

🌿 بسم الله الرحمن الرحيم 🌿 ________________________ "من تحت الرماد تولد الحياة وكأنها طائر العنقاء؛ أملٌ بسيط، أو أنه مجرد رجاءٍ يريد من بذرةٍ صغيرة أن تصنع جنةً في قلب الصحراء." فوق تلال الرمال في الصحراء، تنقَّلَ أحد التجار على حصانه الأسود، كان جزءاً من قافلة تجارية ضخمة لكنه افترقَ عنها بالخطأ وضلَّ طريقه. هذا التاجر لم يكن يعرف أنه قد دخل إلى أكبر الصحاري في العالم "الصحراء الكبرى" وتحديداً في أطرافها الجنوبية وإذا لم يخرج بسرعةٍ فسوف يكون مصيره الهلاك. في الأفق شاهد أعمدة خضراء طويلةً، حسبها في البداية أشجار نخيل محيطة بواحةٍ ما، وأكدت ذلك كثرة الطيور المحلقة فوقها. وعند اقترابه منها تبينت له غابة كثيفة أشبه بحلم دنيوي فإما أن يكون هذا سراباً أو أنه بدأ يهذي من أكل شيءٍ فاسد. ولما وصل إليها شعر بأنه سيدخل في غابةٍ من غابات الأمازون، كان الجو بين البرودة والدفء ورائحة النباتات والورود زكيةٌ وفواحةٌ. كانت بعض الأشجار عملاقة لدرجة تجعل من يحتضنها يبدو مثل طفل يحاول التمسك بقدم عملاق. عندما تعمق أكثر في داخلها، اكتشف وجود قريةٍ كاملة كوَّنَ أهلها عائلات وقبائل وبنوا بيوتهم فوق أفرع الأشجار العملاقة، حتى أن بعض الرجال من سكانها قاموا بإرشاده إلى الطريق الصحيح. بمجرد عثوره على قافلته بدأ يقص ما اكتشفه على كل من عرفهم ولم يعرفهم، ذاع صيت هذه الغابة بين البلدان كأسطورةٍ يتناقلها الرحالون ويتهافتون على رؤيتها. رغم صعوبة التنقل في الصحراء الكبرى من حرارة الشمس التي تصل إلى خمسين درجةً مئوية، وبرودة الليل التي تجمد الدم في الجسد. إلا أن عشاق المغامرات والمستكشفين من الهند والصين ومصر، لم تمنعهم تلك الظروف من المجازفة وعبور أقاصي الأرض لرؤيتها، حتى أن الكثير من النباتات والأخشاب كانت تنتشر في الأسواق ويزعم إحضارها من هناك. يحب أن يسميها بعض الزائرين "القرية المعلقة" والبعض الآخر يناديها "القرية الخشبية" لأن كل ما فيها مصنوع من أخشاب أشجار الغابة نفسها، إذ كان خشباً متيناً ومرناً بشكلٍ عجيب. ومع الكثير من الحبال صنعوا جسوراً ومصاعد توصل المباني ببعضها لسهولة التنقل في شبكةٍ هندسية متقنة، وحتى من دون هذه الجسور يمكنك السير فوق فروع الأشجار وأغصانها الكثيفة المتجاورة كالسلالم. جلس رجل مسن ذو بشرةٍ سمراء، على كرسيه الخشبي في حديقته الجميلة وهو يحك لحيته القصيرة البيضاء. كان المكان مظلماً بسبب كثافة أوراق الأشجار التي تحجب السماء لكن أشعة الشمس وجدت طريقها بين بعض الأوراق لتضيء المكان قليلاً. رفع الرجل رأسه وتأمل شجرة قريبة من حديقته، يحب الناس هنا أن يلقبوها "أم الأشجار" لأنها الأطول والأكثر ضخامة في الغابة، كانت طويلة إلى درجة أن نهاية أغصانها التي في القمة تلامس الغيوم. كسر هدوء المكان وراحة الرجل صياح بعض الأطفال من بعيد، وفجأة رفرفت حمامة بيضاء بأجنحتها هابطةً في أحضانه. أمسك الرجل الحمامة الخائفة بكلتا يديه النحيلتين، وشعر بها ترتجف من الخوف وقلبها ينبض بسرعة. اقترب أربعة أطفال من سياج الحديقة وقال أحدهم وهو يمسك عصا طويلة يلوح بها "هذه حمامتي" قال الرجل "ماذا تريدون منها؟ ستموت من الخوف هكذا" قال الطفل "اليوم زفاف أخي، أريد أن أذبحها بهذه المناسبة" عندما أدرك الرجل المسن نية الطفل في تقليد أفعال الكبار، رفع أحد حاجبيه الأبيضين وقال "ألا يفترض أن يذبح الناس الدجاج والخراف؟ منذ متى صار الحمام على قائمة الأعراس؟" نظر الأطفال إلى الرجل بغضب وهم يفكرون في طريقة لاستعادة الحمامة. "سأعطيك ثمنها وضعفه" قال الرجل "لا أريد نقوداً!" صاح الطفل اقترب ابن الرجل المسن عندما وجد الأطفال متجمعين حول والده وقال "ما الأمر يا أبي؟" صاح الطفل وأشار بإصبعه نحو الرجل "لقد أخذ حمامتي!" حاول الابن إقناع والده وقال "أعدها فحسب يا أبي" نظر الرجل المسن إلى ابنه وقد حافظ على هدوئه قائلاً "يا بني، هذه الحمامة قد احتمت بي، فكيف أتركها" نهض عن كرسيه وحاول المشي بصعوبةٍ بالغة وهو يستند على عصاه نحو أم الأشجار، بينما حاول الأطفال عبور السياج وهم ينادون عليه بالتوقف. رفع الرجل كلتا يديه وأطلق الحمامة التي حلقت بأسرع ما تستطيع بين أغصان وفروع أم الأشجار. "لا!" هكذا صاح الأطفال عليها، لكنها أكملت طيرانها حتى وصلت إلى عش صغير قديم ومتروك، صار الآن عش الأمان الخاص لها. اقترب الطفل من الرجل وقال والدمعة في عينيه "لماذا فعلت هذا؟" أخرج الرجل صرة قماشيةً مليئةً بقطع الذهب النقدية وقال "هيا أيها الصغير، الحمام لا يذبح. اشترِ هدية لأخيك بدلاً من هذا، وأظن أنهم الآن قد أعدوا حساءً من لحم الخروف، رائحته وصلت إلى هنا؛ اذهب وأحضر لي بعضاً منه" قال الابن "أبي" حك الرجل المسن لحيته الخشنة قائلاً "ماذا؟" وألقى نظرة على الطفل وهو يمسح دموعه بيده ويسير مبتعداً مع أصدقائه، جعله هذا المشهد يتذكر فترةً ما من حياته. ________________________ قبل ثمانين سنة وقف طفل في سن الثانية عشرة، ذو بشرةٍ سمراء وشعر أسود ناعم، وسط حطام قريته التي أحرقتها النيران في الليلة الماضية وأصبحت مجرد أخشاب متفحمة ورماد يغطي الرمال. لم يعرف أحد من أين جاءت؛ ربما نسي أحدهم إطفاء نار الطبخ، ربما كان أحد الأطفال يلعب بالنار. ربما، ربما، ربما... هذا لم يعد مهماً بعد الآن، فهذه القرية البسيطة في الصحراء لم تعد صالحة للعيش. أخرج الطفل بذرة بنفسجية من جيبه، أعطاها له مسافر مر بقريتهم منذ مدة، وقال إن هذه بذرة لنوعٍ ما من الأشجار، وسوف تنمو لتصبح ضخمة للغاية بسرعة، لكن الطفل قد نسي اسمها. أراد أن يزرعها في حديقة منزله المزدانة بأنواع الصبار والورود، لكن النيران قد أكلتها أيضاً. من بعيد ناداه والده كي يصعد في العربة ويسافر مع سكان القرية في قافلتهم الصغيرة إلى مكان أفضل. انحنى الطفل بسرعة وحفر حفرة بيديه بين الرمل والرماد واضعاً البذرة في داخلها، على أمل أن يعود يوماً ما ويجدها قد كبرت فعلاً كما قال المسافر، ثم ركض بسرعة نحو والديه ومسح دموعه قبل أن يراها أحد. ________________________ نامت البذرة الصغيرة لبعض الوقت تحت الأرض، حتى شعرت في يوم ما بقطرات من مياه الأمطار تتسلل إليها. شعرت البذرة بالفرح رغم أن طعم القطرات اختلط بالرماد منتجاً نكهة مرة وغريبة، لكنه قد روى عطشها وبدأت تمد جذورها في التربة أكثر وأكثر. برزت ساق رفيعة بيضاء اللون تحاول التمدد والتمدد من داخل البذرة، وكأنها فراشة تحاول الخروج من شرنقتها. في نهاية الساق انفلقت ورقتان متناهيتا الصغر وارتفعتا إلى الأعلى مثل شخص يحاول الوقوف، حتى خرجت برعمتنا الصغيرة حديثة الولادة فوق الأرض وقابلت السماء لأول مرة. ونظرت إلى الشمس والغيوم، لم تكن تتوقع أن يكون المكان فوق الأرض جميلاً هكذا. أمضت البرعمة أيامها التالية بصعوبة، فنادراً ما تهطل الأمطار ولا صديق لها يؤنس وحدتها ويحجب عنها حر الشمس. لكنها كانت تستمتع بمشاهدة شروق وغروب الشمس كل صباح ومساء، وأحياناً تعد النجوم في الليالي الباردة حتى جذب انتباهها واستوقفها من ذلكَ رؤيةُ صقرٍ يحلق عالياً في دوائر فوقها ويكاد أن يلامس الغيوم بأجنحته. تفاجأت من هذه القدرة وأشعلت في نفسها رغبة في تقليده والوصول إلى الغيوم أيضاً. هكذا مرت شهور طوال وهي تستمر بمد فروعها وأغصانها في جميع الاتجاهات، دون استراحة، إلى أن صار بالإمكان بناء منزل فوق كل فرع لشدة ضخامته ومتانته، وكل هذا الجهد من أجل تحقيق طموحها الجديد في لمس الغيوم. وأما جذورها فقد انتشرت تحت الأرض، وبشكل مفاجئ نمت آلاف البراعم من الجذور وارتفعت فوق الأرض وكأنهم أطفالها. ثم تحول كل برعم مع مرور الوقت إلى شجرة كبيرة وباتت برعمتُنا الصغيرة غابةً شاسعةً وسط صحراء خاوية. وفي منتصف هذه الغابة برزت شجرتنا الجميلة التي أفرطت في النمو لتكون الأطول والأكثر ضخامة. اقتربت أنثى صقر في أحد الأيام وراحت تبني عشّاً فوق غصن كثيف الأوراق لكنه لم يكن متقن الصنع، يبدو أن هذا أول عش تصنعه في حياتها، وفجأة أحست بدغدغة في لحائها؛ كان سنجاباً بني اللون يحاول أن يحفر جحراً يأويه. وفي الليل كانت تسمع صوت البومة عندما يتردد صداه في الأرجاء، هكذا استمرت مختلف الحيوانات في القدوم إلى الغابة، وكانت شجرتنا سعيدة بكل وافدٍ جديد. حتى شاهدت في صباح اليوم من قمة أغصانها، مخلوقات غريبة الشكل تقترب ببطء من بعيد، قفز رجل مسن ذو بشرةٍ سمراء وشعر غزاه الشيب من أعلى حصانه الأبيض. حاول المشي إلى الأمام لكنه ركع على العشب من ضعف ركبته وهو ينظر بدهشة نحو الغابة، وخلفه حدق باقي ركاب القافلة في هذا المشهد الإعجازي. تأملت الشجرة ذلك العجوز وفكرت بينما كانت أطراف أغصانها تشارف على لمس الغيوم "إنه يبدو مألوفاً" ________________________ النهاية 🌿🌿🌿

( رسمة إضافية انا رسمتها ) زوروني في حساب الانستغرام hrodite782
12 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!