

ظللت جالسًا خلف الباب، أستند إليه بصمت، بينما كان ديان في الجهة الأخرى يضربه بقبضتيه، حتى ارتج الخشب تحت وطأة الطرقات. وكان صوته يتردد في أرجاء المنزل، مضطربًا، متشظيًا، كأن عقله يتنقل بين زمنين لا يستطيع التمييز بينهما. "سوان... افتح الباب." ثم، بعد لحظات، انكسر صوته وقد غلبه القلق: "هل أنت بخير؟" وسرعان ما تبدلت نبرته، وبدت الحيرة تلتهم كلماته. "مهلًا... أين سوان؟! أين ذهب؟!" ثم دوّى أنينٌ ممضّ: "آه... رأسي..." وأعقبه همسٌ تائه: "لِمَ الباب مغلق...؟" ولم يلبث أن عاد يناديني مرةً أخرى، بصوتٍ أنهكه الفزع: "أين سوااان؟" أغمضت عيني، وأطبقت على شفتي. إن فتحت الباب الآن...فمن سأجد؟ أخي... أم ذلك الوجه الذي كان يتقمصه في نوباته؟ ظل السؤال ينهشني بلا هوادة. من يقف خلف الباب؟ ديان... أم أبي؟ ولم أملك جوابًا. فاكتفيت بالصمت، أراقب الوقت وهو ينساب بطيئًا، بينما أخذت الطرقات تخفت شيئًا فشيئًا. مضت ساعة، ثم ثانية...ثم ثالثة. حتى خُيّل إليّ أن كل شيء قد سكن. لكنني ما لبثت أن أدركت أن السكون لم يكن إلا خداعًا. لم يكن قد هدأ... بل كان يبكي. شهقاتٌ مكتومة، متقطعة، تتسرب من خلف الباب، تحمل من الانكسار ما لم تحمله صرخاته كلها. وحين بلغني ذلك البكا، انهارت آخر مقاومةٍ في داخلي. مددت يدي المرتجفة إلى المقبض، وأدرته ببطء. وما إن انفتح الباب، حتى اختل توازن ديان، إذ كان مسندًا ظهره إليه طوال ذلك الوقت، فسقط إلى الأمام على وجهه. حاول النهوض على عجل، غير أن قدميه خانتاه، فتعثر قبل أن يستقيم، ثم رفع رأسه نحوي مسرعًا. كان أنفه ينزف، وملامحه شاحبة، وآثار الإعياء بادية على وجهه. لكنه لم يعبأ بشيءٍ من ذلك، إذ اندفع نحوي، وراح يتفحص وجهي وجسدي بعينين يملؤهما الهلع، كأنه يفتش عن جرحٍ لم يره بعد. ثم سألني بصوتٍ اختلط فيه الرجاء بالخوف: "لماذا كنت تبكي يا سوان؟" وتبعها على الفور، وقد ازداد اضطرابه: "هل حدث لك شيء؟" "هل أصابك مكروه؟" "هل تأذيت؟" كان الدم ينساب من أنفه، أما هو، فلم يشعر به. إذ كان وجعه كله... معلقًا بي. تنهدت تنهيدةً أثقلها الإعياء، ثم همست بصوتٍ واهن: "أنا... بخير." ما إن سمعها، حتى أمسك كتفيّ بكلتا يديه، وقد ارتسم القلق على وجهه. "كلا، لست بخير." راح يتأمل وجهي طويلًا، ثم قال في لهفة: "وجهك شاحب... وقد كنت تبكي." ازدادت قبضته على كتفي رفقًا، وأردف بصوتٍ يكاد يتوسل: "سوان... عليك أن ترتاح. أرجوك، لا ترهق نفسك." ظل يتحدث إليّ، يرجوني أن أعتني بنفسي، بينما كنت أحدق إليه بشرود، وكأن صوته يصلني من مكانٍ بعيد. ثم تنحيت عنه برفق وقلت: "سأذهب لأحضر الدواء... وسأعود." أومأ مطمئنًا، فاستدرت وغادرت. وقفت أمام الرفوف، أفتش بين علب الأدوية، حتى وقعت عيناي على الدواء الذي كنت أبحث عنه قبل قليل. ابتسمت ابتسامةً باهتة، لا حياة فيها. يا للسخرية... كم بحثت عنه حين كنت في أمسِّ الحاجة إليه، ولم أجده. أما الآن... فها هو أمامي، كأنه لم يغب قط. تناولت العبوة، ثم ملأت كوبًا بالماء. وقفت أحدق إليه طويلًا، بينما أخذت الأفكار تتزاحم في رأسي، حتى لم أعد أميز بينها. كان التعب قد بلغ من روحي مبلغًا جعل كل شيء يبدو ثقيلًا... ثقل المسؤولية، وثقل الذنب، وثقل السنوات التي لم أستطع أن أداوي فيها أحدًا، ولا حتى نفسي. وفي تلك اللحظة، شعرت وكأنني أقف على حافة هاوية، لا يرهقني جسدي بقدر ما تنهكني روحي. امتدت يدي إليها ببطء، وقد غلبني اليأس حتى صرت أتحرك كأنني لا أشعر بما أفعل. كان ذهني غارقًا في دوامةٍ من التعب، ولم يعد يرى أمامه إلا رغبةً واحدة؛ أن يتوقف هذا الألم الذي طال أمده. وقفت صامتًا، أحدق في الكوب بين يدي، بينما راحت الأفكار السوداء تتزاحم في رأسي، وتهمس لي بأنني لم أعد أطيق حمل هذا العبء. قبضت يداي على تلك العبوة، وأفرغتُ ما بها في الكأس. ثم توقفتُ لحظة أسائل نفسي: أيكفي هذا المقدار ليُردي إنساناً، ويفتك بروحه فتكاً؟ أحسب أنني، بعد هذه الخطوة التي لا تُرد، لن أملك من الجَلَد ما يدفعني للمضي في درب الحياة. لم يعد للتراجع مكان. فقد صببتُ كلَّ ما في العبوة عن بكرة أبيه، وعمدتُ إلى الماء فخلطته به خَلطاً، حتى تداخلت الأجزاء وتجانس المزيج. وما كنتُ في كل هذا المسعى إلا أتعجل التحرر من ثقلٍ أنهك ظهري، وأقصد التخلص من عبءٍ ثقيل لم يعد جسدي يحتمل وطأته، ولا روحي تطيق استمراره. كل ما كنت أريده... أن يتوقف هذا الألم الذي لا ينتهي. عدت إلى ديان، وفي يدي كوب الماء، وقد رسمت على وجهي ابتسامةً شاحبة أثقلها الإرهاق. ناولته إياه قائلًا: "تفضل... اشرب قليلًا من الماء." رفع بصره إليّ، وابتسم تلك الابتسامة الوديعة التي لم يستطع المرض أن ينتزعها منه، ثم أخذ الكوب ووضعه برفق على الطاولة قبل أن يلتفت نحوي. "شكرًا... لكن قبل ذلك..." مد يده إلى جانبي، ثم وضع كفه على جبيني، وما إن لامس حرارتي حتى انعقدت ملامحه. "جبينك ساخن يا سوان!" ازداد قلقه، وأخذ يتأمل وجهي بعينين يغمرهما الخوف. "عليك أن ترتاح... ماذا أستطيع أن أفعل لك؟ أتريد أن..." لكن الكلمات انقطعت على شفتيه، إذ باغته ألمٌ حاد، فانفرجت شفتاه عن تأوّهٍ مكتوم، وأطبق كفه على رأسه، وقد اشتد عليه الصداع. سارعت إلى تناول الكوب من فوق الطاولة، وقدمته إليه قائلًا: "اشرب أولًا يا ديان... لعل الألم يخف." نظر إليّ، وأومأ برأسه، لكنه لم يمد يده إليه. بل قال، وهو يجاهد ما يعصف برأسه من وجع: "انتظر... سأحضر أولًا منشفةً وماءً باردًا." ثم نظر إلى وجهي مرةً أخرى، وقد غلب عليه القلق. "أنت محموم... استلقِ على السرير، وسأعود حالًا." ولم يمهلني فرصةً للاعتراض. استدار ومضى بخطواتٍ متثاقلة، يقاوم ألمه، غير أن همه الأول ظل أنا. تنهدت تنهيدةً مثقلة، ثم أرسلت بصري إلى الكوب القابع أمامي، فتلقّاني انعكاس وجهي على صفحته الساكنة. حدّقت فيه هنيهة، وتمتمت بسخريةٍ مريرة: "آه... ومن ذا الذي سيشرب هذا؟" ثم أطرقت رأسي، وقد خنقتني الحيرة، ودار في خلدي سؤال واحد لا يفارقني: كيف سأضع حدًّا لمعاناتي الآن؟ وهمست لنفسي بصوتٍ بالكاد سمعته: "حتى الآن... "ما زال يفكر بي قبل أن يفكر بنفسه." شقَّ السكونَ تأوّهٌ مروِّع. رفعتُ بصري، فإذا بديان قد عاد يحمل منشفةً مبللةً وكوبًا من الماء، غير أن الألم كان قد استبدَّ به قبل أن يبلغني. هوى إلى الأرض جاثيًا، قابضًا على رأسه بكلتا يديه، تتفلت من بين شفتيه آهاتٌ متلاحقة تقطر وجعًا. تبًّا... ما أشدَّ حاجته إلى دوائه. ولم تلبث نوبة الألم أن استعرت؛ فاندفع يضرب رأسه بالجدار ضربًا متكررًا، كأنما يحاول إسكات العذاب بعذابٍ أشد. تتابعت أنينه حتى ضاقت بها الغرفة. جلستُ إلى جواره، والكوب بين يدي، وقلت في هدوء: "اهدأ يا ديان..." رفع إليَّ وجهًا أنهكه الوجع وهمس بصوتٍ متكسر: "سوان... إنه يؤلمني... يؤلمني كثيرًا..." قلت وأنا أدني الكوب منه: "أعلم... أعلم. اهدأ فقط... أتستطيع أن تشرب هذا؟ سترتاح... وسأرتاح معك... إلى الأبد." لكن ما إن أنهيت كلماتي حتى اندفع نحوي، وطوَّقني بذراعيه في عناقٍ مرتجف، وكأنه يستجير بي من ألمه، ثم قال وهو يربت عليَّ بقلقٍ صادق: "سوان... أنت محموم، ومتعب... استرح." ثم أخذ يردد اسمي بصوتٍ خافت، كأنما يخشى أن أفلت من بين يديه: "سوان... سوان..." كان قلقًا عليَّ... قلقًا حقًّا. يعانقني بكل ما بقي فيه من قوة، غير عالمٍ أن الذراعين اللتين احتضنتاه تخفيان نيةً كانت، قبل لحظات، تعزم على أن تسلبه حياته. لكن... لِمَ لم يشرب ما في الكوب؟ أأيقن ما أُضمِره؟ أم أنها محضُ مصادفة؟ لم أعد أفهم شيئًا... كل ما أعلمه أنني لا أستوعب كيف يستطيع إنسان، وهو غارق في هذا القدر من الألم، أن يظل طيبًا إلى هذا الحد. همست باسمه في خفوتٍ يكاد يتلاشى: "ديان... أتحبني؟" ارتسمت على وجهه أمارةُ دهشةٍ خاطفة، ثم ما لبثت أن ذابت في ابتسامةٍ دافئة، يفيض منها الحنان، وقال برفق: "أجل... أحبك كثيرًا. أنت طفلي الصغير، وكنزي الثمين، وأغلى من أملك." ابتلعت غصتي وسألته: "ولو لم أكن نافعًا... ولا ناجحًا؟" لم يتردد لحظة، بل أجاب وكأن الأمر من البدهيات: "أحبُّ سوان... كيفما كان." ارتجف صوتي، وانكسرت كلماتي: "لكني... سيئ. كدت أقتلك، رغم أنك تثق بي... وأنا.." وخنقتني بقية الحديث. ما الذي كنت أفعله بحق ربّ السماء؟ كدت أزهق روح الإنسان الوحيد الذي كان لي سندًا، وأكثر من أحبني في هذه الدنيا. حتى وعدي له... عجزت عن الوفاء به. ما أشد جبني... وما أفدح فشلي. وفجأة سمعت صوته، هادئًا كما عهدته، يربت على قلبي قبل كتفي: "سوان ليس فاشلًا... سوان فتى ذكي وطيب، وسيكبر ويصبح..." قاطعته، وقد غلبتني الغصة: "لقد كبرت، يا ديان... كبرت منذ زمن. أنا رجلٌ الآن، أعمل وأعيلنا. مضت ثماني سنوات... لا... بل سبعة عشر عامًا كاملة. أما آن لك أن تعود؟ أما آن لك أن تفيق؟ لقد تعبت... لقد تعبت. ليس منك... بل من ضعفي، ومن عجزي، ومن خوفي. وإن مرضتُ أنا... أو متُّ... فمن سيرعاك؟" نظر إليَّ بعينين لا تعرفان إلا الرحمة، ثم قال في يقينٍ طفولي، تفيض منه المحبة: "أنا سأرعى سوان... وسأبقى إلى جانبه دائمًا." توقفت أنفاسي لوهلة. أيُّ قلبٍ هذا الذي يردُّ الإساءة إحسانًا، ويقابل الشرَّ بكل هذا اللطف؟ لقد أثقلتني طيبة أخي حتى غدت غصَّةً مستقرةً في صدري؛ فكلما هممت أن أكرهه، سبقني قلبه إلى محبتي، وكلما قابلته بسوءٍ، ردَّه إليَّ خيرًا. خفضت رأسي، ثم قلت بصوتٍ أنهكه الانكسار: "ديان... لم أترقَّ. لقد فشلت. أغرقتني الديون من كل جانب... وأنا متعب، متعبٌ إلى حدٍّ صرت معه أتمنى الموت، لكن..." فقاطعني على غير عادته، وقد تبدلت نبرة صوته، وارتجفت كلماته في لهفةٍ موجعة: "لا تمت... أرجوك، لا تمت. لِمَ تريد الموت؟ أنت ما زلت طفلي الصغير. هل قصَّرتُ في حقك؟ أم... أم أنك منزعجٌ مني؟" وما إن فرغ من قوله حتى عاد الألم يعصف برأسه، فانطلقت منه تأوهاتٌ مكتومة، وارتسمت على وجهه أمارات العذاب. انتفضت من بين ذراعيه مذعورًا. لقد نسيت الدواء! "اعذرني... سأحضره حالًا!!" أسرعت إلى الرف، ومددت يدي نحو العلبة، لكن أصابعي لامست خواءها. فارغة... بسبب حماقتي، وبسبب اندفاعي الأحمق، استُهلك الدواء حتى لم يبقَ منه شيء. أغمضت عيني في مرارة. كم أنا ساذج... لم أتردد. ارتديت معطف المطر على عجل، والعاصفة تضرب النوافذ بعنف، ولم يكن في ذهني إلا أمرٌ واحد: سأشتري دواء ديان، ثم أعود بأسرع ما أستطيع. وما إن هممت بفتح الباب حتى شعرت بيدٍ ترتجف تمسك معصمي. التفتُّ إليه. كان ينظر إليَّ بعينين اتسعتا رعبًا، وقال بصوتٍ متكسر: "إلى أين ستذهب؟ بالخارج مطرٌ وعاصفة... لا تذهب." ابتسمت ابتسامةً واهنة، أحاول أن أطمئنه: "سأكون بخير. سأذهب مسرعًا وأعود... أعدك." لكن الخوف في عينيه لم يخفت، بل ازداد اشتعالًا، وهز رأسه بعنف وهو يردد: "لا... لا... لا تذهب..." ثم انهمرت دموعه فجأة. اقتربت منه في دهشة، وهمست: "لِمَ تبكي يا ديان؟" قال بصوتٍ تختنق فيه العبرة: "لأنك... لأنك ستخرج... وهناك مطر... أنا خائف..." وتلعثم، وكأن الكلمات أبت أن تغادر شفتيه. في تلك اللحظة أدركت السبب. لم يكن يخاف المطر، بل كان يخاف الذكرى. فاليوم الذي اختُطفت فيه كان يومًا ماطرًا كهذا، ومنذ ذلك الحين صار هدير المطر في أذنيه نذيرَ فراق، لا بشارةَ غيث. تنهدت، وأغلقت الباب بهدوء، ثم عدت إليه. كان الألم لا يزال ينهش رأسه، وتظهر آثاره في ملامحه الشاحبة، لكنه كان يكابده في صمت، وكأن احتمال الوجع أهون عليه من أن يراني أغادر. قال ديان بصوتٍ يفيض حنانًا: "سوان... أتريد أن تنام في حضني، وتخبرني بما يثقل قلبك؟" جاء عرضه في اللحظة التي كنتُ بأمسِّ الحاجة إليها، حتى خُيِّل إليَّ أنه قرأ ما يعتمل في صدري دون أن أنطق بحرف. جلس على حافة السرير، فلم أتردد. ارتميتُ إلى جواره، وأسندت رأسي إلى حجره، فأخذ يمرر أنامله بين خصلات شعري في رفقٍ بالغ، كما كان يفعل قديمًا، حتى خُيِّل إليَّ أن السنوات كلها قد تراجعت، وأنني عدت طفلًا احتمى بأخيه من قسوة العالم. وبعد صمتٍ قصير، قلت: "في المدرسة... لدي مشكلة." نظر إليَّ باهتمامٍ صادق، وسأل برفق: "وما هي؟" تنهدت، ثم بدأت أنسج كذبةً أخفي بها الحقيقة: "لدي صديق... نقضي وقتًا طويلًا معًا. يشاركني حلوى جيبه، ويحادثني كثيرًا، وأنا أعلم أنه يحبني بصدق... لكنه عنيف. عنيفٌ إلى حدٍّ يؤلمني، وهو لا يدرك ذلك." توقفت هنيهة، ثم تابعت بصوتٍ أثقله التردد: "تراودني أحيانًا فكرة أن أقطع علاقتي به، وأن أبتعد عنه نهائيًّا... لكنني أعلم أن ذلك سيكسر قلبه، ولا أريد أن أكون سببًا في حزنه. فماذا أفعل؟" يا لها من سخرية... أشكو ديان... إلى ديان نفسه. ظل صامتًا برهة، كأنه يجمع أفكاره، ثم همهم في تؤدة، وسأل: "أتحبه يا سوان؟" رفعت بصري إليه في دهشة. ابتسم وهو يواصل تمرير يده على رأسي، ثم قال بهدوئه المعهود: "إن كنت تحبه، وهو يحبك، فأخبره بما يؤذيك. قد يكون يفعل ذلك وهو لا يعلم أنه يجرحك. وإذا كان يحبك حقًّا، فسيتألم لأنه آذاك، وسيحاول أن يتغير." ابتسمت ابتسامةً شاحبة. حلٌّ جميل...لكنه لا يصلح معنا. قلت مترددًا: "لكن... ماذا لو أحزنه كلامي؟ وماذا لو كان ذلك جزءًا من طبيعته؟ لا أريده أن يتصنع اللطف من أجلي، ولا أن يخفي نفسه خشية أن يؤذيني. أريده كما هو." أطرق ديان قليلًا، ثم قال بصوتٍ هادئٍ تملؤه الحكمة على بساطته: "كنت سأقول لك: اصبر، ما دمت تحبه... لكنني أخشى أن تتأذى. إذا كنت قادرًا على احتمال شدته، وهو يبرهن لك عن محبته بطرقٍ أخرى، فلا بأس أن تبقى إلى جانبه. أما إن صار بقاؤك يؤلمك أكثر مما يسعدك، فلا حرج أن تضع بينكما حدودًا، أو أن تبتعد. وإن كان يحبك حقًّا... فسيفهم ذلك يومًا ما." ظللت أحدق في الفراغ. كم هو عجيب... فعلى الرغم من أن عقله غاب منذ أعوام، لم يغب قلبه يومًا، وكأن الرحمة وحدها بقيت فيه يقظة، تهتدي إلى الصواب كلما عجز العقل عنه. ما أطيب قلب أخي... الآن فقط أدركت سرَّ محبة الجميع له. لم يكن يملك لسانًا معسولًا ولا هيبةً تُفرض، وإنما كان يحمل قلبًا لا يعرف إلا اللين. لقد اشتقت... اشتقت إلى تلك النسخة منه اشتياقًا يؤلم. ولعلني، من غير وعي، ولأنني شعرت لبرهةٍ أنني أحدث أخي القديم، خرجت الكلمات من أعماقي قبل أن أستطيع حبسها: "ديان... أنا... أشتاق إلى أن تعود كما كنت. متى تستعيد وعيك؟ لو حدث ذلك... لاستراح قلبي." ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم قال في بساطةٍ تامة: "آه... إذن لديك مشكلة في الرياضيات؟ لا بأس، سنحلها معًا." تجمدت ملامحي. مرةً أخرى...مرةً أخرى لم تصل إليه كلمةٌ واحدة مما قلت. خفضت رأسي، ثم تمتمت بمرارة: "ليس هذا ما قلته... لقد طلبت منك أن تعود. أنا كبرت يا ديان، بلغت السابعة والعشرين. أريد أن أتزوج، وأن أبدأ حياتي... لكنني عالق هكذا..." وضغطت على أسناني وأنا أضحك من مرارة الواقع. "ولِمَ أحدثك أصلًا؟ لن تفهم شيئًا مما أقوله... لقد أوشكت أن أصبح مجرمًا... وكدت أقتلك." أما هو، فظل ينظر إليَّ بعينيه الهادئتين، ثم قال فجأة: "أتعلم يا سوان؟ الصواعق ليست مخيفة. صحيح أن صوتها مرتفع، لكن..." "توقّف!" انتفضت من حضنه دفعةً واحدة، كأنني أفرُّ من شيءٍ يطاردني. مرةً أخرى... مرةً أخرى يجيب عن حديثٍ لم أقلْه، ويغرق في كلماتٍ لا تمتُّ إلى واقعي بصلة. صرخت، وقد انفجر ما تراكم في صدري طوال سنوات: "أنت تكرر الكلام نفسه... والأفعال نفسها! مرةً بعد مرة، وعامًا بعد عام! لثمان سنواتٍ كاملة، وأنا أسمع العبارات ذاتها! أما تملك شيئًا جديدًا تقوله؟" اتسعت عيناه في صدمةٍ صامتة، لكنني لم أعد قادرًا على التوقف. "اليوم نفسه يتكرر، والحديث نفسه يتكرر، وكل شيء يعيد نفسه بلا نهاية! غيّر شيئًا... أيَّ شيء! دعني أشعر أنني أعيش مع إنسانٍ، لا مع آلةٍ لا تعرف إلا إعادة الشريط ذاته! لقد بلغ بي الإنهاك منتهاه!" ساد صمتٌ قصير. ثم نظر إليَّ بعينيه الهادئتين، وسأل برفقٍ يناقض ثورتي: "هل أنت منزعج يا سوان؟" أجبته من بين أنفاسي المتلاحقة: "جدًّا..." فما كان منه إلا أن ابتسم ابتسامةً رقيقة، ثم مد يده يشدُّ خدي كما اعتاد أن يفعل وأنا صغير، وقال بحنانٍ خالص: "إذن لا بأس... غدًا سنخرج لنشتري مثلجات، وعندها لن تبقى منزعجًا." حاولت إبعاد يده، فخرج صوتي مضحكًا بسبب شدِّ خدي: "أيُّ مثلجات؟! أنت لا تستطيع حتى أن تغادر المنزل!" هز رأسه ببساطة، وكأن الأمر لا يحتمل الشك، ثم قال: "سنشتريها من عربة المثلجات الواقفة أمام الحديقة... وبعدها تذهب لتلعب مع صديقك. ألن يكون ذلك جميلًا؟" تهيأت لأن أرفض، وأن أبدد وهمه كما أفعل كل مرة. لكنني ما إن وقعت عيناي على ملامحه، حتى خمد غضبي قبل أن يبلغ لساني. كان يبتسم بذلك الصفاء الذي لا يعرف التصنع... ذلك الصفاء الذي يجعل القسوة تشعر بالخجل من نفسها. ابتلعت ما بقي في صدري من غضب، ثم قلت بصوتٍ خافت: "...أجل، سيكون جميلًا." اتسعت ابتسامته حتى أشرقت ملامحه، ثم أرخى يده عن خدي وقال في سرورٍ طفولي: "إذن سأختار مثلجات الفانيلا بالتوت... وأنت ستأخذ الشوكولاتة بالقهوة، أليس كذلك؟" توقفت لحظة. ما يزال... يتذكر نكهتي المفضلة، غصَّ قلبي. ابتسمت ابتسامةً واهنة، وقلت: "بل الشوكولاتة بالكراميل... لقد تغيّر ذوقي." أومأ برأسه في رضا، كأنه دوَّن ذلك في ذاكرته، ثم عاد إلى صمته. ألقيت بجسدي على السرير إلى جواره، وقد استنزفني كل ما حدث، يكفي...أريد أن أنام فحسب. وما هي إلا لحظات حتى شعرت بكفه تربت على رأسي في حنان، كما كان يفعل منذ كنت طفلًا. ثم بلغني همسه، خافتًا حتى كاد يضيع: "آسف... لأنني أصبحت عبئًا عليك يا سوان... ولأنني أتعبك." تجمد الدم في عروقي. ماذا...؟ انتفضت جالسًا، وأمسكت يده في لهفة، وقد انعقد لساني من شدة الصدمة. ماذا قال لتوه؟ هل... هل وعى؟ كدت أستفهم منه، لولا أن دوى جرس الباب فجأة، قاطعًا تلك اللحظة. "ديان... ماذا قلت؟" هممتُ بتجاهله ومتابعة الحديث، غير أن الجرس ظل يقرع بلا هوادة، مرةً إثر أخرى، حتى أخذ ينهش أعصابي. آه... من ذا الذي يتجرأ على زيارتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ بل من يزورني أصلًا؟ قطع ديان أفكاري بهدوئه المعتاد: "سوان... الجرس يرن." أغمضت عيني في انزعاج. "أعرف..." تنهدتُ بضيق. حسنًا... سأنهض لأرى من الطارق، ثم أعود. نهضتُ وأنا أتمتم في سري بما وسعني من الشتائم على ذلك المزعج، لكنني ما لبثت أن توقفت. ...كلام ديان قبل قليل. أحقًّا؟ هل استعاد وعيه لبرهة خاطفة؟ أم أنني أتوهم؟
18 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!