات الست، وإن طال عمره، فسيصير صديق السنوات السبع أيضاً. لكن لا بأس، طالما يؤدي غرضه. نظرت إلى ثوبي الذي يحمل بعض الثقوب الفنية، كتوقيع تركته الآنسة "عثة" على وجودها داخل خزانة ملابسي. تملكني الضحك حين رأيت حالتي الرائعة؛ من يصدق أنني كاتبة؟! أنا لا أشترك مع الكتّاب الآخرين في صداقتهم الوثيقة بالقهوة أو الشاي؛ أنا صديقة الحليب بالشوكولاتة من إنتاج شركة محلية. أعلم أن هناك كتّاباً مثلي حول العالم، فاشلين حتى في المكان الذي يُفترض أن ينتموا إليه. كانت الساعة تشير إلى وقت غسل الصحون، وكم أكره هذا الوقت! لكنني رغبت في الابتعاد عن جهازي المحمول، فخيالي جاف تماماً. غسلت الصحون ونظفت المطبخ على مضض، وأخذت أحدث تلك البقعة التي لا ترغب في الزوال: "يا لكِ من بقعةٍ تعشق الحياة! لكن اعذريني، لا يمكنني ترككِ هنا. أعلم كم تمسكتِ بهذا الصحن، لكن لا بد أن توضع عليه طبخات جديدة. رجاءً، أيتها البقعة العنيدة، إن حبكِ لهذا الصحن حبٌّ ملعون، إن تركتكِ عليه فلن يستخدمه أحد، وسينتهي به المطاف إلى القمامة." ثم مررت السلك والإسفنجة فوقها بكل قسوة. دخلت أختي الصغيرة إلى المطبخ في تلك اللحظة، ونظرت إليّ بازدراء من تصرفاتي، قائلة إنها حمقاء. حسناً، لا بأس، فلكل إنسان مجاله في الحياة؛ مجالي الحماقة، ومجالها الملل. العمل المتواصل يُخدّر العقل، فلا يريد أن يتخيل أو يكتب. وها أنا أعود إلى الورقة الفارغة. تذكرت كتابي الأول، كيف أنهيته بلهفة وحب، وكيف كتبت دون مبالاة بالنقد. لم أكن أكتب لأجذب أحداً، بل لأمتع نفسي، وأهرب بين الصفحات البيضاء لأبني بالحروف عالماً وقصة. تأففت بقلة حيلة؛ يبدو أن لا فكرة ستأتي اليوم. أخذت أمرر إصبعي على الهاتف أتفقد الأخبار، فوجدت رسالة من صديقتي العزيزة. أردت قراءتها، لكني لمحت شيئاً على شاشة الحاسوب المحمول. كانت هناك بقعة سوداء! سقط قلبي من مكانه؛ ظننت أن الشاشة احترقت. قلت راجية: - كل شيء إلا أنت، أرجوك! لا تمزح معي الآن! قرّبت وجهي من الشاشة لأتأمل البقعة السوداء، لعلها مجرد بقعة يمكن إزالتها باليد، وليست حرقاً. لكنها توسعت فجأة، وكأنني رأيت يداً تمتد من الجانب الآخر. وقبل أن أصرخ، اختفى كل شيء، وعادت الشاشة إلى طبيعتها: ورقة بيضاء في برنامج "وورد"! صرخت على أختي الصغرى: - تالة! تالة! فأسرعت تالة على صوتي المفزوع: - ماذا حدث يا سِدرا؟ - هل ترين شاشة الحاسوب المحمول؟ نظرت إليّ باستغراب، ثم اقتربت لترى الشاشة: - ما بك يا سِدْرا؟ الشاشة طبيعية. هل ناديتني من فوق كتبي لهذا؟ من يسمعك يظن أنك رأيتِ عقرباً! لكن ملامح الرعب ما زالت مرتسمة على وجهي. لا أعلم ما حدث، لكنه حدث بالفعل. تنهدت تالة وقالت: - ما رأيك أن ترتاحي وتتركي الكتابة قليلاً؟ تبدين وكأنك قد جُننتِ أخيراً.. لقد بدأت تهلوسين كثيراً في الفترة الأخيرة حتى هلك عقلك. أومأت برأسي، رغم انقباض صدري، وأغلقت الحاسوب وعدت إلى غرفتي لأريح عيني. وضعت رأسي على الوسادة، أشعر بالإنهاك. عصرت ذهني، ولم تخرج قطرة واحدة من بقية القصة. هل يا ترى سيكون أحد راضياً عن نهاية كهذه؟ أن تموت نيروبي في وسط غابة "ألك"، حيث لا يستطيع الأمير جيرالد مساعدتها بسبب طاغية القصة "شيلد"... لا أعلم، إنها الفكرة الوحيدة التي تدور في مخيلتي الآن. صوت مشي مزعج في الأرجاء؛ لا بد أنه أخي. فقلت: - عن ماذا تبحث؟ لم يرد، فرددت: - زاهد، عمّ تبحث هنا؟ لا رد. فتحت عيني منزعجة: - زاه... وقبل أن أكمل، كانت تلك العينان العسليتان الواسعتان تنظران إليّ، وكاد قلبي أن يحلق من فمي. خرجت مني قهقهة متوترة: - لا بد أنني جُننت أخيراً لأراك على أرض الواقع يا شيلد! لا بد أن خيالي قد تمكّن مني أخيراً. ابتسم: - أهلاً أيتها الكاتبة. ثم أظلمت ملامحه: - سترجوين لو أن وجودي الآن مجرد خيال. - وها قد أنتهى الفصل الأول من الرواية . ما رأيكم ؟ ماذا يحدث لسدرا وماذا سحدث بعد هذا ؟. توقعاتكم لمجرى القصة ؟. اراكم في الفصل الجديد.
4 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!