

كان البرد يومئذٍ يعضُّ الأطراف بنابه، ويستبيح ما تحت الثياب من دفء؛ فقد وافق ذلك اليوم مطلعَ السنة الجديدة، وكأن الشتاء قد أبى أن يستقبل عامه إلا بأن يُذيقنا من قسوته. ضممتُ كفَّيَّ إلى بعضهما، وأخذتُ أفركهما اتقاءً للصقيع، غير أن القفازين اللذين اكتنفا يديَّ لم يكونا ليحولَا دون تسلُّل البرد إلى مفاصلي. نفختُ في راحتيَّ، فإذا بنفَسي يتكاثف أمامي سحابةً بيضاء واهنة، ما تلبث أن تتبدَّد في الهواء. أين عسى أن يكون ديان؟ ولِمَ كلُّ هذا التأخُّر؟ أدرتُ رأسي أتطلَّع يمنةً ويسرة، وأجول ببصري بين الوجوه العابرة، لعلِّي ألمحه من بينها؛ حتى وقعت عيناي عليه أخيرًا، يلوِّح لي بيديه من بعيد. وما إن لمحني حتى أسرع نحوي، يشقُّ طريقه بخطًى حثيثة، حتى وقف بإزائي، ثم تناول يديَّ بين كفَّيه، كأنما أراد أن ينتشل ما بقي فيهما من دفءٍ قبل أن يبتلعه الصقيع. قال، وقد ارتسمت على محيَّاه أمارات الاعتذار: "أأطلتُ انتظارك؟ عذرًا، لقد أخَّرتك عنِّي. لن يستغرق الأمر طويلًا، وما إن ننتهي حتى نلجأ إلى مكانٍ دافئ، اتفقنا؟" لم أكن أدري ما الذي يضمره ديان، ولا إلى أيِّ أمرٍ استدعاني، غير أنني لم أجد ما يدعوني إلى الاعتراض؛ فأومأتُ برأسي موافقًا، تاركًا له أن يمضي فيما عزم عليه، وإن ظلَّ الفضول يلحُّ عليَّ في صمت. ولم تكد تمضي إلا هنيهة حتى انبثق من خلفه صوتٌ آخر، شقَّ سكون المكان بلهجةٍ يختلط فيها التبرُّم بالاستعجال: "هيه، ديانغ! أكاد أتجمَّد من شدَّة البرد! أسرع، أرجوك!" انعطفتُ ببصري نحو مصدر الصوت، فإذا بشابٍّ يقف على مقربةٍ منَّا، وقد بدا عليه الضجر من طول الانتظار. كان شعره فاحمًا كسواد الليل، تتخلَّله خصلاتٌ لا يكاد الضوء ينفذ بينها، غير أن أكثر ما استوقفني فيه عيناه؛ فقد اختلف لونهما اختلافًا لافتًا، إذ تلألأت إحداهما بذهبٍ فاتح، بينما ازدانت الأخرى بزرقةٍ صافية، في تباينٍ غريب يمنح ملامحه مسحةً من الفرادة، وكانت بشرته قمحية اللون، وفي يديه استقرَّت كاميرا، أحاطها بأصابعه كأنما يخشى أن تنال منها برودة الشتاء. انتقلت عيناي بينه وبين ديان، ثم استقرَّتا على الكاميرا التي يحملها، وقد أخذت تتزاحم في ذهني أسئلةٌ لم أجد لها جوابًا. أترى هذا هو السبب الذي جعل ديان يستدعيني إلى هنا؟ التفت ديان إليه على عجل، وما إن وقعت عيناه عليه حتى بادره معتذرًا، تتخلّل اعتذاره ابتسامةٌ لم تفارق محيّاه، كأنما يأبى وجهه أن يخلو من البشاشة، مهما أبدى صاحبه من أسف. ثم استدار نحوي، وخطا إلى خلفي، ووضع كفَّيه على كتفيَّ في ألفةٍ عفوية. رفعتُ رأسي قليلًا لألتقي وجهه، فإذا به يطلُّ عليَّ بابتسامته المعهودة، فيما ظللتُ أحدِّق فيه بريبةٍ يمازجها الاستغراب، عاجزًا عن تبين الغاية من كل هذا. ولعلَّه لمح الحيرة المرتسمة على ملامحي، فسارع إلى استجلائها بالكلمات، قائلًا بنبرةٍ يفيض منها الحنان: "سوان، يا عزيزي، إن رؤيتك تكبر أمام عينيَّ من أجمل ما وهبتني الحياة، وإن كان في الأمر شيءٌ يؤلم قلبي أيضًا. ومع ذلك، فما أعظمه من باعثٍ على الفخر! ولهذا أردتُ أن أوثِّق هذه اللحظات بالصور، ثم أعلِّقها في أرجاء المنزل، لتبقى لنا منها ذكرياتٌ دافئة نعود إليها كلما اشتقنا إلى هذه الأيام. فمن يدري؟ لعلَّك تكبر يومًا، وترحل إلى بلادٍ بعيدة طلبًا للدراسة، وتمضي بك الحياة في طريقٍ غير طريقي، حتى تتفرَّق بنا السُّبل". حتى تتفرَّق بنا السُّبل. علقت العبارة في ذهني، وأخذت أستعيدها في صمت. أترى ديان يفكِّر في هذا الاحتمال منذ ذلك الذي حدث؟ أترى أن ما جرى قد جعله يستشعر، للمرة الأولى، أن الأيام التي تجمعنا ليست أبدية، وأن المرء، مهما اطمأنَّ إلى بقاء أحبَّته بقربه، لا يملك أن يضمن ألَّا تنتزعه الحياة يومًا من بينهم؟ لم يخطر لي مثل هذا التفكير قط. لم أتصوَّر يومًا أن يأتي وقتٌ قد لا أجد فيه ديان إلى جواري، ولا أن تبلغ بنا الأيام مفترقًا يسلك فيه كلٌّ منَّا دربًا لا يفضي بالضرورة إلى الآخر. كان الأمر غريبًا عليَّ، غريبًا إلى الحدِّ الذي جعلني أعجز عن استيعاب ما تنطوي عليه كلماته من معانٍ. في المنزل، كانت الجدران عامرةً بصور ديانغ؛ صورٌ تمتدُّ من سنوات طفولته الأولى إلى أيامه الحاضرة، كأنما أُريد لكلِّ مرحلةٍ من حياته ألَّا تُطوى صفحتها دون أن تترك أثرًا. وكان له ألبومٌ خاصٌّ يضمُّ بين دفَّتيه ذكرياتٍ لا حصر لها، محفوظةً بعنايةٍ تليق بأشياء يُخشى عليها من النسيان. أمَّا أنا، فلم أكن أملك ألبومًا كهذا، ولا صورةً واحدة تجمع شتات سنواتي على النحو الذي فعلوه معه. وتساءلتُ، في خضمِّ ذلك، إن كان ديان قد تنبَّه إلى هذا الفارق، وإن كان قد خطر بباله أن رؤيتي محاطًا بصورٍ لا تخصُّني قد توقظ في نفسي شعورًا لم أُفصح عنه يومًا. أكان يحاول، بهذه البادرة، أن يمنحني شيئًا لم أحظَ به من قبل؟ أم أنني كنت أُحمِّل الأمر من المعاني ما لم يقصده؟ لم أجدني إلا وقد أخذ التوتُّر يتسرَّب إلى أطرافي، فيما استقرَّ بصري على العدسة السوداء التي تحدِّق إليَّ في صمت. بدت لي عينًا غريبةً لا أعرف كيف أواجهها، ولا كيف أبدو أمامها على سجيَّتي؛ فظللتُ أحدِّق فيها بجمود، كأنما غدوتُ فجأةً غريبًا عن نفسي، لا أدري ما الذي ينبغي لي فعله، ولا أيَّ تعبيرٍ يجدر بي أن أُبدي. عندئذٍ، شعرتُ بكفَّي ديان تستقرَّان على كتفيَّ، ثم تنقبضان عليهما برفقٍ بالغ، لا يكاد يُحَسُّ، وكأنما كان يستشعر اضطرابي من وراء صمتي، فيحاول أن يطمئنني دون أن يضطرَّ إلى سؤالي. وكان في تلك اللمسة شيءٌ عجيب؛ إذ تسلَّل الدفء منها إليَّ على مهل، دفئًا لم يكن مردُّه إلى حرارة كفَّيه فحسب، بل إلى ذلك الشعور الخفيِّ الذي تبثُّه في المرء يدٌ يعرفها، يدٌ لا تطالبه بشيء، ولا تلزمه بأن يكون على هيئةٍ بعينها، وإنما تكتفي بأن تُشعره أنه ليس مضطرًّا إلى مواجهة غربته وحده. "ابتسما... ثلاثة، اثنان، واحد!" وما إن فرغ ري آن من العدِّ حتى انبعثت من الكاميرا طقطقةٌ خافتة، أعقبها صوت التقاط الصورة. ثم أنزلها عن وجهه، وأخذ ينتظر ظهورها، في حين لم يكد ديان يطيق صبرًا؛ إذ اندفع نحوه بلهفةٍ ظاهرة، وأخذ يستحثُّه بفضولٍ طفولي: "ري آن! كيف... كيف... كيف بدت؟ أرني إياها!" "مَهْلًا، مَهْلًا! لم تخرج بعد، ستظهر بعد قليل. اصبر قليلًا فحسب!" ظلَّ ري آن يتفحَّص الكاميرا منتظرًا، حتى أخذت الصورة تبرز منها رويدًا رويدًا. وما إن اكتمل ظهورها حتى التقطها بين أصابعه، وألقى عليها نظرةً عابرة، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ ماكرة. "ديانغ، أظنُّ أن أخاك سيكون سيِّد العبوس في هذه الصورة، هاهاها!" لم يُمهله ديان طويلًا؛ إذ انتزع الصورة من بين يديه، وأخذ يتأمَّلها بلهفةٍ لا تخفى، غير آبهٍ بسخريته. ثم ما لبث أن استدار نحوي، وأسرع إليَّ رافعًا الصورة أمام عينيَّ، كأنما عثر على كنزٍ ثمين لا يسعه الاحتفاظ به لنفسه. "أليست جميلةً يا سوان؟! سنلتقط الكثير من الصور، ابتداءً من اليوم!" تأمَّلتُ الصورة التي مدَّها إليَّ. كان وجهي يبدو فيها غريبًا بعض الشيء؛ ملامح متحفِّظة، وابتسامةٌ لم أُحسن رسمها بل لعلي لم أرسمها قط، وعينان لا تعرفان تمامًا أين تستقرَّان. ومع ذلك، لم يكن هذا ما استأثر بانتباهي، ولا ما استوقفني طويلًا. بل كانت ملامح ديان. لا أدري لِمَ، لكنَّ النظر إليه في تلك الصورة أثار في نفسي شعورًا لم أستطع تسميته. كانت ابتسامته تبدو أكثر إشراقًا، وعيناه تنضحان ببهجةٍ صادقة، حتى خُيِّل إليَّ أن للصورة دفئًا خاصًّا، دفئًا يتجاوز حدود الورق، ويستقرُّ في مكانٍ ما من صدري. أعدتُ النظر إليها، وأطلتُ التأمُّل في تفاصيلها الصغيرة، قبل أن أجد ابتسامةً تتسلَّل إلى محيَّاي على غفلةٍ منِّي، ثم تتَّسع شيئًا فشيئًا، حتى شقَّت وجهي دون أن أشعر. لم أكن قد تعمَّدت الابتسام، ولم أفكِّر في أن أفعل؛ بل حدث الأمر ببساطة، كأنما أفلتت منِّي ابتسامةٌ لم أكن أعلم أنني أملكها. لعلَّني... أحببتُ هذه الفكرة حقًّا.

10 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!