

مررت بالمنزل أولًا. اطمأننت إلى ديان، وأعطيته دواءه، ولم يلبث أن غلبه النعاس سريعًا. بدا مرهقًا على غير عادته، فغفا في هدوء، فخرجت بعد أن تأكدت من راحته. اتجهنا إلى مطعمٍ واسع، واجتمعنا حول موقد الشواء. تصاعد عبير اللحم المشوي، وتعالت الضحكات، وتشابكت الأحاديث بين الجميع. أما أنا... فكنت أصغي أكثر مما أتكلم. كانت تلك أول مرة أجلس بينهم لا بصفتي زميلًا عابرًا، بل فردًا من مجلسهم. رحبوا بي بحرارة، وأشركوني في أحاديثهم وضحكاتهم، حتى شعرت، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، أنني لا أقف خارج الدائرة. لم أكن أعلم...أن للحياة هذا القدر من الدفء. كان يومًا جميلًا... جميلًا على نحوٍ كدت أنسى أنه موجود. وحين انتهى السمر، عدت وقد تأخر الليل، وقلبي أخف مما كان عليه منذ سنوات. وفي طريقي، أنهيت ما أثقل كاهلي طويلًا، وسددت جميع ديوني، وحين دخلت المنزل، وجدت ديان جالسًا في هدوء. رفعت يدي محييًا، وقلت مبتسمًا: "عدت." لكنه لم يجب، ظل صامتًا، وعيناه شاردتان في الفراغ. توقفت لحظة، ثم قلت في نفسي: لعلّه استيقظ لتوّه، وما زال النعاس يثقل رأسه. لم أشأ أن أزعجه. ابتسمت ابتسامةً خفيفة، واتجهت إلى غرفتي، وقد أنهكني التعب، وما إن وضعت رأسي على الوسادة حتى شعرت أن هذا اليوم كان أثقل أيام عمري... وأجملها في آنٍ واحد. ثم أتى اليوم الذي يليه... ثم الذي بعده. وما لبث ذلك اليوم أن تحول إلى عادة. كنت أعود إلى المنزل مع انتهاء الدوام، أطمئن إلى ديان، وأبقى إلى أن يغلبه النعاس، فإذا نام خرجت من جديد لألحق بزملائي، إذ اعتاد الرجال منهم أن يجتمعوا كل مساءٍ تقريبًا على عشاءٍ يملؤه الضحك والحديث. وكنت، في كل مرة، أجد نفسي أكرر الأمر ذاته. حتى غدا جزءًا من أيامي. ولأول مرة منذ سنوات... شعرت أنني أعيش. كأن الحياة، التي طالما بدت لي باهتةً رمادية، استعادت ألوانها دفعةً واحدة. وعادت روحي تتنفس بعد طول اختناق، وصارت الابتسامة تزور وجهي بلا استئذان، حتى كدت أنسى آخر مرة أثقلني فيها الحزن. ومن قال إن المال لا يصنع السعادة؟ بل يصنعها... حين يرفع عن كتفيك الديون، ويبدد خوف الغد، ويمنحك متسعًا لتتنفس، لا أكثر. أما هي رين... فلم تنقطع يومًا عن ترك علبة الطعام على مكتبي. وفي البداية كنت أتردد في قبولها، أما الآن فقد صرت أتناولها كل يوم. والحق يقال...كانت بارعةً في الطهو. بل إنني أصبحت أترقب، على استحياء، ما ستعده في اليوم التالي. ومع مرور الأيام، أدركت أن لطفها لم يكن شفقةً كما ظننت أول الأمر، بل كان طبعًا أصيلًا فيها. كانت ودودةً مع الجميع، لكنها كانت تفرح صادقًا كلما رأتني أبتسم أو أبدو أقل إرهاقًا. وكان في ابتسامتها شيءٌ يبعث الطمأنينة... وفي حضورها سكينةٌ خفية. وجاءت ليلةُ عيد الميلاد. أما رأس السنة، فلم يكن يفصلنا عنه سوى يومٍ واحد، وكانت أعمال الشركة قد انتهت مبكرًا استعدادًا للعطلة. خرجت من المبنى بصحبة هي رين هذه المرة، بعد أن اكتشفنا بالمصادفة أن منزلها لا يبعد كثيرًا عن منزلي. فقلت لها إنني سأرافقها في الطريق. ابتسمت وقبلت دون تردد. لكن الحقيقة... أن مرافقتها لم تكن السبب الوحيد. فقد كنت أخفي شيئًا أعددته مسبقًا... سرنا جنبًا إلى جنب، والثلج قد بسط وشاحه الأبيض على الطرقات والأسطح، حتى غدت المدينة كأنها غارقة في سكونٍ ناصع. كانت هي رين تلف عنقها بوشاحٍ قاني اللون، يشبه حمرة دم الغزال، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وهي تتأمل البياض الممتد أمامها. قالت في إعجاب: "ما أجمل الثلج..." أومأت برأسي موافقًا، ومضينا نتمشى على مهل، نتبادل أطراف الحديث بين الحين والآخر، حتى اشترينا شرابًا ساخنًا يبدد شيئًا من لسعة البرد. وبينما نحن نسير، استوقفتني واجهة متجرٍ صغير. تعلقت عيناي بها، ثم اتسعتا فجأة. ألات تصوير. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أعتذر منها مسرعًا، ثم اندفعت إلى الداخل. ولم تمضِ سوى دقائق حتى عدت إليها، أحمل بين يدي ألة تصوير جديدة، تعلو وجهي ابتسامة لم أستطع كبحها. نظرت إليّ باستغراب. "ما هذا؟" لم أجبها. رفعت الألة نحوها، وضغطت زر الالتقاط. التفتت إليّ في دهشة، ثم لم تلبث أن ضحكت بخفة. انتظرت حتى خرجت الصورة الورقية من الأله، ثم تناولتها برفق، ومددتها إليها. "تفضلي." تأملت الصورة قليلًا، ثم رفعت بصرها نحوي. "اشتريت ألة تصوير..؟" ابتسمت ابتسامةً عريضة، لم أعرف مثلها منذ زمن. "أجل... من أجل أخي." عقدت حاجبيها في فضول. "أخيك؟" هززت رأسي بحماس، ثم قلت: "غدًا رأس السنة، ومنذ أن كنا طفلين اعتدنا أن نلتقط صورةً معًا في كل عام. في البداية كان ديان هو من يصر على ذلك، ثم... حين مرض، أصبحت أنا من يحرص على ألا تنقطع تلك العادة." نظرت إلى الألة بين يدي، وأكملت بصوتٍ امتلأ دفئًا: "كنت أستعير ألة تصوير من أحدهم كل عام، لأنه لا يستطيع مغادرة المنزل، ولم يكن في وسعي شراء واحدة." ثم ارتفعت ابتسامتي أكثر. "أما الآن... فقد أصبحت أملك ألة تصوير خاصة بي." ربتُّ عليها برفق، كأنها كنز. "سنلتقط صورًا أكثر... لا في رأس السنة وحده، بل كلما مرّ بنا يومٌ يستحق أن يُحفظ. سأوثق معه ذكرياتٍ جديدة... كثيرة." ساد الصمت. رفعت بصري، فوجدت هي رين تحدق إليّ بصمتٍ غريب، وعيناها تغرقان في تأملٍ عميق، كأنها تسمع شيئًا أبعد من الكلمات. أما أنا... فلم يكن في قلبي متسعٌ لشيء سوى الغد. كنت أترقب حلول الصباح بشوق طفلٍ ينتظر عيده. غدًا... سألتقط أنا وديان صورةً جديدة. وسأحرص هذه المرة أن أبتسم فيها بأوسع ابتسامةٍ أملكها. رفعت هي رين رأسها نحوي، وبدا الاضطراب جليًا في عينيها. تشابكت كلماتها على شفتيها قبل أن تخرج بصوتٍ خافت: "سوانغ... أريد أن... أعترف لك بشيء." تنهدت في سري. ...كنت أعلم، أو هكذا ظننت. كانت عنايتها بي، ووجباتها اليومية، وحرصها الذي لم ينقطع... كلها بدت لي علاماتٍ لا تحتمل إلا تفسيرًا واحدًا. والحقيقة...أن قلبي لم يكن خاليًا منها أيضًا. لكن ما قيمة اعترافٍ أعرف سلفًا أنه لن يغيّر شيئًا؟ أنزلت الألة ببطء، ونظرت إليها نظرةً جادة، ثم بادرتها بالكلام قبل أن تكمل: "أعرف... أعرف ما تريدين قوله يا رين، فلا داعي لأن تتعبي نفسك بذكره." توقفت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أثقله الصدق: "وأنا أيضًا... أكنُّ لك المشاعر نفسها." ارتجفت أنفاسي، لكنني مضيت: "غير أن هذه المشاعر وحدها لا تكفي. حتى لو تزوجتك... فلن أستطيع أن أترك أخي، ولن أستطيع أن أضع هذا العبء على عاتقك. وديان لن يستطيع العيش بعيدًا عني، ولا أظنك ستحتملين حياةً كهذه." أطرقت قليلًا، ثم قلت بابتسامةٍ شاحبة: "لذلك... فهذه العلاقة، مهما كانت صادقة، لا مستقبل لها." وسكتُّ لحظة، قبل أن أضيف بصوتٍ يكاد يهمس: "وأقسم لك... لو كان للحكاية طريقٌ آخر، لسلكته دون تردد." ابتلعت هي رين كلماتها، وظلت صامتة. ثم أطلقت زفرةً طويلة، تصاعد بخارها الأبيض في هواء الشتاء البارد. لم أدرِ ما الذي يدور في نفسها، لكنني كنت أعلم أن سماع هذا ليس هيّنًا. أدخلت يدي في جيب معطفي، وأخرجت كيسًا ورقيًا صغيرًا، تزينه أشرطةٌ بسيطة، ثم مددته إليها. "تفضلي." نظرت إليّ في حيرة. قلت مبتسمًا برفق: "اعتبريها هدية شكر... واعتذار." أطرقت تستمع، فتابعت: "شكرًا على وجبات الطعام التي كنت تتركينها لي كل يوم. لقد كانت لذيذة بحق." ثم خفت صوتي قليلًا. "وأعتذر عن ذلك اليوم... كنت فظًّا معك. لم يكن الذنب ذنبك، لكن الحديث عن أخي... أمرٌ شديد الحساسية بالنسبة إلي." ثم انحنيت لها انحناءةً خفيفة. "شكرًا لك يا هي رين... على كل شيء." تناولت الهدية بكلتا يديها. وللحظة، احمرّ خداها حتى غلب لونهما حمرة الشتاء. ابتسمت وأنا أنظر إليها، كم كانت جميلة... وكم هو مؤلم أن يسلّم المرء بما لا يريد. لكن...القدر ماضٍ، والرضا به أهون من مطاردة أمنيةٍ يعلم القلب أنها لن تكتمل. وما هي إلا لحظات، حتى ارتطمت أولى قطرات المطر بالأرض. رفعت رأسي إلى السماء متعجبًا، وما لبثت أن عقدت حاجبي في ضيق. "...إنها تمطر." لم تخطئ هي رين ما ارتسم على وجهي من انزعاج، فضحكت ضحكةً خفيفة، ثم قالت وهي ترمقني بطرف عينها: "ما بال هذه الملامح؟ أولا تحب المطر؟" التفتُّ إليها، ثم أجبت من غير تردد: "بل أمقته." سكتُّ لحظة، ثم أتبعتُها بنبرةٍ هادئة: "ولم أفهم يومًا ما الذي يجده الناس فيه ليستحق كل هذا الإعجاب." اتسعت ابتسامتها، وانفلتت منها ضحكةٌ أوسع، كأن جوابي كان أطرف مما توقعت. وقبل أن أعلق، انهمر المطر فجأةً انهمارًا غزيرًا، حتى غدت السماء تصب ماءها دفعةً واحدة. ولم يكن مع أيٍّ منا مظلة. أسرعنا نعدو حتى احتمينا بسقيفة أحد المحال التجارية، نتنفس أنفاسًا متلاحقة، بينما كانت قطرات المطر ترتطم بالأرض بعنف، فتتناثر حولنا كحبات اللؤلؤ. ولحسن الحظ، كان المحل يبيع مظلات. تقدمت نحوه على الفور، غير أن صاحب المتجر اعتذر بأسف؛ فقد نفدت معظم المظلات مع ازدياد الأمطار في هذا الموسم، ولم يبقَ لديه سوى واحدة. تبادلتُ ورين نظرةً قصيرة. ثم، من غير خيارٍ آخر... فتحنا المظلة الوحيدة. وانتهى بنا الأمر نسير تحتها معًا، كتفًا إلى كتف، بينما كان المطر ينسكب من حولنا بلا هوادة، ويغسل المدينة بأسرها. سرنا تحت المظلة بخطى هادئة، بينما كان المطر يجلد الطرقات بلا رحمة. وفجأة...توقفت قدماي. ديان!! اتسعت عيناي، وشعرت بأن الدم قد انسحب من وجهي. التفتُّ إلى رين مذعورًا، وخرج صوتي متقطعًا: "هي رين... ديان... أخي... إنه يخاف من المطر! علينا أن نسرع!" ولم أنتظر جوابها. انطلقنا نركض بين الشوارع، غير عابئين بالمطر الذي كان يغمرنا شيئًا فشيئًا، حتى بلغنا منزلي ونحن نلهث. التفتُّ إليها على عجل. "انتظريني هنا... سأطمئن عليه وأعود حالًا." لم أمنحها فرصةً للرد، بل دفعت الباب ودخلت مسرعًا. الغريب...أن المنزل كان ساكنًا، ساكنًا على نحوٍ أرعبني. كنت أتوقع أن أسمع صوته يناديني، أو أراه جالسًا في مكانه المعتاد، لكن الصمت وحده كان يستقبلني. "ديان!" لم يجب أحد، فأتجهت إلى غرفة الجلوس... ليست هناك، إلى المطبخ... ليس هناك، غرفته...فارغة. بدأت أنفاسي تضيق. ركضت إلى غرفتي، ثم إلى الحمام، وأخذت أفتش كل زاويةٍ في المنزل، وأنا أناديه مرةً بعد أخرى. "ديان!" "ديان، أين أنت؟!" لا أثر..لا شيء. كأن الأرض ابتلعته!! تجمدت للحظة، ثم اندفعت خارج المنزل كالمجنون. كانت هي رين لا تزال تنتظر تحت المطر، وما إن رأت وجهي حتى تبدلت ملامحها. اقتربت مني بسرعة. "سوانغ... ماذا حدث؟" خرجت الكلمات من حلقي متكسرة، يكاد الذعر يخنقها: "أخي... ديان... ليس في المنزل." ازدادت أنفاسي اضطرابًا. "اختفى!! لا أعرف أين ذهب... أين يمكن أن يكون؟!" ساد الصمت لحظة، ثم تماسكت رين، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا رغم توترها: "لا بأس... سنجده. سأبلغ الشرطة حالًا." حدقت إليها غير مصدق. ...الشرطة؟ أحقًا تظن أن الأمر يحتمل الانتظار؟ ديان ليس رجلًا ضل طريقه فحسب. إنه مريض... يعيش في عالمٍ لا يشبه هذا العالم. وقد يركض خلف وهم، أو يثق بغريب، أو يقف وسط الطريق غير مدركٍ للخطر. كل دقيقةٍ تمر قد تبتلعه أكثر. هززت رأسي بعنف. "لن أنتظر!!" ثم اندفعت أركض تحت المطر بلا وجهة، لا أسمع سوى صوت أنفاسي المضطربة. وخلفي، ظل صوت هي رين يلاحقني وهي تناديني مرارًا... لكنني لم ألتفت، لم يكن في قلبي متسعٌ لشيء... إلا أن أجد ديان. كان عقلي يفتش بجنون عن أي مكانٍ يمكن أن يكون قد ذهب إليه، مكانٌ يعرفه... مكانٌ يشعر فيه بالأمان... ثم توقفت أفكاري فجأة. المدرسة!! مدرستي القديمة. تذكرت كلماته...لطالما كان يرى نفسه مسؤولًا عني، وليَّ أمري، كأنني ما زلت ذلك الطفل الصغير الذي يحتاج إليه. ربما...ربما ذهب إلى هناك. "ديان..." خرج اسمه من بين شفتي كدعاء. "أرجوك، كن هناك." لكن الطريق بدا أطول من أي وقتٍ مضى. كان المطر يهطل بغزارة، والرياح تعصف بقوة حتى كادت تدفعني إلى الخلف. ابتلت ملابسي تمامًا، وتسللت برودة الماء إلى عظامي، لكنني لم أشعر بشيء سوى الخوف..الخوف من أن أصل متأخرًا. الخوف من ألا أجده. تبًّا... كان المطر يهطل كأن السماء قد فتحت أبوابها دفعةً واحدة، والرياح تعصف بعنفٍ حتى خُيّل إليّ أنها تحاول إيقافي، أن تمنعني من الوصول إليه. تبًّا لي... أنا من فعل هذا. عادت إلى ذهني، وسط ذلك الجنون، ملامح هي رين الهادئة. لم تبدُ خائفة كما كنت. لم أرَ في عينيها ذلك الرعب الذي كان يمزق قلبي. وبالطبع...ديان لا يعني لها شيئًا. كيف لها أن تفهم؟ كيف لها أن تدرك أن غيابه ليس مجرد غياب شخصٍ من المنزل؟ هو... هو عالمي كله. أنا من أخطأت. أنا من توهمت أنني أستطيع أن أمد يدي لحياةٍ أخرى بعيدًا عنه. فضّلت الخروج. فضّلت الضحكات التي افتقدتها طويلًا. فضّلت تلك الساعات القليلة التي شعرت فيها أنني إنسانٌ عادي، أعيش كما يعيش الآخرون... وتركت ديان خلفي. تركت الشخص الوحيد الذي لم يتركني يومًا. ديان... ذلك الذي كان يفرح لأجلي بصدقٍ لا يشوبه شيء. ذلك الذي كان سيبتسم أكثر مني حين أخبره أنني أصبحت مديرًا. ذلك الذي لم يطلب مني شيئًا في هذه الحياة... إلا أن أبقى بجانبه. حتى طلبه البسيط... أن نخرج معًا ونتناول المثلجات... لم أحققه.. يا إلهي...!! أيُّ أخٍ أنا؟! أنا آسف يا ديان. آسف. لقد كنت مغرورًا. ظننت أنني حين آخذ لنفسي لحظاتٍ قليلة، لن يحدث شيء. ظننت أن العالم سيبقى كما هو حتى أعود. لكنني نسيت... أن عالمي كله كان مرتبطًا بك. فقط... فقط كن بخير. أرجوك. أعدك...أعدك أنني لن أكررها أبدًا. يا ديان... صحيح أنني تمنيت يومًا أن أعيش قليلًا. أن أضحك دون خوف. أن أعرف كيف تكون الحياة حين لا يكون المرء غارقًا في المسؤوليات حتى يغيب عن نفسه. لكن ذلك لم يكن يعني أبدًا أنني أريد أن أفقدك. لم أرد حياةً أتنفس فيها وحدي. ولم أرد سعادةً لا تكون أنت جزءًا منها. فإن كانت لي سعادةٌ واحدة في هذا العالم... فهي أنت. كنت أركض بكل ما بقي في جسدي من قوة، وقلبي يخفق بعنفٍ حتى خُيّل إليّ أنه سيخرج من صدري. كان البرد ينهش أطرافي، والهواء المتجمد يلسع رئتي، والمطر يثقل خطواتي ويغرق وجهي... لكنني لم أشعر بشيء، لم أعد أسمع هدير المطر، ولا عواء الرياح، ولا ضجيج العالم من حولي. لم يبقَ في داخلي سوى صوتٍ واحد. دعاءٌ متشبثٌ بالأمل. أن يكون ديان بخير. أن أجده. أن أصل إليه... قبل أن يضيع مني. بلغت مدرستي القديمة. لكن... كما توقعت، كانت البوابة موصدة. وقفت أمامها للحظات، أحدق في ذلك المكان الصامت، وكأنني أنتظر أن يظهر ديان من خلفها فجأة، أن يبتسم لي ويخبرني أن كل هذا الخوف لم يكن سوى وهمٍ عابر. لكن لم يكن هناك أحد. لا صوت، لا حركة، لا أثر لديان. بدأ قلبي يفهم قبل عقلي. أين ديان؟ أين يمكن أن يكون قد ذهب؟ لا... لا، هذا مستحيل. لا يمكن أن أفقده هكذا. ارتجفت أنفاسي، وغامت عيناي، ثم خانتني ساقاي فسقطت على ركبتي وسط الطريق. كان المطر يغمرني، وملابسي التصقت بجسدي من شدة البلل، لكنني لم أشعر بالبرد، لم أشعر بأي شيء. سوى ذلك السؤال الذي كان ينهشني: هل... هل فقدته حقًا؟! لا أعلم كيف عدت. وجدت نفسي أسير في الطرقات بخطواتٍ بطيئة، شاردة، كأن جسدي يعرف الطريق وحده، بينما بقيت روحي عالقةً في تلك اللحظة. لم يعد هناك شيء يعني لي شيئًا. لا الترقية، لا المال، لا تلك الأيام القليلة التي ظننت أنني بدأت أستعيد فيها حياتي. كل ما كان يدور في رأسي... كم كنت ساذجًا. انخدعت بلحظاتٍ مؤقتة من السعادة، ظننت أنني أستحق أن أعيش قليلًا بعيدًا عن التعب، فنسيت ما كان أثمن من كل شيء. نسيت الشخص الذي لم ينسني يومًا. الشخص الذي كان ينتظر عودتي. الشخص الذي كان سيفرح بترقيتي أكثر مني. الشخص الذي لم يطلب مني سوى أن أبقى إلى جواره. ديان... لقد خسرت. هذه المرة...خسرت حقًا. وبينما كنت أعبر الطريق، غارقًا في أفكاري، دوّى رنين هاتفي فجأة، توقفت للحظة، ثم أخرجته. هي رين. اتسعت عيناي. مهلًا... هل يمكن أن تكون قد وجدته؟ هل عثرت على ديان؟ تعلقت بذلك الاحتمال الصغير بكل ما بقي لدي من أمل، وأجبت بسرعة، وقلبي يرفع دعاءً صامتًا أن أسمع منها ما يطمئنني. "هي رين!!" جاء صوتها من الطرف الآخر مضطربًا، وكأنها تحاول أن تخبرني بأمرٍ عاجل: "سوانغ... عليّ أن أخبرك بشيء! إن ديانغ جو قد- ثم...توقف كل شيء. لم أرَ سوى ضوءٍ قوي يقترب مني، مصابيح شاحنةٍ مسرعة. لم أملك حتى لحظةً لأفكر، ثم دوّى صوت ارتطامٍ عنيف. ووصل صداه إلى أذني، ممتزجًا بصرير المطر وصمت العالم من حولي. كنتُ ملقى على الأرض، أتحسس رأسي بيدٍ مرتجفة، منتظرًا ذلك الألم الذي ظننت أنه سيشق هامتي... لكن لم يكن هناك شيء. لا جرح، ولا دم، ولا حتى خدش. كنتُ سليمًا. رفعتُ بصري ببطء...فتوقفت أنفاسي. كان ديان هو الملقى أمامي، غارقًا في بركةٍ من دمه. في اللحظة الأخيرة... دفعني بعيدًا، وتلقى الضربة عني. مرةً أخرى... حماني. كلا...لا... لا يمكن. تزحفت نحوه بجسدٍ أنهكه الرعب، حتى بلغته، ثم ضممته إلى صدري بكل ما بقي فيّ من قوة، وكأنني أخشى أن يخطفه الموت من بين ذراعي إن أرخيت قبضتي لحظة. "ديان...!" خرج اسمه ممزقًا من أعماقي. "ديان... أجبني... أرجوك، افتح عينيك...!" كان الدم الدافئ يتسرب بين أصابعي، يلطخ كفيّ وثيابي، وكلما حاولت أن أوقفه ازداد انسيابًا، وكأن الحياة تنزلق منه أمام عيني، وأنا أعجز عن الإمساك بها. انهمرت دموعي بلا إرادة، وسقطت فوق وجهه الشاحب. "لا تمت..." اختنق صوتي، حتى كدت أعجز عن نطق الكلمات. "أرجوك... لا تمت بسبب حماقتي." ضممته إليّ أكثر، وقد أخذ جسدي كله يرتجف. "لماذا...؟" "لماذا ينتهي الأمر بك دائمًا وأنت من يضحي لأجلي؟" "أنا من كان ينبغي أن يتلقى تلك الضربة..." "أنا... لا أنت." ارتجف جفناه قليلًا، ثم فتح عينيه بصعوبة. كان بصره غائمًا، كأنه ينظر إلى العالم من وراء ضبابٍ كثيف، ومع ذلك... ما إن وقعت عيناه عليّ حتى هدأ وجهه. حاول أن يتكلم، لكن أنفاسه المتقطعة خانته. ثم رفع يده ببطء، حتى خلت أنها لن تبلغني، ووضع إبهامه المرتجف أسفل عيني، يمسح دموعي بحنانٍ مألوف، كما كان يفعل كلما رآني أبكي وأنا طفل. وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ واهنة... ابتسامةٌ لم ينجح الألم، ولا الدم، ولا الموت نفسه في انتزاعها. همس بصوتٍ خافت، يكاد يتلاشى مع أنفاسه: "سوان..." توقفت الكلمات في حلقه، ثم عاد يهمس بعد جهدٍ مرير: "لقد... كبرت حقًّا." أخذ يتأمل ملامحي طويلًا، كأنه يحاول أن يحفظها للمرة الأخيرة. "أصبحت... وسيمًا." تجمدتُ. اتسعت عيناي، وغاب عني كل ما حولي. لقد...رآني. لم يرَ ذلك الطفل العالق في ذاكرته منذ سنوات. لم ينادني باسمي القديم، ولم يحدق في ماضٍ لم يعد موجودًا. لقد رآني كما أنا... رجلًا. قبضتُ على يده بكلتا يدي، وألصقتها بخدي، وكأن دفأها هو آخر ما يربطني بالعالم. "أجل..." خرج صوتي متهدجًا بين شهقات البكاء. "لقد كبرت يا ديان..." "لكن... أرجوك." "ابقَ معي قليلًا." "تماسك... من أجلي فقط." ابتسم، ابتسامةً هادئة، مطمئنة، كأنها كانت معدّة لهذه اللحظة منذ زمنٍ بعيد. ثم قال بصوتٍ خافت، أخذ يذوب مع آخر أنفاسه: "لم تعد..." وسكت برهة، ثم أكمل بصعوبة: "...بحاجةٍ إلى رعايتي بعد الآن." ما إن سمعت كلماته، حتى شعرت وكأن شيئًا انكسر في أعماقي. كلا... لا!! رفعت رأسي إليه، ثم انفجرت صارخًا بكل ما بقي في صدري من صوت: "كلااا...!" "ما زلتُ بحاجةٍ إليك... بل أنا اليوم أحوج إليك من أي وقتٍ مضى." "أرجوك... لا تتركني." "ابقَ معي... أرجوك يا ديان." "أرجوك..." كنت أرددها وأنا أحتضنه بقوة، كأنني أستطيع بذراعيّ أن أُبقي روحه حبيسة جسده. توسلت إليه، وبكيت، وهززته مرةً بعد أخرى، علّه يفتح عينيه، أو يجيبني بكلمة، أو حتى يوبخني كما اعتاد أن يفعل. لكن... لم يحدث شيء.. ظل وجهه ساكنًا، وابتسامته الواهنة تستريح على شفتيه، كأنها آخر ما أراد أن يتركه لي. وضعت يدي المرتجفة على صدره، أترقب خفقةً واحدة، ثم تحسست عنقه باحثًا عن نبضٍ يأبى الرحيل. عبثًا... لم يكن هناك سوى صمتٍ ثقيل. لم يعد يتنفس. توقفت يداه عن الدفء، وغادرت الحياة جسده، بينما بقيت أنا أعانق جسدًا لن يعانقني بعد اليوم. انهمر المطر فوقنا بغزارة، يختلط بدموعي ودمائه، حتى عجزت عن التمييز بينهما. وفي تلك اللحظة... أدركت الحقيقة التي ظللت أرفض تصديقها. تحت ذلك المطر... وبين ذراعي... فقدت أخي.
22 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!