

في أحد الأحياء المهجورة والمخيفة حيث الجو المحيط بها لا يسمح بالتجوال، سارت خلاله فتاة في الثامنة عشر من عمرها وهي تتلفت بحثا عن أحد العناوين المكتوبة في ورقة تحملها. وصلت أخيرا للعنوان المطلوب فكانت الدهشة تملأ ناظرها من ضيق المنزل وموقعه المعزول والمشبوه: ~أهذا هو؟! حدّقت لفترة في ارتياب، لكنها استجمعت شتات نفسها وطرقت الباب، لتسمع بصوت الإجابة من الداخل آذنا لها بالدخول. فتحت الباب بهدوء ونظرت بقلقٍ حول المكان فتفاجئت برؤية شاب لم يتعدَّ العشرين من عمره امتلك نظرة عبوسٍ على وجهه، جلس على الأريكة واضعا برجله اليمنى فوق ركبته اليسرى بينما انشغل بهاتفه دون اكتراثٍ لمن دخل منزله الصغير، لكنه بعد لحظة التفت لها بعينه الحادة تلك، لتجفل في فزع مُحدّثة نفسها بريبة: ~هل لهذا الشاب مقدرة في إيجاد ما لم تجده الشرطة؟! - تحدثي بما لديك. - اه .. ح حسنا، إنها ابنة جارتي ... اختفت منذ يوم و.. استمرت الفتاة بالحديث أثناء بحثها عن شيء في حقيبتها، ثم أخرجت صورة مطبوعة وأضافت: - هذه صورتها. التقط الشاب الصورة من يدها، فارتجفت يدُها وتراجعت للخلف بخوف حين رأت الندوب الكثيرة على كفه، بينما أمعن ذلك الشاب النظر في تلك الصورة ثم رفع عينه لينظر لها بنظرته الحادة: - معلوماتها الشخصية؟ وأين اختفت؟ جفلت الفتاة مجددا من نظرته التي رمقها بها، ثم أجابته: - "هاجيمي ريوكو" في السابعة من عمرها، لم تعد قبل يومين من مدرستها الإعدادية. - ابنة جارتك وليست بشقيقتك؟ - ايه؟!... سكتت الفتاة في دهشة من سؤاله، ثم بدت وكأنها أدركت فحوى سؤاله فطأطأت رأسها بنظرة حزينة عابسة: - جارتي مُصابة بمرض مزمن، وأنا قلقة أن يسوء مرضها أكثر إن... - لا حاجة لقول المزيد. قاطعها بنبرة باردة مُتجاهلا ما كادت ان تقوله، ثم نهض من أريكته وجلس على كرسي مكتبه والذي كان بجانب الأريكة ليفتح بحاسبه المحمول: - يمكنكِ الإنصراف بعد تعبئة بيانات التواصل في تلك الورقة. وأشار لها ببصره لورقة فوق طاولة بجانب الباب، فنظرت الفتاة في دهشة، وأردف الشاب: - ...عندما أتصل بكِ يمكنكِ المجيء. كتبت الفتاة ما هو مطلوب منها من بيانات في تلك الورقة، لكن لفتها نصٌ في أسفل الورقة وقد كتب فيه قسَمٌ بعدم إخبار أيا كان عن موقع المنزل حتى وإن كانت الشرطة من طلبت ذلك، فدُهشت لما رأته: - لماذا؟! اه.. من شدة دهشتها لم تدرك ان أفكارها خرجت من شفاهها، لكنها سرعان ما أدركت خطئها ووضعت بكفها على فمها فزعا، فأجاب الشاب: - إن حاولتِ تجاهله أو عصيانه... والتفت إليها بطرف عينه بنظرة ثقيلة ليُضيف: - ... فلن يكون ذلك جيدا بالنسبة لك. جفلت الفتاة، لتشعر بالرعشة تتخلل أعضاء جسدها. *** خرجت الفتاة أخيرا فوقفت أمام ذاك المنزل الضيق المكون من غرفة وحسب لتُحدق به متسائلة: ~ هل سيجدها حقا؟... أم انه مجرد مُحتال يكذب لأخذ المال ... سكتت لفترة، ثم أدركت متأخرا: ~ لحظة هو لم يطلب ماله بعد!... ربما قد أثق به قليلا. *** بعد يومين كانت الفتاة تسير وملامحها شاحبة للغاية بينما تفكر: ~ بالأمس طلب المختطف الفدية. لتسترجع ذكرى ما حدث في اليوم السابق [رن هاتف منزل جارتها فأجابت الوالدة، لتسمع صوت ذلك المتصل بنبرة تهديد: - "هاجيمي ماري" طفلتكِ لدينا لم تتناول شيئا منذ أخذناها. - "ريوكو شان"؟! صرخت الأم باسم ابنتها، لتسمع الفتاة صرخة تلك المرأة القلقة فوضعت الطبق الذي بيدها جانبا وركضت الى الهاتف لتأخذه من يد المرأة: - من أنت؟ علا صوتها بسؤالها، لكن المجرم استأنف حديثه متجاهلا سؤالها: - ... إذا أردتم استعادتها فعليكم دفع فدية خمسة مئة ألف ين... اتسعت مُقلتا الفتاة في دهشة شديدة أثناء حديث المختطف الذي أردف: - ...ولا تطلبوا المساعدة من الشرطة فلن نتوانى عن قتلها إن علمنا بمجئ أحدهم وقت المبادلة... بالإضافة إلى أن الطفلة بخير حتى الآن، لكن إن تأخرتم قد تسوء حالتها أكثر. - انتظر مالذي...! صرخت الفتاة في غضب، لكن المختطف قاطعها: - ... يوم الأربعاء الساعة السادسة أمام ميناء المدينة، وحتى ذلك الوقت كل ما سوف يدخل معدة الطفلة هو الماء. أنهى المختطف حديثه بتلك الكلمات مغلقا الخط مباشرة. فتوجهت الفتاة مباشرة لإبلاغ رجال الشرطة بما ورد باتصال المختطف. كانت الفتاة تتواصل مع أحد أفراد الشرطة الذي تخفى كمواطن عادي، فأخبرها بأنهم سيحاولون إيجاد طريقة لإنقاذ الطفلة، وحتى ذلك الحين يجب ان تبقى على اتصال معهم.] بعد تذكر الفتاة لتلك الحادثة بان على ملامحها الانزعاج الشديد: ~ ذلك المبلغ كبيرٌ علينا، ويصعب توفيره بهذه السرعة... آه.. تذمرت بانزعاج شديد وقلق، لكنها وسط انزعاجها تذكرت فجأة: - آه، صحيح ذلك الشاب... تفقدت هاتفها الخلوي بسرعة آملة بوجود ما يُريحها، لكنها عادت لإحباطها لعدم وجود أي إشعار فيه. *** في اليوم التالي، كانت الفتاة مع صديقاتها اللاتي بدورهن أردن مواساتها وتشيجعها في أحد المطاعم، وأثناء ذلك رن هاتفها الخلوي، فتحته لتتفقد من المتصل لتجده رقما مجهولا فتسائلت من قد يكون ذلك المتصل؟!. التفتت لصديقاتها اللاتي كُن يترقبن ما يحدث معها فارتبكت: - آه انا آسفة يجب علي أن أجيب على المكالمة. رفعت بهاتفها لتُجيب رفقتها، ثم قامت لتخرج من المطعم وترد على الهاتف: - مرح... - ما كل هذا التأخير؟! تعالي في أقرب وقتٍ لاستلام التقرير. قاطعها من بالطرف الآخر من الهاتف بنبرةٍ ساخطة، فتصلبت الفتاة مكانها في دهشة: ~ استلام...تقرير؟! فكرت الفتاة في داخلها دون أن تنطق بأي كلمة، ليسأل من بالهاتف بنبرة أشد غضبا: - "ماروياما سان"؟، أهي أنتِ أم ان الرقم خاطئ؟ - ب..بلا أنا ..هي ..ل ..لكن من أنت؟! فزعت الفتاة من غضبه ونطقت بإجابة متقطعة، ثم تذكرت فجأة الشاب منذ ثلاثة أيام، ليُجيب مُقاطعا إدراكها المتأخر: - لا تمزحي معي! ليس لدي وقتٌ لأضيعه! شعرت الفتاة بالإحراج الشديد: - أنت في ذلك اليوم!... أنا حقا متأسفة... سوف آتي إليك حالا. أغلقت الفتاة المكالمة واتجهت لداخل المطعم لتعتذر من صديقاتها وتخبرهن ان هناك ما طرأ لديها ثم خرجت مسرعة وبقي صديقاتها في دهشة مما حدث معها. *** وصلت للموقع ركضا وبالكاد التقطت أنفاسها من شدة الإرهاق فاتكئت بيديها على ركبتيها حتى تنفست الصعداء. حين هدأت أخيرا زفرت بهدوء واستقامت واقفة، ثم طرقت باب منزل الشاب، ففتح الباب ونظرةُ الغضب تعلو وجهه الصامت، وقد حمل في يده مستنداتٌ مطبوعة، مد يده بها ليُناولها إياها: - خذي هذه لمركز الشرطة. استلمت الفتاة المستندات وهي في دهشة: ~ ما هذه المستندات الورقيه؟ ولمَ أسلمها لرجال الشرطة؟!. وقفت تُحدّق مكانها لفترة لكنها التفّت بجسدها بهدوء لتغادر جانب ذاك الشاب الذي خشيَت حتى من سؤاله عما يقصد، لكن تلك اليد التي أمسكت بكتفها استوقفتها فالتفتت خلفها بغضب: - ما الأمر؟... دعني. - ألم تنسيْ شيئًا؟! تفاجأت الفتاة المدعوة ب"بماروياما" هي الأخرى للحظة من سؤاله، لكنها أدركت متأخرا ما قصد: - آه المعذرة. جعلت تُقلب في حقيبتها ثم أخرجت من محفظة نقودها المبلغ المُتفق عليه لتمد يدها للشاب بهدوء تام، فمد الشاب بيده ليأخذ المال منها، وما إن رفع الشاب "ياسوناري" يده بالأوراق النقدية من يدها ركضت الفتاة مُبتعدة بأسرع ما لديها بشكل مفاجئ، حتى ان الشاب "ياسوناري" نظر إليها لفترة مُحدقا بوجه متسائلٍ عن سبب هروبها، لكنه تجاهل الأمر ودخل منزله مغلقا الباب خلفه. ركضت "إيناري" (ماروياما إيناري) ووجهها مُحمر من الإحراج: - ياللإحراج!... مالذي كنت أفكر فيه؟ آمل ألا أرى وجهه مجددا. *** اتجهت "إيناري" نحو مقر الشرطة كما أخبرها "ياسوناري": - ما الذي أفعله؟ أنا حتى لا أعلم ما الفائدة من إظهار هذا لرجال الشرطة!... اه يبدو انه تم النصب علي أنا الحمقاء! تنهدت "إيناري" بيأس لكنها قررت السير لأخذ المستندات لمركز الشرطة. حين وصلت لمقر الشرطة أعطت رجل الأمن تلك المستندات فتفقدها مُتعجبا من جلبها لتلك المستندات ومن غرابة ما شرحته له، لكنه بمجرد رؤيته للختم على التقرير أخذه مسرعا إلى الضباط الأكبر مكانة، ثم أرسلوه لرئيس الشرطة، فأُعطيت الأوامر بعدها مباشرة لأحد الفرق الموجودة في المقر بالتحرك. كانت الفتاة "إيناري"في دهشة مما تراه عينها لتتسائل في داخلها: ~ مالذي يحدث هنا؟! ما هي تلك المستندات؟ وهل ما ذكر فيها ذا فائدة حقا؟ اقتربت من رجل آخر من رجال الأمن أمام الباب: - مالذي يحدث سيدي؟! - لستُ أدرك الأمر برمته، لكن صاحب الختم على التقرير هو شخص يثق به رئيس شرطة "طوكيو"، ودائما ما تكون معلوماته بشأن القضايا صحيحة وموثوقة، فقد ساعدنا في العديد من القضايا سابقا. تعجبت "إيناري" بشدة فلم تستطع التصديق بأن ذاك الشاب الذي ظنته شاب شوارع متزمت يستغل هيبته لنهب الناس والنصب عليهم هو شخص يثق به رئيس شرطة "طوكيو" بنفسه. *** حينما استعد أفراد الشرطة للخروج طلبت "إيناري" من أحد رجال الشرطة: - سيدي هل لي أن آتي معكم؟ نظر إليها الشرطي متعجبا: - آه آنستي من تكونين؟ - أنا من جلب المستندات، وجارةُ الطفلة المخطوفة. - ايه؟ ... لكن آنستي ان الأمر خطر، فلتبقي هنا حتى ننتهي من الأمر. - أرجوك سيدي... فقط أريد أن أطمئن على الطفلة فهي لم تتناول شيئا منذ اختطافها بحسب قول أولئك المختطفين، أعدك اني سأبقى في المركبة مهما حدث. - لكن آنستي إن أصابك مكر... - ما الأمر؟ قاطع حوارهما ذاك الصوت الثخين الذي سألهما، فألقى الشرطي التحية على صاحب الصوت ثم أجابه: - سيدي المحقق... هذه الآنسة تريد المجيء معنا. التفت إليها المحقق، فجفلت الفتاة لوهلة لمظهر ذلك الرجل الذي كان في غاية الجدية ولهيئته الضخمة المُهيبة، لكنها أجابته: - أ.. أرجوك سيدي أريد أن أطمئن على الطفلة فقط مباشرة بعد إنقاذها. - ومالذي سيحدث إن أصابكِ مكروه؟ - ...أعدك سيدي سوف أظل في السيارة ولن ألفت الأنظار إلي، أنا فق... - سوف تكونين مسؤولة عما يُصيبك في حال حدث مكروه. قاطعها المحقق بصرامة وأشاح للإستعداد للخروج، فارتبك الضابط: - ل لكن ... سيدي المحقق. - جهّز السيارة وخُذها. سكت الضابط، ولم يكن بيده سوى ان ينصت لمن هو أعلى مكانة منه، فأجاب باحترام وطواعية. *** أثناء طريقهم لموقع المختطفين، جلست "ايناري" في المقعد الخلفي للسيارة حيث كان يقودها الشرطي الذي طُلب منه أخذها معه للموقع. وبعد تردد وقلق تحدثت "إيناري": - أنا متأسفة سيدي لقد أقحمتُك في الأمر . فضحك الشرطي: - لا لا بأس آنستي... في الحقيقة من سيتعرض للعقاب في حال حدث مكروه لكِ هو المحقق "كاتسورا" ولستُ أنا. - من؟ - إنه المحقق الذي أمرني بجلبك. - آه إذن لمَ أذِن لي بالمجيء؟ - "كاتسورا سان" على عكس مظهره الخارجي فهو يهتم بالآخرين كثيرا، لقد شعر بقلقكِ الشديد على الطفلة فوافق على جلبِك معنا. ~ ذلك الرجل؟... لطيف؟!! تسائلت "إيناري" في داخلها متذكرة وجه المحقق العابس الصارم. *** عند غروب شمس ذات اليوم قبض أفراد الشرطة على المختطفين بنجاح فلم يكونوا رجالا أقوياء أو بذكاءٍ حاد، إنما كانوا مجرد هواة. وحين هدأت الأمور، أُذن "لإيناري" بالخروج من السيارة، فخرجت لتبحث عن الطفلة، لكنهم أخبروها انه تم نقلها للمشفى بأسرع ما يمكن، لأنها لم تأكل منذ عدة أيام وكانت فاقدة للوعي. أطلقت "إيناري" تنهيدة ارتياح ثم ركضت بقدمها باتجاه المشفى حيث اتجهت سيارة الإسعاف التي تحمل الطفلة، لكنها أبطأت من خطواتها تدريجيا حتى توقفت لرؤيتها أحد أفراد الشرطة وهو يبتعد عن البقية ويُغطي ملامح وجهه بالقبعة على رأسه، بينما كان يتجه نحو أحد الأزقة، ظلّت تحدق به لفترة، حتى رأت في هيئته خيال من قابلته ظهر اليوم: ~ لا يمكن...! *** Fuyume
7 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!