

سادَ جناح القصر الإمبراطوري المظلم صمت ثقيل لا يكسره سوى حفيف الستائر المخملية وهي تترنح أمام نسيم الليل البارد، وكانت القاعة الفسيحة المفعمة بالرخام تثير رهبة للمكان وكأن جدرانها الذهبية العتيقة قد اعتادت كتمان أسرار الحزن والمكائد وقفت الفتاة ذات الثماني سنوات عند النافذة الطويلة تتأمل ضوء القمر الفضي وهو ينسكب على ظلال العاصمة الساكنة ترتدي فستاناً ملكياً فاخراً يثقل كاهلها الصغير مطرزا بخيوط الدانتيل الحريري كانت تتلمس قماش الفستان بشرود وبراءة، وتنظر إلى انعكاس وجهها اللطيف على زجاج النافذة رفعت يديها النحيلتين الصغيرتين ببطء وتلمست خاتماً سحرياً قديم الطراز يطوق أصبعها وتحت مساس أطراف أصابعها للمعدن البارد كان الخاتم ينبض ببريق خفي جدا سحر أودعه والداها قبل رحيلهما ليخفي تلك العلامة الغامضة التي ولدت بها على جبهتها كي تبدو بشرتها صافية وطبيعية تماماً أمام أعين العالم أغمضت عينيها الصغيرتين واسترجع ذهنها همسات خاطفة من صوت حنون يتردد من ماضٍ مبهم '' إياكِ أن تخلعي هذا الخاتم يا بنيتي مهما حدث ابقيه في يدكِ دائما '' انقطع حبل أفكارها البسيطة فجأة مع وقع خطوات متزنة وثقيلة تصدى لها رخام الممر الخارجي انتصبت في وقفتها وارتبكت قليلا متراجعة خطوة إلى الخلف ببراءة وهي تضم يديها إلى صدرها لتخفي الخاتم تلقائياً انفتح الباب الكبير ببطء وخطت إلى داخل القاعة امرأة تتدثر برداء إمبراطوري فاخر تعلو وجهها هيبة صلبة وملامح أرهقها الفقد والانتقام كانت هي الإمبراطورة توقفت الإمبراطورة على مسافة قريبة ونظرت إلى الطفلة بنظرات حنونة يكتنفها حزن دفين وقالت بصوت وقور يحمل دفئاً " هل ما زلت خائفة من هذا المكان الشاسع؟" هزت الصغيرة رأسها ببطء ونظرت إليها بعينين واسعتين تفيضان بالبراءة والسذاجة ثم قالت بصوت خفيف ونقي "المكان كبير جدا وأنا أفتقد أمي وأبي" انقبض قلب الإمبراطورة وشرد ذهنها ليعود إلى ذلك اليوم الماطر قبل فترة قصيرة يوم أن التقت بهذه الطفلة في المقبرة الملكية القديمة المخبأة وسط الغابة المنسية في ذلك اليوم كانت الإمبراطورة تزور ضريح ابنها الراحل بسرية تامة وحين لمحت حركة خلف إحدى الأشجار العملاقة وسط الأضرحة استلت خنجرها وظنتها جاسوسة أُرسلت لاغتيالها أو مراقبتها لكن عندما اقتربت بثبات وفي يدها سلاحها فوجئت بطفلة صغيرة ترتجف من البرد والخوف تنظر إليها بعينين تائهتين لا تفهمان شيئا مما يدور حولهما سألتها الإمبراطورة يومها بحذر وحزم عن هوية أهلها وعما تفعله وحدها في مقبرة مهجورة لتنهمر دموع الطفلة بكاء مريرا وهي تجيب بصوت متقطع بأن والديها قد رحلا ولن يعودا أبدا في تلك اللحظة انمحت قسوة الإمبراطورة وحركت تصرفات الطفلة وبراءتها العفوية ذكريات أليمة لفقيدها الراحل الذي كان يشبهها في الرقة بكت الإمبراطورة واحتضنت الطفلة الشاحبة بشدة وسط المطر فاهذه الامبرطورة ضعيفة جدا ضد أي طفل صغير وقررت في سرها أن تحمي هذه الروح الصغيرة وتأخذها معها إلى القصر للاعتناء بها او توكيل عائلة للاعتناء بها ومع مرور الأيام ووجود الطفلة في كنفها بدأت فكرة أكبر تتشكل في رأس الإمبراطورة تبني هذه الفتاة رسمياً وإعلانها الابنة المتبنات والاميرة الاولى للعرش لملء الفراغ في قلبها أولاً ولمواجهة نفوذ المحظية وابنها ولي العهد ثانيا انحنت الإمبراطورة قليلا لتصبح بمستوى قامة الطفلة ومدت يدها لتمسح على وجنتها بلطف شديد"لا بأس يا صغيرتي أنتِ هنا في أمان الآن ارتاحي فغدا ينتظرنا يوم طويل داخل القصر '' التفتت الإمبراطورة وغادرت القاعة بخطواتها الثقيلة تاركة خلفها الباب يغلق ببطء بقت الطفلة بمفردها تنظر نحو الأبواب الضخمة ببراءة ورفعت يدهيا الصغيرتين مجدداً لتمسح على الخاتم الملتف حول أصبعها تفكر بمصيرها وكيف تغيرت حياتها