

سلسلةُ المُعاناةِ لاتنتهي مهما ادَّعى الإنسانُ تجاوُزها بل تبقى معه، تُهدهِدُه في منامِه، في قيامِه، في مسيرِه، كُلُّ خُطوة هي بوابةٌ نخوضُها نحو الماضي، نتجرَّعُ ألمَ الذِّكريات، تنهشُ أعماقنا دونما رحمة ونتمنَّى اقتلاعها، لكِنَّ الذِّكريات ليست شيئًا ملموسًا، ليسَت شيئًا تستطِيعُ اقتلاعَهُ ببساطة، لأنَّ اقتلاعكَ له يعني أنَّكَ تقتلِعُ جُزءً من نفسِك أو أسوأ عِندما تكونُ الذِّكرياتُ المُؤلِمة هي كُلُّ ما أنتَ عليه. فكيفَ تقتلِعُ نفسَك مِن نفسِك؟ «ماضٍ في الماضي» هي روايةٌ كتبتُها بروحِ قارِئة، هي شيءٌ اردتُ قراءتهُ بشِدَّة ولم أستطِع إيجادها إلَّا برأسي المُكتَظ، وأردتُ إخراجها بهدَفٍ بذِهني. أن أعودَ إليها لأقرأها لا لأُعدِّلَها، أن أعودَ إليها فتغسِلَ رواسِبَ الحُزنَ من على روحي، «ماضٍ في الماضي» هي قِصَّةُ حُب لكِن ليسَ بالمعنى الرومانسي، هي الحُبُّ الإنساني الذي يُنجِيكَ من ضبابِ النِّسيان وهاوِيةِ الذَّاكِرة. أردتُ كِتابةَ رواية لاتدورُ حولَ أبطالُها قِصَّةٌ رومانسيَّة ومع ذلك أُحافِظ على قارِئي قدرَ الإمكان. فقَط لأنَّ الأبطالَ الرئيسيين لا يعيشونَ الحُبَّ الرومانسي لا يعني بأنَّ الشخصيَّات الأُخرى ستفِرُّ مِنه. في هذهِ الرِّواية حاولتُ أن أكتُبَ ما أكرهُ كِتابته وما أُحِبُّ قِراءتَه وكانت النتيجة شيئًا أفخرُ بِه رُغمَ كُلِّ شيء. ♡. تنبيهٌ آخَر: هذهِ الرِّواية تقَع تحتَ تصنيفِ العاطِفيَّة لأنَّ غايتها النَّفسُ البشريَّة، تصنيفاتُها الثَّانويَّة هي الإجتماعيَّة والخيال لأنَّ العالمَ الذي تجري به قِصَّتُنا بقدرِ ماهو مألوف بقدرِ ماهو مُختلِف. ♡. أُريدُ أن أُضيفَ شيئًا آخَر، رُغمَ أنَّ أغلبَ أبطالِ هذهِ الرِّواية أطفال إلَّا أنَّها موجَّهةٌ عمومًا للبالِغين. لهؤلاء الذينَ عاشوا تحتَ ظِلِّ الإهمال والتعنيف، ولمن تعرَّضوا لإعتداءات لفظيَّةٍ وجسديَّة وما سواها من الأقربين والغُرباء، لهؤلاء الذينَ عاشوا تحتَ ظِلال الألَم وبقيت أفواههم محشورَةً بطِينِ العيب والتقاليد. لستُ طبيبةً نفسيَّة، ولا أملِكُ إلَّا قلمي كي أرفعَ شيئًا عنهُم إن كانَ بيدي ذلك، «ماضٍ في الماضي» كانت رِحلةً ثقيلة غايتي بها كانت أن أرفعَ ثقلًا عن قلوبٍ أنهكها الصَّمت. أهلًا بِكُم. _ .•.•●•.•.•○|| الإهداء ||○•.•.•●•.•. «إلى من غفَت بجانِبهم الدُّموع» . .♡.1.♡. صوتُ التصفِيقِ يعلُو بعدَما ألقى زاك كريستُوف خِطابه. يدعونَهُ بالكثيرِ، الطالِبُ النَّابِغة، الطِفلُ المُعجِزة، الأُعجوبة، فتىً عبقرِي، مدعاةٌ لفخرِ أهلِه، بينما هو يقِفُ خلفهُ على المسرح يُجعِّدُ ورقته ويشعرُ إلى أيِّ مدًى هو صغِيرٌ أمامه. يُلقِي نظرَةً نحو الجُمهور حيثُ يقبُعُ والِديه بفغرٍ فاه، مُؤكَدٌ يتمنُّون لو أنَّ زاك إبنَهُم بدَلَاً عنه، يزدادُ شُعورُه بالدُّونية ويتمنَّى لو يزولُ إلى عدَم فلا يُصبِحُ مُشكِلَةً لأحد، لا لنفسِه ولا لوالِديه. «والأن سيُلقي الطالِب لي هوانغ قصيدةً على أسماعِنا.» انتفضَ جسَدُه، هذا إسمُه! نظرَ إلى الورَقةِ المُجعَّدة وإلى السُطورِ القليلةِ فيها، مجرَّدُ بضعةِ سطور سيقرؤها ويعودُ مكانه، بلعَ رِيقه وتقدَّم وهو يمشِي بتثاقُلٍ نحو مُقدِّمَةِ المسرَح. رفعَ وجهه نحو الجُمهور تحدِيدًا والِدِيه ثُمَّ عادَ لورَقتِه بيدٍ مُرتجِفة : ه.. هل.. تعلَم... بأنَّ... «ما بِهِ يتكلَّمُ هكذا؟» «هل يشكُو مِن شيء؟» «ألدِيهِ رُهابٌ ما؟» «الفتى قبله كانَ أكثرَ فصاحه.» كانت أصواتُهُم تخترِقُ طبلَةَ أُذُنِه، وتزِيدُ شُعورَهُ بالتوتُّرِ والإعياء، يداهُ ترتجِفانِ أكثرَ فأكثَر، الكلِمات بدأت تطفُو مِن على الورقة بل تتضاعَف فلا يكادُ يُميِّزُها، ما عادَ يستطِيعُ الرؤية، فازدادَ رُعبُه، هل أصبحَ أعمى! «لي!» رفعَ لي وجههُ حِينئِذ ليُدرِكَ بأنَّ دُموعَه هي ما كانت تحجُبُ الرؤية. كانَ أُستاذُه ينظُرُ نحوهُ بقلَق: هل أنتَ بخير؟ هل نُؤجِّلُ الفقرة؟ ابتسَمَ لي بمرارة، لا مكانَ للتأجِيل، لقد اختارَ ذلكَ الوقت بالتحديد كي يكونَ والِداهُ حاضِرينِ لمُشاهدَتِه الأن ما عادَ للأمرِ فائِدة: لا أظُنُّ بأنَّني قادِرٌ على ذلك... نظرَ نحوهُ الأُستاذُ بإشفاق ليقُول: سأُعطِي الفقرةَ لزاك. أغمَضَ عينيه وهو يكتُمُ دُخانَ قلبِه: إفعَل ما تشاء. و غادَرَ المسرح. .♡.2.♡. «أهذا ما تركتُ عمَلِي لأجلِه؟ قُلتِ بأنَّكِ علَّمتِهِ جيِّدًا!» «لقد علَّمتُه، إنَّما لم يكُن مُنتبِهًا!» «أو علَّكِ لستِ مُعلِّمَةً بارِعة.» «ماذا قُلت؟!» بينما يصرُخُ والِديهِ بالهواء كانَ لي ينظُرُ بطرفِ عين إلى ذلكَ الطِّفل الراكِضِ إلى أحضانِ والِدَتِه، فتفتحُ لهُ ذِراعِيها وتقولُ له بصوتٍ مسمُوع: بُني، أنا فخورَةٌ بِك! على أيِّ أساسٍ تفخَرُ بِه؟ يتذكَرُ ذلكَ الطِفل، كانَ محضَ مُمثِّلٍ بالخلفيَّةِ في المسرَح لم يفعَل شيئاً عظِيمًا فلِماذا؟ لِماذا لا يحظى بهكذا أمر، لِماذا لا يبتسِمُ والِدُهُ بوجهِه؟ لِماذا لا تُعانِقُه والِدَتُه وتُخبِرُه كم أنَّها فخورَةٌ بِه؟ لِماذا حياتُهُ ناقِصه؟ حِينها وقعَت عيناهُ على زاك، مُؤكَدٌ ينتظِرُهُ احتفالٌ كبيرٌ في المنزِل كونُ هذا النَّابِغة ينتمِي إليهم. تنهَّدَ بأسى ليسمَعَ والِده: عُمومًا، لقد أضعتُ وقتي على لا شيء، سأذهَبُ لعمَلِي. وغادَر، في حِينِ بقيَت والِدَتُه تنظُرُ نحو أثارِه حتى اختفى لتقولَ بغيظ: كلُّهُ بسببِك، ألا تُجِيدُ شيئًا عدا الفشَل؟! أخفضَ رأسهُ بوجَل: أ-أنا أسِف__ قاطعته بوجهٍ حانِق: أُسكُت! أينَ كانَ صوتُكَ على المسرحِ آنذاك؟ إن كانَ لن يخرُجَ مِن فمِكَ شيءٌ مُفيد فلا تتحدَّث إطلاقًا! بأُعجوبة استطاعَ مُغالبةَ الدُّموعِ مِن الهُطول في حِينِ تنهَّدَت والِدَتُهُ قائِلة: على الأقل فليقترِح إيصالِي، أنا لديَّ عمَلٌ أيضًا! وقفا أمام الرصيف بإنتظارِ سيَّارةِ الأُجره لتقعَ عيناه على البُقعةِ المُظلِمةِ مِن الحي حيثُ يقبُعُ قصرٌ تلوَّنَ بالسَّواد، يُقالُ أنَّ صاحِبَهُ السابِق قد هجره لأنَّهُ ملعُون ومع ذلك وجدَ ذلكَ القصر لنفسِه ساكِنينَ جُدد لا يشكونَ من ماضيه وتاريخه. أهذا ما أصبحَ عليهِ حالُه، يغارُ من مبنى؟ صوتُ بوقِ سيَّارةِ الأُجرَةِ أجفله فركضَ للدَّاخِل ليسألَهُما سائِقُ الأُجره: أينَ آخُذُكُما؟ أجابته: خُذنِي إلى مدرسة «إكليبس» و خُذ الصبي إلى ذلكَ العنوان. وأعطتهُ ورقةً سُجِّلَ بِها عُنوانُ المنزِل لتتسِعَ عينا سائِقِ الأُجرةِ بالذُّهول لتركِها طِفلها مع غريب، توقَّفَ عِندَ المدرسة ونزلَت وأغلقَت البابَ خلفها لتنفِضَ فُستانها كمَن تخفَّفت مِن حِمل ليسألهُ السائِق: والِدَتُك؟ ما زالَ يكتُمُ الحسرةَ بقلبِه: والِدِتي. .♡.3.♡. كانَ زاك سعِيدًا لحُصولِه على إذنٍ بالخُروجِ الباكِر، لا يُطِيقُ صبرًا لإبلاغِ أختِه وزوجةِ شقيقِه بخبَرِ تكريمِه في الغد. لُحسنِ حظِّه منزِلُهُ ليسَ بعِيدًا عن المدرسة، كانت خُطواتُه تُسابِقُ الريحَ جريًا، حتى توقَّفَ عِندَ حديقَةِ المنزِل وهو يلمَحُ شعرَ شقيقتِهِ المُجعَّدَ المنكُوش الذي مهما مُشِّط فهو يعُودُ إلى هيئَتِه المُشعثة بعدَ ساعتِينِ مِن تمشِيطِه، لكِن لسببٍ ما بدَت تلكَ النكشةُ مُختلِفة، بل الطريقةُ التي كانت عليها أُخته، كانت جالِسةً القرفصاء ومُنكمِشةً على نفسِها. اقترَبَ نحوها، أُختُهُ ذاتُ الخمسةِ أعوام لا تخرُجُ للحديقةِ لوحدِها دونَ رقابةِ زوجَةِ أخيه أو أخيه عِندما يأتي عادةً مِن عمَلِه باكِرًا، ناداها: سيلينا! انتفضَت، لتلتفِت نحوه بوجهٍ مُحمَر وعينانِ مُبلَّلتانِ بالدُّموع، شعرَ بقلبِهِ يذوِي: ماذا حدَث؟ أينَ هي ميرا؟ حِينها أجهشَت بالبُكاء وهي تتكلَّمُ بسُرعة بينَ الشهقَةِ والأُخرى : أردتُ أخذَ كِتابٍ__ أعلى الرف__ لكِنَّني__ كِدتُ أسقُط__ فتمسَّكتُ باللرف__ تمسَّكتُ بقوَّة__ حتى سقطَت المسامِير! اتسعَت عيناهُ بجزَع: يا إلهي! سيلينا ببُكاءٍ حاد: أنقذتني ميرا__ لكِن وقعَ الرفُّ فوقَها... هُناكَ... هُناكَ دِماءٌ في كُلِّ مكان! وغطَّت وجهها في حِينِ ركضَ زاك إلى الدَّاخِل وهو يرى الرفَّ على الأرض والدَّماء تسيلُ مِن تحتِه، توجَّهَ فورًا إلى هاتِف المنزِل واتصلَ بالإسعاف. لم يستطِع رفع الرف كانَ أثقَلَ مما كانَ يستطِيع جسَدُه ذو الثمانيةِ أعوامٍ رفعه، يُفترَضُ بِه أن يكونَ خائِفًا، يتسمَّرُ خوفًا في حِينِ يتولَّى الكِبارُ حملَ مسؤوليَّتِه، لكِن في حالتِهِ تلك لا أحدَ كبيرًا غيرَه، هو من عليهِ تحمَّلُ المسؤولية، هو من عليهِ أن يكونَ سيِّدَ البيت بغيابِ شقيقِه الأكبَر__ شيئًا فشيئًا ارتفع الرف فاستغرَب تِلكَ القوَّةَ الهائلة التي صدرَت مِنه، عدا أنَّها لم تكُن مِنه بل مِن رجُلٍ غريبٍ دخلَ منزِله: من أنت!؟ حِينها تقدَّمَت سيلينا إلى أخيها: طلبتُ المُساعدة مِن أحدِ الجِيران__ لكِنَّها توقَّفَت عن الكلام حِينما رأت جسدَ زوجةِ أخيها مسحوقاً إبانَ الثِقَل فأُغمِي عليها على صدى صوتِ الإسعاف، في حِينِ لم يستطِع زاك إزاحة عينيه عن جُثَّةِ زوجَةِ أخيه ونظراتِ الرجُلِ الغامِضَةِ وكأنَّهُ مُعتادٌ على تِلكَ المناظِر. عليهِ أن يُخبِرَ شقيقَهُ الأكبَرَ بسُرعة! .♡.4.♡. كانَ مُستلقِيًا على بابِ غُرفتِه يُحدِّقُ باللاشيء، يُفكِّرُ بلاشيء، يُحاوِلُ أن يشغلَ نفسهُ عن شيءٍ عدا انهمارِ دُموعِهِ الوشِيك. حقُّهُ بالبُكاء قد سُلِبَ مِنه، فلا شيء يُعكِرُ مِزاجَ والِديه أكثرَ مِن مياهٍ لا تصلُح للشُربِ أو الغسِيل، حتى وهو في غُرفتِه، وحدهُ بالمنزِل تُلاحِقُه الذكرياتُ كشلالٍ مِدرار، يُعطِي ويُعطِي مِن بحرِ كمدِه دُونَ انتهاء. مسحَ دُموعَهُ الوشيكه: أنا رجُل.. دُموعِي غالية.. لا أبكِي إلَّا على الشدائِد. لكِنَّهُ لم يكُن رجُلًا، بل محضَ طِفل، و دُموعُهُ حتمًا غالية ولا أشدَّ مِن قسوةِ والِديه. انتفضَ عِندما سمِعَ طرقَ الباب: خمسُ دقائِق على موعِدِ العشاء. ابتعدَ عن البابِ بجزَع، متى عادا؟! نظرَ نحو الساعة وأدركَ بأنَّها تجاوزَت السادِسةَ مساءً، اتسعَت عيناهُ ضِيقًا ودهشة، هل بقي سِتَّ ساعاتٍ يُحملِقُ باللاشيء؟! وقبلَ أن يخونَهُ إحساسُهُ بالوقت، ركضَ إلى غُرفةِ الجُلوس حيثُ تقبُع المائِدةُ بإنتِظارِه وكذلكَ والِداه اللذانِ بدآ بالأكل غيرَ عابِئينَ بِه، جلسَ على كُرسِيِّه و تناولَ طبقه، على الأقل لم ينسوه. استقرَّ وسَطَ المائدة سلَّةٌ من الخزَف احتضنَت بجوفِها ثلاثَ برتقالات لا يأكُلُها أحَدٌ في البيتِ سواه، والِدَتُه تضعُ البرتقالات دونَ أن تتناولها وتنظُرُ لها بإمتعاض وكأنَّها قتلَت عزيزًا عليها ووالِدُه لا يُحِبُّه، ولكي يُعفي البرتقالات من نظراتِ والِدَتِه ومن أن تتعفَّن كانَ يأكُلُ واحِدَةً نهاية كُلِّ وجبة. أخذَ يتناولُ الأُرز، يأكُلُهُ بتلذُّذٍ جم، لطالما كانت والِدَتُه بارِعةً بالطبخ: أُمِّي ، طبخُ__ رمقتهُ والِدَتُه بإمتعاض: ألا يُمكِنُكَ الأكلُ دُونَ افتعالِ تِلكَ التعابير، أنت تُفقِدُني شهيَّتِي! فجأةً، الطعامُ اللذيذ أصبحَ بِلا طعم، هزَّ رأسهُ بإستسلام: حاضِر. لم يستطِع حتى بلعَ لُقمتِه فارتشفَ الماء، بالكاد، بالكادِ استطاعَ أن يأكُل، و كم أرادَ حِينها أن يُغادِر. لكِن مِن الوقاحة مُغادَرةُ المائِدة ووالِداهُ لم يُنهِيا طبَقَهُما بعد، فأخذَ يغصَبُ نفسَهُ على الأكل، شعرَ بغصَّةٍ جديدة، لكِنَّ الماءَ نفِذ ولم يستطِع أن يطلُبَه فلِكُلٍّ حِصَّتُه مِن الماء والطعامِ على المائِدة. لترمُقَهُ والِدَتُه: ما بِك؟ انهِي طعامَك. جاهدَ نفسه كي ينتهِي وحمَلَ أطباقهُ إلى المِغسَلة ليسمعَ سؤالَ أبيه: ذلكَ الفتى زاك كم عُمرُه؟ شعرَ بثقَلٍ يُضافُ إليهِ مع الطعامِ الذي أكَله: ثمانِ سنوات. سمِعَ ضحكةَ أبيهِ المُتهكِّمة: ثمانِ سنواتٍ يغلِبُك بالفصاحة وأنت إبنُ الإثني عشرةَ سنة؟ أخذَ لي يفرُكُ صحنهُ بحِدَّة: هو أُعجوبة! والِدُه بذاتِ التهكُّم: إذا كانت القِراءةُ والكِتابةُ أُعجوبة فكُلُّنا أعاجِيب... حسنًا، بعضُنا كذلك. شعرَ بكلِماتِ أبيه كطعنةٍ برُوحِه: أنا أُجيدُ القِراءةَ و الكِتابة. والِدُه بسُخرية: لم أرى ذلك. وضعَ الأطباقَ داخِلَ السلَّة وجفَّفَ يديه: كُنتُ مُتوتِّرًا__ حِينها صرخَ والِدُه: بل كُنتَ خيبةَ أمَلٍ كبيرة! انتفضَ على صوتِ تكسُّرِ الأطباقِ خلفه، ليلتفِتَ نحو أبيه الغاضِب، نظرَ نحو الطعام على الأرض، لم يُنهِي طبَقَهُ حتى: هكذا أنت، ستظلُّ دائِمًا تشتاقُ للأرض حيثُ تنتمِي، حيثُ يدهسُك المارُّ والمُنصرِف. حِينها لم يعُد يستطِيعُ إخفاءَ أدمُعِهِ أكثَر: لماذا.. تقولُ لي هذا؟! أجابه: إنَّهُ أقلُّ ما تستحِقُّه بعدَما أوشَكتُ على التحرُّرِ مِن تِلكَ الساحِرة فإذا بِها تصدِمُني بحملِها فيك، كُنتُ لأكونَ حرًّا مِنك ، مِنكُما... اتسعَت أحداقُه، ماهذا الذي يسمَعُه، نظرَ نحو والِدَتِه التي بدَت غيرَ عابِئةٍ بحوارِهِما وهي تتلذَّذُ بطعامِها و كأنَّ كلامهُما لا يعنِيها إطلاقًا، أكمَلَ والِدُه: كُنتَ محضَ مُحاولةٍ بائِسة لإصلاحِ شيءٍ مكسُور، نحنُ بسبِبك عالِقان بذلكَ الإرتباط فتحمَّلنا. هزَّ رأسه بعدَمِ تصديق: غيرُ معقُول! غيرُ معقُول! أنتُما كُنتُما تُعاقِبانِ بعضَكُما بِي، لكِن كُلُّ هذا بِلا فائِدة، أنتُما لا تأبهانِ لأمرِي لتقلقا علي، أنتُما فقَط تُمارِسانِ أنانيتَكُما وساديَّتَكُما علي، أُمِّي كانَ بإمكانِها إجهاضِي بأيَّةِ لحظة وأنتَ كُنتَ تستطِيعُ التحرُّرَ بأيَّةِ لحظة أو تدبيرَ حادِثٍ ما يُخلِّصُك ويُخلِّصُني مِن ذلكَ الإرتباط! حِينها وقفت والِدَتُه بصدمه: أتتمنَّى لي الموت! حِينها صاحَ لي و أشارَ على صدرِه: أنا! أنا! أتمنَّى لنفسي الموت! سُحقًا لكُما مِن أبٍ و أُم__ صفعَةٌ تلقَّاها مِن أبيه، بل من كانَ أباه: أظهِر بعضَ الإحترام ياولَد! رمقهَ لي بغضَب فتلقَّى صفعةً أُخرى مِنه ليقُول: سأُظهِرُه لِمَن يستحِق. لم يُدرِك لي حِينها بأنَّهُ فتحَ ابوابَ الجحِيمِ بوجهِه حتى رأى عيني من أنجبه. .♡.5.♡. الحبسُ بغُرفتِه لمُدَّةِ أُسبوع؟ خلَّاقٌ للغاية. حِرمانُه مِن المصرُوف؟ لقد بقي يجمَعُه لطوارِئ كتِلك. عدَمُ إعدادِ وجبتِهِ المُفضَّلة؟ إذًا فقد كانا مُدرِكين لمدى حُبِّه لطبخةِ الأرُزِّ التي تُعِدُّها من كانت أُمَّه. كانَ مُستنِدًا على الباب يجلِسُ القرفصاء و بدَلَ تحدِيقِه باللاشيء كانَ يُحدِّقُ بكُلِّ شيء، وهو يرسُمُ خُطَّةَ هُروبِه، لحُسنِ الحظ لم يهدِمُوا إرادتهُ بعد، غُرفتُه بالطابِقِ السُفلي بالجِهةِ الخلفيةِ مِن المنزِل و تحتوِي على نافِذةٍ صغيرة ولحُسنِ حظِّه فبنيته الهزِيلة سرَّعَت عملية الخُروج، العمليَّةُ الأصعَب كانت إخراجَ حقيبَتِه، التي فرَّغها بالجِهةِ الأُخرى ومِن ثمَّ أعادَ التقاطَ أغراضِه. كانَ مُطمئِنًّا بأنَّ لا أحدَ مِن والِديه سينتبِهُ لغيابِه لأنَّهُ قد اختارَ ذلكَ الوقتَ بالتحديد حيثُ يكونُ كِلاهُما نائِمين. لم يُتعِب نفسه بترتِيبِ فِراشِه أو خِداعِهما بذلك، فمن هو كي يُمنِّي نفسه بإهتمامِهما؟ سيُطِلَّانِ عليه، لن يجِداهُ على السرير فسيظُنَّانِه داخلَ دورةِ المياه، لن يُتعِبا نفسيهِما بالدُّخول والإطمئنانِ عليهِ أصلًا. كانَ الليلُ قاتِمًا ومُوحِشًا ولا يعلَم لِم تسلَّلَ إليهِ الخوف. في كِلا الحالتِينِ هو خائِف، خائِفٌ من المعلوم وهو من ربَّياه وخائِفٌ مِن المجهُول الذي لا يعلمُ خفاياه. توجَّهَ نحو أحدِ المارَّة وسألَه عن أقرَبِ محطَّةِ حافِلات فأجابه بأنَّه بشارِع مُوون: «ذلكَ في الشارِع الذي يُقابِلُ المدرسة.» شكره وأكمَلَ طريقه. .♡.6.♡. وصلَ عِندَ محطَّةِ الحافِلات بعدَ ثلاثِ ساعاتٍ من المشي، البرتقالات التي أخذها عُنوة لم تكُن كافيةً لتُطفئ ضجيجَ معِدَتِه. وجدَ محطَّةَ الحافِلات ورأى حافِلَةً أمامَ أنظارِه بإنتِظارِه، كانَ يلهَثُ بصُعوبة، وأخِيرًا! توجَّهَ نحو سائِقِ الحافِلة ليسأله: هل هذهِ الحافِلةُ مُتَّجِهةٌ إلى سن ستار؟ نظرَ سائِقُ الحافِلَةِ نحو الصبِيِّ بذُهول، بدا كأنَّهُ لم يتجاوَز عُمرَ المدارِس، يُواجِهُ مُشكِلةً بالنُّطق ويحمِلُ حقيبةً أكبَر مِنه، رمقهُ بشك: أمعكَ مال؟ فتحَ الحقيبةَ بإهمال ليظهرَ الكمُّ الكبير مِن الأوراقِ النَّقدية: بالطبع__ أخذَ سائِقُ الحافِلة يتأمَّلُ الكومة الكبيرَةَ من المال: هذا مالُك؟ عقدَ لي حاجباهُ بإستغراب: بالطَّبع هو مالي؟ أخرَجَ هاتِفه قديمَ الطِّراز: كم رقمُ والِديك؟ امتعضَ لي وقالَ من بينِ أسنانِه: ليس لديَّ والِدان. رمقه سائِقُ الحافِلة بنظرة: لا عجَب بذلك، إذ أنَّكَ لم تملِك شخصًا يُوجِّهُك ويُخبِرُكَ بأنَّ السِّرقة جريمةٌ يُعاقِبُ عليها القانون. شحُبَ وجهُ لي وصاحَ فيه: أنا لستُ لِصًّا وهذا مالي! تجاهَلَه السائق وهو يضعُ السَّماعة على أذنِه: مرحبًا، الشُّرطة! كانَ قلبُ لي يغورُ في أعماقِ صدرِه، وفكرةُ سجنِه ستُضاف إلى قائمة خيباتِ والِديه به، هو لن يعودَ إليهِما، لن يكونَ خيبةً لأحَد. كانَ مفتاحُ الحافِلة الذَّهبي يلمعُ في جُنحِ الليل فاقتلعَهُ لي وركَضَ إلى داخَلَ الحافِلة يغرِزُ المفتاحَ بالمِقوَد وقبلَ أن يضغَطَ الدَّواسةَ كالمجانين ويفرَّ بالحافِلَةِ بمن فيها، اقتلعهُ سائِقُ الحافِلة من حقيبتِه ورماه من على الباب. شعرَ بالكُتُبِ تُهشِّمُ ظهرَه بينما ينظُرُ إليه سائقُ الحافِلة بإشفاقٍ ونفور: سأعيدُ سؤالي. ولوَّح بحفنة النُّقود: مِن أينَ سرقتَ المال؟ رمَقهُ لي وهو يُدارِي آلامهُ بعجَز: أخبرتُك أنَّهُ لي! السائِق: كاذِب. اخترقَت هذهِ الكلِمةُ أوصاله، أيخرُجُ مِن سِجن ليعُودَ لسِجنٍ آخر؟ رفعَ السائِقُ هاتِفه: هذهِ المرَّة سأُبَلِّغُ الشُرطة. رجفَ قلبُ لي وقد أدرَكَ بأنَّهُ ضحيَّةُ كذبة وقد أوقعَ تهوُّره التهمة عليه. «إنَّهُ على حق.» التفت نحو صاحِب الصَّوت، ليلمحَ رجُلاً أسمَرَ البشَرة بشعرٍ مُجعَّدٍ طِويلٍ مُهمَل وعينان تفيضانِ بالثبات تخترِقانِ ظلمة الليل بلونِهما الكهرماني، وغمَّازتان عميقتان انغرزتا بخدِّيه، ذو قامةٍ طوِيلة لكِن مائِلةً بعضَ الشيء، بدا مألُوفًا للغاية لكِن لم يستطِع استذكارَه: أنا أعطيتُهُ المال. حملَقَ الرجُلُ بِه بعدَمِ تصديق، ورمى عليه حفنةَ المال: إذًا هو يعُودُ لك، لن آخُذَ أطفالًا في مُنتصَفِ الليل كي يضيعُوا في مدينةٍ زاخِرة كسَن ستار، لا أفهمُ الأباء أمثالَك الذينَ يتركونَ أبنائهُم يخرجونَ في منتصَفِ الليل. رمقه الرَّجُل: ولا أفهَمُ الرِجالَ أمثالَك بمُجرَّد ما رأيتَ حفنةً من المال معه اتَّهمته بالسَّرِقة ورميته من على الحافِلة، وفوقها تُعاتِبُني على الإهمال؟ رمَشَ لي، بما يُهرطِقُ ذاك. تنهَّدَ الرجُل: أعني أنا هُنا الآن، لقد كانَ ابني مُتحمِّسًا للخروج خاصَّةً بعدَ وفاةِ والِدَتِه منذُ شهورٍ عديدة وقد سبقَني إلى الحافِلة لكِن لم أتوقَّع بأنَّكَ ستهشِّمُه وترميهِ أرضًا هكذا، يبدو بأنَّهُ أنا من عليه الإتِّصالُ بالشُّرطَةِ الآن. ابتلعَ سائقُ الحافِلَةِ لسانَه للحظات: الفتى أخبرَني بأنَّهُ ليسَ لديهِ والِدان. رمقهُ الرَّجُل بنبرة عتاب: روفوس، مُجدَّدًا؟ بعدَ كُلِّ ما فعلتُ لأجلِك؟ عقدَ لي حاجِبيه، روفوس؟ ألا يبدو هذا كإسمِ جرو. أطلَقَ الرجُل تنهيدَةً عميقة ونظَرَ إلى سائِقِ الحافِلة: أنا زوجُ والِدَتِه. شعرَ لي بإنقلابِ معِدَتِه وهو يتخيَّلُ رجُلًا آخَر مكانَ والِدِه. «انتظِر الشُّرطَةَ عندَ بابِكَ.» تجاهَله سائِقُ الحافِلة وأغلَقَ الباب بوجهه فما الذي لديه ضِدَّه فهو لا يعرِف اسمَه ولا عنوانَه وهذه المنطقة لا يمُرُّها إلَّا ما ندَر ويستحيلُ أن يعرِفه فلا توجَد دلائل تُشيرُ عليه. «كانَ ذلكَ المشهَدُ ممتعًا، أضافَ بعضَ المُتعة لجو الحافِلَةِ الممِل.» سألهُ أحدُ راكِبي الحافِلة: أما زالت عِصابةُ كرين فيست تحكُمُ المدينة؟ السائِق بنبرَةٍ يشُوبُها التسليم: بل بدأوا يتوسَّعُون بسُلطَتِهم وقد يصِلُونَ إلى هُنا قرِيبًا. وهُنا اقتحمَ الصَّمتُ الحافِلة وبدأت بالمشي، تحامَلَ لي على جُروحِه ووقَف يلحَقُ الحافِلة: لحظة، انتظِر__ مدَّ ذِراعِيه وركَض، لكِنَّ الحافِلةَ أسرعَت حتى ما عادَ يستطِيعُ اللحاقَ بِها بعدَ الأن، لقد انتهى، خلاصُه ما عادَ موجُودًا! ليسمعَ صوتَ الرجُلِ خلفَه: ماذا يفعَلُ طِفلٌ مِثلُك خارِجَ المنزِل؟ هل هربتَ مثَلًا؟ عادَ لي ينظُرُ إلى الرجُل وطيفُ والِدَتِه معه دفعهُ للتقيُّؤ رُغمًا عنه. اقترَبَ الرجُلُ بضعَ خُطواتٍ منه وعيناه التمعتا بالجزَع: هل أنتَ بخير؟! رمَش، خير، ماهو الخير؟ ماهو الخيرُ الذي هو بِه، همَسَ بصوتٍ كالفحيح: أنتَ السبب! «ماذا قُلت؟» حِينها خلعَ حقيبته ورماها عليه بكُلِّ قوَّةٍ امتلكها وهو يصرُخ ملء جوفِه: أنتَ السبب، لقد أفسدتَ كُلُّ شيء! أمسَكَ الرجُلُ بالحقيبة بيدٍ واحِدة وكأنَّها لا تزِنُ شيئًا، وكأنَّ كُلَّ قوَّتِه ضعفٌ بنظَرِه، حملَقَ بِه الرجُلُ مصدُومًا لتتأرجح الحقيبَةُ مِن يدِه ويبدأ بالضحِك! شعرَ بالبراكينِ تكوي خدِّيه وصاحَ بغضَب: ما المُضحِك؟ ما المُضحِك، هاه؟! إبتسمَ الرجُل: رُبَّما لم تنتبِه، لكِن لديكَ لكنةٌ لطيفة. ردَّ عليهِ بغضَبٍ أكبَر، هل يسخَرُ مِنه: هل__ ت..قُولُ أنَّ لكنت..ي مُضحِك..ة؟ شحُبَ لي وهو يعي جيِّدًا تعثُّرَ حروفِه. الرجُل: أقولُ إنَّها لطيفة وتُدخِلُ السُرورَ على القلب، ألا يمدَحُكَ أحدٌ بالمنزِل؟ عقدَ حاجِبيه وشحُبَ وجهه، اختفَت الألوانُ مِنه، بدا كمَن يُحاوِلُ استذكارَ شيء في حِينِ اتَّسعَت أحداقُ الرجُل، أحقًّا هو يُفكِّرُ بسُؤالِه؟! «لا.» وأخفضَ رأسه: لم يفعلا قط. حِينها مسحَ الرجُل وجههُ بهم، أوَّلاً زاك وأُختُه والأن ذاك، ما تِلكَ المُصيبةُ التي وقعَت على رأسِه، نظرَ إليه كمُحاوَلَةٍ أخِيرة: ألن تعودَ للمنزِل؟ لاحظَ ارتجافَ يديه وهو يهمِس: أبدًا. قلَّبَ الرجُلُ عينيه وابتسامَةٌ ارتسمَت على شفتيه: لا أسمَعُكَ مِن تِلكَ المسافة. حِينها اقتربَ نحوه حتى باتَ أمامه بحوالي مِتر، كانت عيناه الكهرمانيتان تُحدِّقان بعينيه قاتِمتا السَّواد كذاكَ الليلِ الذي جمعهُما، كقصرِه الدَّاكِن، كالماضي. صرخَ فيه كوحشٍ جارِح ورُبَّما مجرُوح: أبدًا! الرجُل: وأينَ ستذهَب؟ سكتَ لي لوهله ليقُولَ حِينها: لا أعلَم. تنهَّدَ الرجل مُجدَّدًا، هو على وشكِ قتلِ راحتِه بسكِينِ المُبادَرة، قدَّمَ لهُ الحقيبة متبوعًا بقولِه: بإمكانِكَ البقاءُ بمنزِلي إلى حِينِ تُقرِّر. أخذَ لي الحقيبة من يدِه: حسنًا! بتِلكَ البساطة؟! ألم يُعلِّمهُ والِداه أن لا يثِقَ بالغُرباء مِن أوَّلِ لِقاء؟ ألقى نظرةً أُخرى نحو الفتى وكيفَ كانَ يضمُّ حقيبته بينما يتبعُه طواعِيةً، حِينها سأله: ما اسمُك؟ لي: لي هوانغ. توقَّفَ لوهلة، لكِن سُرعانَ ما تابعَ طريقه: كم عُمرُك؟ لي: إثني عشَر، وأنت؟ حِينها توقَّفَ الرجُل وأجابه: داميان دِن، خمسةٌ وثلاثُونَ عامًا. حِينها تصلَّبَ لي مكانه: ماذا قُلت؟! أنتَ داميان دِن ملِكُ ما تحتَ الأرض وزعيمُ عصابة كرين فيست السابِق!؟ قبضَ داميان كفِّيه وردَّ بغضَب: بل المغدُور. إن ظنَّ لي بأنَّ جحِيمَهُ قد إنتهى بهرُوبِه مِن منزِلِ والِديه فقد أخطأ خطأً جسِيمًا ما إن رأى المكان الذي توقَّفا عِنده، ذاتُ القصرِ الأسوَد الذي حسدَهُ على أهلِه، وللتوِّ انتبه على وجودِ لافِتةٍ ذهبيَّة مُشوَّهة كُتِبَ عليها بخطٍّ أنيق: [ عرينُ داميان ] .. يتبع ..
