

مرّ الوقت. وتحوّلت الفكرة التي بدأت كاقتراح بين سيفاك وملك أطلانتس إلى مشروع حقيقي، يكبر يومًا بعد يوم. كانت الأكاديمية تُبنى على أرض واسعة تقع بين أراضي الشياطين، وبالقرب من الغابة التي يعيش فيها الإلف. ولم يكن بناؤها مهمة سهلة. فالشياطين تولوا بناء الهيكل الرئيسي للأكاديمية ووضعوا الحواجز السحرية حولها، بينما استخدم الأطلنطيون تقنياتهم القديمة لتزويدها بمصادر طاقة متطورة. أما المستذئبون، فقد ساهموا في تجهيز ساحات التدريب والدفاع. وكان للإلف موقفهم الخاص. أصروا على أن تبقى أجزاء كبيرة من الأكاديمية محاطة بالأشجار والنباتات، حتى لا يشعروا وكأنهم بعيدون تمامًا عن موطنهم. وبعد أشهر طويلة من العمل… اكتملت الأكاديمية. كان مبناها ضخمًا، تحيط به الأشجار من جميع الجهات، وتنتشر حوله ساحات واسعة للتدريب. أبراج عالية، قاعات للدراسة، مكتبة ضخمة، ساحات للقتال، ومناطق مخصصة لتدريب الطلاب على استخدام قدراتهم. ولأول مرة… كان هناك مكان يجتمع فيه أربعة أجناس مختلفة تحت سقف واحد. الشياطين، الأطلنطيون، المستذئبون، والإلف. لكن عدد الإلف كان قليلًا جدًا مقارنة بالبقية. فلم ترسل قرية الإلف سوى عدد محدود من أبنائها، وكان معظمهم أبناء كبار القرية. كان الهدف أن يتعلموا مع بقية الأجناس، وأن ينقلوا ما يتعلمونه إلى قريتهم في المستقبل. إلا أن اختلافهم لم يمر دون ملاحظات. فبينما اعتاد أبناء الشياطين والأطلنطيين والمستذئبين على الملابس الفاخرة والأغراض المصنوعة بعناية، كان الإلف يرتدون ملابس بسيطة، غالبًا ما تكون مصنوعة من الأقمشة الطبيعية أو الأشياء التي يصنعونها بأنفسهم. حتى أدواتهم الدراسية كانت بسيطة. وفي الأيام الأولى، بدأ بعض الطلاب يلاحظون ذلك. «انظر إلى ملابسهم.» «هل هذه فعلًا ملابس مدرسية؟» «يبدو أنهم صنعوها بأنفسهم.» تعالت بعض الضحكات. لم يكن الإلف يفهمون سبب كل ذلك في البداية. فما كان طبيعيًا بالنسبة إليهم، كان يبدو غريبًا بالنسبة للآخرين. لم يكونوا يرون في بساطة حياتهم شيئًا يستحق الخجل. لكن بالنسبة لبعض الطلاب… كان الأمر مختلفًا. كانوا يرون أنفسهم في طبقة أعلى منهم. وهكذا بدأت السخرية تظهر شيئًا فشيئًا. ولم يكن أحد يعرف بعد إلى أين ستقود هذه الاختلافات. ⸻ وفي مكان آخر… كانت فتاة صغيرة تقف أمام مرآتها، تحدق في ملابسها الجديدة. «هل تبدو جيدة؟» وضعت توما يديها على خصرها، ثم دارت أمام المرآة. «زيي المدرسي لطيف جداً!!» دخل سيفاك الغرفة، وما إن رآها حتى ابتسم. «ألم تدوري حول نفسك لمدة نصف ساعة؟» «كنت أتأكد فقط من لباسي!» «للمرة السابعة؟» التفتت إليه. «هذه المرة مختلفة.» «ما المختلف؟» «المرآة كانت من زاوية مختلفة.» ضحك سيفاك. «حسنًا، الأميرة مستعدة أخيرًا.» رفعت توما رأسها بفخر. «بالطبع! لقد انتظرت هذا اليوم طويلًا.» كانت متحمسة لكل شيء. الدروس. التدريب. الأصدقاء الجدد. والأهم… أنها ستتمكن أخيرًا من رؤية الأجناس الأخرى يوميًا بدل أن تتوسل لوالدها من أجل زيارة عوالمهم ومعرفة المزيد عن سكانها. ذهب سيفاك قبلها إلى الأكاديمية استعدادًا لإلقاء كلمة المدير. أما توما، فكانت تستعد في غرفتها، جهزت حقيبتها واتجهت نحو الباب. وقبل أن تصل لنهاية الغرفة، انفتح الباب فجأة. تجمدت توما. كانت جدتها تقف عند الباب، وعلامات الغضب واضحة على وجهها. «توما.» توقفت في مكانها. «نعم… جلالتك؟» دخلت جدتها وأغلقت الباب خلفها. «هل تعتقدين أن ذهابك إلى الأكاديمية يعني أنك ذاهبة للعب؟» اختفت ابتسامة توما. «لا… أنا فقط متحمسة.» «متحمسة؟» اقتربت منها جدتها. «منذ أن علمتِ بأمر الأكاديمية وأنتِ تتصرفين وكأنها نزهة. ألا تدركين أنك ذاهبة إلى مكان ستلتقين فيه بأبناء ملوك وأمراء وكبار العائلات؟» خفضت توما رأسها. «أدرك ذلك.» «لا يبدو عليكِ ذلك.» تنهدت الجدة بغضب. «أنتِ أميرة، يا توما. وهذا يعني أن كل تصرف تقومين به سيُحسب عليكِ. لن ينظروا إليكِ كطفلة عادية، بل كإبنة ولي عهد مملكة الشياطين.» رفعت توما عينيها إليها. «لن أسبب أي مشاكل.» ضحكت جدتها بسخرية. «أنتِ؟» سكتت توما. «كم مرة قلتِ إنك لن تسببي المشاكل، ثم عدتِ بمشكلة جديدة؟» اشتدت نظرة الجدة. «لا تنسي أنك أميرة. إن أخطأتِ، فلن يقولوا توما أخطأت. سيقولون إن مملكة الشياطين فعلت ذلك.» اقتربت منها أكثر. «وآخر شيء أريده هو أن تجعليني أسمع كلامًا عنك من الآخرين.» «سأحاول أن أكون حذرة.» «لا تحاولي.» قالتها الجدة بحدة. «افعلي.» ساد الصمت. ثم تابعت: «لا تتشاجري مع أحد. لا تتدخلي في شؤون الآخرين. لا تستخدمي قوتك دون إذن. ولا تتصرفي وكأنك أفضل من الجميع لمجرد أنك أميرة.» عبست توما. «أنا لا أعتقد أنني أفضل من أحد.» «لكنهم سيعتقدون ذلك عنك بمجرد أن يعرفوا من تكونين.» ثم نظرت إليها من رأسها حتى قدميها. «ولهذا عليكِ أن تتعلمي كيف تمثلين عائلتك بدل أن تحرجينا.» شعرت توما بانقباض في صدرها. «حسنًا…» «وأمر آخر.» توقفت الجدة عند الباب. «لا تتوقعي مني أن أتسامح مع أي خطأ ترتكبينه هناك.» نظرت إليها توما بصمت. «فهمت.» فتحت الجدة الباب. وقبل أن تخرج، قالت دون أن تلتفت إليها: «حاولي على الأقل ألا تجعلي الجميع يكتشفون بسرعة أنك لستِ أميرة كما ينبغي.» ثم غادرت. أُغلق الباب. بقيت توما وحدها في الغرفة. نظرت إلى انعكاسها في المرآة. لم تعد تشعر بالحماس نفسه. لمست ملابسها الجديدة، ثم تمتمت: «…أنا فعلًا أميرة، أليس كذلك؟» لكنها لم تجد جوابًا. ____ وفي الجهة الأخرى من العالم… كان أليكس يستعد هو الآخر. لكنه لم يكن بنفس حماس توما. وقف أمام المرآة بهدوء، يرتب ملابسه، ثم وضع يده على أذنه. كانت هناك قطعة صغيرة على شكل مرساة تتدلى منها. ذكرى أخته. توقف للحظة. ثم أبعد يده عنها. لم يعد يريد أن يعيش في الماضي. لقد اتخذ قراره. سيكون جزءًا من هذا العالم الجديد. حتى لو كان الأمر يتطلب منه أن يتعلم كيف يعيش مع الآخرين. أخذ حقيبته وغادر.
3 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!