

.♡.1.♡. مُنذُ دخلَ سن ستار استقبلتهُ بصخبٍ جم و بأيدِي مفتوحة، سن ستار كانت مدينةً كبيرة، مُتطاوِلةُ البُنيان، مُتعدِّدَةُ الحضارات، يغمُرُها الزِّحام، كُلُّ يمشي لشأنِه، يكادُ يضيع وسطَ ذلكَ الكمِّ الهائِلِ مِن النَّاس لو لم تكُن يدُ والِدَتِه تُمسِكُ بِهِ بقوَّة. كانت تسحَبُ ذِراعه وكانَ الألمُ لا يُحتمَل، لكِن مِن النادِرِ أن تُمسِكَ والِدَتُه بيدِه وبتِلكَ الشِدَّة كأنَّهُ شيءٌ ثمين تخشى فِقدانه فتحامَلَ على ألمِه ووسَّعَ خُطواتِه ليُجارِيها وفجأة اصطدَمَ بشخصٍ وسط الزِحام فسقطَ على الأرض لتلتفِتَ والِدَتُه نحوه بغضَبٍ جم في حِينِ شعَر كمن اصطدَم بقطعةٍ حديدية: هل أنتَ أحمَق، ستؤخِّرُنا! «أنا أسِفة، إنَّهُ خطأي.» اقتربَ نحوهُ ظِلٌّ عِملاق، فرفعَ رأسه لتقعَ عيناه على التي صدمها، كانت امرأةً جمِيلةً جدًّا، بتجاعِيدَ طفيفة، بوجهٍ أبيضَ صافٍ و شعرٍ طويلٍ كثيف شديدِ النُّعومة بدا كالكريمةِ المخفوقة، كانت ترتدِي بذلةً رسمية ذكرتهُ بمُتطوِّعاتِ داميان عدا أنَّ بذلتها سوداء. نظرَت والِدَتُه نحو المرأة: لا، إنَّهُ خطأه، إبني لا يُجِيدُ التركيزَ مع ما حولَه. إبتسمت المرأة: أنا مُتأكِدَةٌ بأنَّهُ كانَ يُحاوِلُ مُجاراةَ خُطواتِك فحسب. حِينها امتعضَت ملامِحُ والِدَتِه و سحبَت ذِراعه لينهضَ بحِدَّةٍ مِن على الأرض وهي تقول: هيا، لا شكَّ أنَّ والِدَكَ قد سبَقنا. ألقى نظرةً أخِيرةً نحو المرأة ليرى رجُلاً طويلَ القامَة يرتدي قُبَّعةً سوداء لم يتبيَّن ملامِحَه يتَّجِهُ نحوها: سيِّدة زِيلفا، كُنتُ أبحثُ عنك. و كانَ هذا آخِرَ ما سمِعه قبلَ أن تجذِبَه والِدَتُه إليها. بدأت معِدَتُه بالقرقرة فقالَت بحِدَّة: سنأكُلُ في بيتِ جدِّك. ازدردَ ريقه وضغطَ على معِدَتِه: لم أقُل شيئًا. «معي مُثلَّجات، بإمكانِكَ أخذُها.» تجمَّدَت والِدَتُه مكانها برُعب، رفعَ وجهه يبحثُ عن مصدَرِ رُعبِ والِدَتِه ليجِدَهُ رجُلًا وسيمًا بعينينِ حادَّتان كثيفتا الرُّموش بلونٍ عسلي، بجانِبه امرأةٌ ترتدي ثوبَ المُحقِّقين عرفها من رمزِ الفارِس بالشطرنج على قُبَّعتِها. كانت تنظُرُ إلى والِدَتِه بغضَبٍ وعتابٍ شديدين بينما كانت والِدَتُه ترتَجِف، وجدَ نفسهُ يقِفُ أمامَ والِدَتِه بحمائيَّة: لا، شُكرًا لك. رمَشَ الرَّجُلُ بدهشة، وسُرعانَ ما ضحِك: لقد ربِّيتِ طِفلًا يُحِبُّكِ يا مِين. لم تُرُدَّ عليهم بشيء، كانت تنتفِض، وعلى حافَّةِ عينيها رأى دموعًا غائرة. لم يهتمَّ لي بأنَّهُما كانا يعرِفانِها، كُلُّ ما كانَ يهُمُّه أنَّ وجودَهُما كانَ يُضايُقها وهو أرادَ إبعادَهُما بأيَّةِ طريقة، نظرَ لي إلى أحذيتِه المهترِئة خلعَ أحدها ورماه على الرَّجُل وسطَ ذهولِه لتضحكَ المرأةُ جانِبه ملتقطةً الحِذاء: يبدو أنَّكَ جيِّدٌ بالرَّمي أكثرَ من الإلتقاطِ يا أحمد__ في تِلكَ اللحظة أمسكَت الفردة الأخرى التي كادَت تُصيبُ وجهها: هذهِ العلامةُ التِّجاريَّة عفى عليها الزَّمَنُ يا مِين، ألم تشتري له أفضلَ من ذلك؟ هل أنصحُكِ بكتاب «كيفَ تكونُ أُمًّا» لإيڤون مارسيل؟ ضمَّت والدَتُه شفتيها في حينِ اقتربَت نحوهُما ترمي حذائه عندَ قدميه: ارتدِ أحذيتك، الشَّارِعُ مليءٌ بالحصي. ضمَّ لي شفتيه، كانَ خلعُ حذائيه يستحِق لو أصابَ أحدهُما. سحبَ لي يدَ والِدَته: دعينا نذهَب، لا أحدَ يستحِقُّ الوقوفَ على أثرِه. ورُغمَ أنَّ قبضتها خفَّت إلَّا أنَّهُ أمسكَ بها قبلَ أن تسألَ الغريبين: كيفَ حالُه؟ نظرا إلى بعضِهما فأجابها أحمَد: مهما كذَبَ على نفسِه، فهو يشتاقُ لك. ابتسمَت والِدَتُه بخفوت وتابعَت المشي معه. لم يسألها عن شيء، آخِرُ مرَّةٍ سألها عن شيءٍ في طفولَتِها صرخَت به حتى اختنقَ بدموعِه. .♡.2.♡. وقفَ أمامَ قصرِ جدِّه، عائِلةُ هوانغ عائِلةٌ عريقة وقد زرعَت جُذورها في سن ستار مُذ كانت محضَ قِطعةِ أرضٍ بسيطة، شيئًا فشيئًا بدأت تتوسَّعُ المِنطقة و معها أعمالُ العائِلة، النِّساءُ والرِجال، الكُلُّ كانَ يعمَل بما يُناسِبُه وشيئًا فشيئًا كبِرَت ثروةُ العائِلة ومعها مكانةُ أفرادِها. رُغمَ الصِّراعات في سن ستار إلَّا أنَّ عائِلة هوانغ تمكنَت مِن الحِفاظِ على مكانِها وسطَ المنطقةِ الراقية للعاصِمة وكانَ لها مكانٌ أيضًا في القصرِ الملَكي، في مواضِعَ كثيرة كانوا اليدَ اليُمنى لملوك «سن ستار». نظرَ نحو المبانِي الأُخرى المُحِيطَةِ بالقصر، كانت أقصرَ مِن قصرِ جدِّه بتصميمٍ عصري بينما قصرُ جدِّه كانَ عموديًّا وبتصميمٍ تُراثي يكادُ ظِلُّه يُغطِّي المكانَ حولَه. لوحةٌ تعلَّقَت على قِمَّةِ الباب الحديدي: [نحنُ التَّاريخ، على أيدينا ينسُج الحاضِرُ وجودَه.] كانَ والِدُه أوَّلُ من دخلَ باحةَ القصر ليتبعاه، كانت والِدَتُه قد تركَت يده كما لو كان بوصولِهم إلى هُنا قد انتفَت حاجَتُها لذلك. انحنى أحدُ خدَمِ جدِّه: السيِّد يان بإنتظارِكُم. توجَّها للدَّاخِل ليُزِيحَ الباب المبني مِن أعوادِ الخيزران كي يجِدوه جالِسًا على الأرض أمامَ طاوِلَةٍ منخفِضة، يسكُبُ لنفسِه بعضَ الشاي، ليسمعَ والِده جيانغ يتحدَّثُ بنبرةٍ ساخِرة: أعتذِر، فقد جِئنا قبلَ الموعِدِ بيوم. ابتسمَ يان وهو يرتشِفُ فِنجانه: لا عليك، لقد راهنتُ على مجيئِكَ قبلَ الموعِد على أيةِ حال. شعرَ لي بقُشعريرَةٍ شديدة إبانَ كلامِه، ضمَّ والِدُهُ ذِراعِيه: أينَ العقد؟ رمقهُم بنظرة: أينَ حفيدي؟ هزَّ والِدُهُ رأسه: هل تحتاجُ نظارةً أم ماذا؟ ووجَّهَ الكلامَ إليه: تقدَّم يا لي. تقدَّم لي نحو جدِّه، كانَت عيناهُ سوداوان تمامًا كما عينيه عدا أنَّ عينيه كانتا تفيضانِ بحدَّة، كانت عيناهُ كسكاكِين، صقلتهُما الحياة كي تخترِقَ الأرواح، و دونَ أن يُدرِك غمرَ عيناهُ الدَّمع فانحنى له حتى يُخبِّئ عُري رُوحِه التي شهِدَ عليها. ابتسمَ يان: يبدُو هزِيلًا، ألا تُطعِمانِه؟ شحُبَ وجها والِديه في حِينِ مسحَ دموعَهُ سريعًا، ليبتسِمَ يان : كُنتُ أمزَح ما بِكُما ذُعِرتُما هكذا فجأة؟ ثُمَّ التفتَ نحو لي وقالَ بحنان: إجلِس يا لي. نبرةُ صوتِه آلمته، لديهُ ذاتُ نبرةِ أبيه لكِنَّها دافئة بشكلٍ أرعبه، وتسائل أيُمكِنُ أن تخرُجَ نبرةٌ كتِلكَ من جوفِ أبيه، ارتجف، يُريدُ أن يهرُب. جلَسَ مُقابِلًا له، في حِينِ أشارَ يان لوالِديه: إذهبا، أودُّ الحديثَ لحفيدي على انفراد. أرادَ والِدُهُ الإعتراض ليُشيرَ يان بيدِه: مُرادُك سيأتي، فقط اذهبا. على مضض انصرفا و لم يبقى عداهُما في الغُرفة، عادَ لي ليُحدِّقَ بجدِّهِ مُجدَّدًا، هو لم يرى جدَّهُ وجهًا لوجه، فقط كانَ يسمعُ عنه وكانَ والِدُه يتحدَّثُ عنه بنبرةِ غضبٍ وحِنق، لذلك عِندما عزَمَ الهرَب إلى سن ستار أرادَ أن يحتمِي بجدِّه مِن أبيه. كانَ وجهه مليئًا بالنَّمَشِ مِثلَه، لكِنَّ ما أثارَ حِنقَه بأنَّ نمشَه أخفَّ مِنه وأقَل. «لا تقلق، سيتعلَّمُ مع الوقت أن يهتم، هكذا فعلت.» «هكذا فعلت؟» «العُمر يُهذِّبُ النُّفوس.» أدركَ لي من يقصِد والنَّدمُ ينبعِثُ من وجهِ جدِّه. القسوة لا تُنبِتُ سوى القسوة، وعلَّ جدَّهُ كانَ قاسِيًا على أبيه بنيةِ تأديبِه فأنبتَ بِه التمرُّدَ بدلَ الإنصياع، والغضب بدلَ الرِضا والكراهيةَ بدلَ الحُب: أنا لن أكبرَ أبدًا، لن أكونَ مِثلكُما أبدًا. يان: الأخطاء هي جُزءٌ مِن النُّمو، أنا لم أبقى على عهدِي، أنا أدركتُ خطأي في النِّهاية. ضغطَ لي على رُكبتِيه كي لا يُغادِر والحديثُ لم يبدأ بعد: لكِنَّكَ لم تتدارَك الأثار، المِقصَلةُ وقعَت وقتلَت طُفولَتِي، دمَّرَت كُلَّ شيء، دمَّرَت ما كُنتُ يومًا لأكونه. تعلَّقت عينا يان بالزَّخارِف بفنجانِه: طالما تتنفَّسُ يا لي، ستكونُ الشَّخصَ الذي تُريدُ أن تكونَه. لي: أُريدُ الموت. أمسكَ يان بفنجانِه: جميعُنا سنموتُ يا لي، هذهِ ليست غاية بل النِّهاية، وجميعُنا سنصِلُ إليها، ليكُن طموحُكَ طموحَ شخصٍ حي. أغمضَ لي عينيه، لا يخطُرُ ببالِه شيء: ليسَ ببالي شيء. ابتسمَ يان: ألا تعلمُ بأنَّ جُزءً مِن رِحلةِ النُّمو يتعلَّقُ بالتغيير؟ إن لم يكُن لديكَ حُلمٌ اليوم فسيكونُ لكَ واحِدٌ غدًا. رمشَ لي وقالَ بعدَمِ تصديق: حُلم__ ألم تسمعني؟! لقد فاتَ الأوان__ حِينها أخرَجَ يان مِلفًّا مِن تحتِ الطاوِلة: ليسَ تمامًا. أخذَ لي المِلَف و سأله: ما هذا؟ يان: ثروتِي كامِلةً ستنتقِلُ إليك... ارتجفَت يداه ليُشيرَ حِينها على إحدى الأوراق: عليكَ وضعُ بصمتِكَ هُنا، بالطبع، ستكونُ أموالُك تحتَ تصرُّفِ وليَّا أمرِك إلى حِينِ بُلوغِك، لذلك إكبَر سرِيعًا وخُذ حقَّك قبلَ أن يأكُلوه. نظرَ لي نحو الأوراقِ بعدَمِ تصديق وقلبُه يذوي: لذلكَ والِداي قد__ لم يستطِع منعَ انهمارِ دُموعِه مُجدَّدًا ومُجدَّدًا ومُجدَّدًا. كانَ القهر يأكُلُ جوفَه. يان: الطمعُ يغلِبُ الإنسانَ أحيانًا، لكِن ذاتَ يوم سيُدرِكان ما فقداه. هزَّ لي رأسه، ونفثَ بحِدَّة: أنتَ لا تفهَم، أنا لم أكُن شيئًا لهُما كي يُدرِكاه، هُما لن يندما على فِقداني أبدًا، أنا فقط مُحاولةٌ فاشِلة لإستمرارِ تِلكَ الزيجة. عينا جدِّه فاضتا بغضَبٍ جم: إذًا ابحَث عن من يهتم، عن من سيُحاوِلُ لأجلِك. تذكَرَ داميان وفيونا ومُتطوِّعاتِ القصر: هُناكَ من يهتم، لكِن أشعرُ بأنَّني لا أستحِقُّه، لا أستِحقُّ كلِماتِهم الطيِّبة ولمساتِهم التي تفيضُ بالقلقِ والإهتمام. كزِّ يان على أسنانِه: أحقًّا أوصلاكَ لمرحلةٍ بحيثُ لا تتقبَّلُ الكلِماتِ الحانِية واللمسات حتى لو كانت عفوية، هل ربِّيتُ حجَرًا! لي بأسى: ليسَ هذا فحسب، بتُّ أطمئِنُّ للخوف. شعرَ لحظَتها بأنَّ حلقهُ جاف، وما إن لمسَ إحدى الفناجِين حتى صاحَ بِهِ جدُّه: لا تلمَس ذلك! انتفضَ بجزَع، في حِينِ أزاحَ جدُّه عيناه وهو يرى شبحَ الإبتسامةِ على شفتيه: ضع بصمتَكَ على الورقة وغادِر. كانت ابتسامةً ساخِرة، لقد رأى والِده يصرُخُ عليهِ بتِلكَ الثوانِي، دسَّ إبهامَهُ في الحِبر ومِن ثمَّ على تِلكَ الورَقة، بدأت الدُّموع تُشوِّشُ نظَرَه، أرادَ المُغادَرة. أدخلَ الورقة بالمِلَف بعجَلٍ ووقف يمسحُ دموعَه، انحنى لجدِّه وألقى نحو وجهِه نظرةً أخِيرة: شُكرًا لإستضافتِك. وغادَر. .♡.3.♡. حِينما خرَج وجدَ والِدَه يتقدَّمُ نحوه وتتبعُه والِدَته: أمعكَ المِلَف!؟ اتسعَت أحداقُه وقد تأكدَت شُكوكُه، ليؤنِّبَ نفسهُ، لِماذا يندهِش؟ لِماذا يُذهِلُه إهمالُ أبويهِ لهُ في كُلِّ مرَّة؟ سلَّمهُ المِلَف وتمنَّى لو يرمِيهِ على وجهِه: سأكونُ بالسيارة. رأى وجه أبيه وهو يتصفَّحُ المِلَف بشغَف وعيناه تلمعانِ بالنَّصر، بدا مُتحمِّسًا كي يصرِفَ ذلكَ المال. .♡.4.♡. عائِدٌ إلى الوطَن، عائِدٌ لحياتِه الطبيعية -إن كانَت طبيعيَّةً بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال-، سيعُودُ إلى المدرسة، سيزدادُ شُعورُه بالدُّونية تِجاهَ نفسِه بينما من بعُمرِه ومن يصغرُه سيكبرُون واحِدًا تلو آخر، أطوالُهم ستتجاوزُ ناطِحات السحاب وأحلامُهم ستبلُغ عِنانَ السماء وهو سيبقى أسيرًا للماضِي ولسُلطةِ والِديه. «أنا سآخُذُ ثلاثةَ أرباعِ الثروة.» «ماذا ألم نتَّفِق على النِّصف؟» كانا يتناقشان بشأنِ تقسِيمِ الثروة دونَ إشراكِ صاحِبِ الشأنِ والمال، اعتلَت وجههُ ابتسامةٌ ساخِرة، بل مُتحسِّرة، هاهو ذا ليسَ أكثرَ مِن مُجرَّدِ صفقةٍ لوالِديه، لكِن هذهِ المرَّة تبدُو الصفقةُ رابِحة. كما يظُنَّنان. وصلا المنزِل ونزلَ مِن فورِه، ركضَ نحو غُرفتِه وأقفلَ البابَ خلفه واستندَ بظهرِه وهو يأمَل، يأمَل مِن أعماقِ قلبِه أنَّ والِداه لم يلحظا شيئًا. أخرجَ الورقةَ التي طُبِعَت عليها بصمتُه، مُستقبلُه بيدِه، لن يسمَحَ لأيِّ أحدٍ بأخذِهِ مِنه أو استغلالِه، أرادَ تمزِيقَ الورقة لكِنَّ كلِماتِ جدِّه رنَّت في ذِهنِه. «...اكبَر سرِيعًا وخُذ حقَّك قبلَ أن يأكُلوه.» إذا مزَّقَ الورقة فلن يبقى لديهِ حقٌّ أبدًا، لذلك فتحَ إحدى أدراجِه و خبَّأها بإحدى دفاتِره وأقفلَ الدُرج. هذا حقُّه، وأيَّاً كانت النتيجة فهو سيتحمَّلُها. .♡.5.♡. على طاوِلَةِ العشاء كانَ يأكُلُ بهدوء، بلا ابتسامة، بلا حركةٍ عدا المضغ حتى ذلك يُحاوِلُ القيامَ بِه بهدوءٍ مُطلَق، بلا صوت، داخِلَهُ ميِّت كما خارِجه، يشعُرُ بأنَّهُ استنفدَ دموعَه. «أينَ الورقةُ يا لي؟» تجمَّدَت يدُهُ بالهواء لوهلة ليُكمِلَ أكله: أيُّ ورقة؟ أجابَ والِدُه: تِلكَ التي طبعتَ بصمتكَ عليها. لي: لا أدرِي، رُبَّما في المِلَف وأنتَ لم تنتبِه. رمقهُ بحِدَّة: راجعتُ المِلَفَّ عشراتِ المرَّات ولم أرى بصمتَكَ على أيِّ ورقة. إبتسمَ له: أيجِبُ أن تكونَ على أيِّ ورقة؟ حِينها شدَّ والِدُه شعره: لا تعبَث معي يا ولَد و إلَّا__ سقطَت المِلعقة من على يدِه وحاولَ إقتلاعَ يدِ والِدِه عنه، فرمقهُ بحِدَّة: أبعِد يدَكَ عنِّي! وما إن أبعدَ يده حتى ربَّت على رأسِه بخِفَّة ليتلقى صفعةً أودَتهُ الأرض، ليرى عينا والِده تفيضانِ بالشرر: سنذهبُ بالغد إلى والِدي وستبصُمُ على تِلكَ الورقةِ اللعِينة، هل هذا مفهُوم؟! لم ينتظِر ردَّه و غادَرَ مائِدةَ الطعام، في حِينِ همهمَت والِدَتُه: هل أطبُخُ للأشباح؟ حِينها نهضَ مِن فورِه وهو ينظُرُ نحو والِدَتِه التي لم تلتفِت نحوهُ قط، كانت مُركِزَةً على طبَقِها ويدُها ترتجِف، إنَّها خائِفة، خائِفةٌ مثله. أخذَ طبقَ أبِيه: أنا سأكُلُه، طبخُك رائِعٌ على أيَّةِ حال. التمعَت عيني والِدَتِه، لكِن سُرعانَ ما انطفأتا. .♡.6.♡. صوتُ تحطُّم، هذا ما استيقظَ عليه، نهضَ بجزَع، نزلَ مِن على السلالِم القصيرة مُتَّجِهًا نحو المطبخ، صوتُ والِدَتِه الجزِع: أرجوكَ، اهدأ! حِينها سمِعَ صُراخَ أبيه: كيفَ أهدأ؟! كيفَ أهدأ؟! أخبِريني! والِدي! والِدي ماتَ مُحترِقًا!! اتسعَت أحداقُ لي بذُهول، حتى كادَت ساقاهُ تفقِدانِ قُدرَتَهُما على الحراك، ليسمع صوتَ والِدِه: بدونِ توقيعِهِ على الورقة__ نحنُ سوفَ__ لقد انتهى أمرُنا!! حِينها قالت لهُ والِدَتُه: أنتَ من جلَبَ هذا لنفسِك! صاحَ فيها: اخرَسي! اخرَسي! أنا الغبي الذي أشركتُكِ بفكرتِي! الأن لن نكسَبَ أيَّ شيء بسببِ ابنِكِ عديمِ الفائِدة! صاحَت فيه: هو ابنُكَ أيضًا! حِينها رفعَ الصحن ورماهُ عليها: ابنٌ بِلا فائِدة! لحظَتها ركَضَ لي نحو والِدَتِه ودفعها عن الصحن لينكسِرَ على كتِفه فينهالَ الدمُ مِن عليه، حِينها شدَّهُ والِدُه ورفعَهُ مِن قميصِه وعيناهُ تفيضانِ بالشرر: أيُّها الكاذِبُ الحقير، هل تعلَمُ أنَّ والِدي ماتَ بسببِك، هل تعلَمُ أنَّ قصرهُ قد احترَق؟ مع أوراقِه و مُمتلكاتِه؟! مُذ جِئت والنَّحسُ يزورُوني كالمطَر و الأن بسببِك فقدتُ كُلَّ شيء. وألقاهُ على الأرض على حُطامِ الزُجاج، توجَّهَ نحوه بنيَّةِ الخلاصِ مِنه: إذا كانَ كُلُّ شيءٍ سينتهي، فلتنتهِي معه! حِينها حالَت والِدَتهُ بينهُما: لحظة، لم يفُت الأوانُ بعد! رمقها بحِدَّة: ابتعِدي! لكِنَّها مدَّت ذِراعِيها: يستحِيلُ أن يكونَ لي غبيًّا ويتخلَّصَ مِن ورقةٍ بتِلكَ القِيمة، أثِقُ بأنَّها بغُرفَتِه! شعرَ بالألمِ يُمزِّقُ قلبه قبلَ جسَدِه، الزُجاج مغروزٌ بجلدِه كما رُوحِه، اليومُ الذي أنقذتهُ فيهِ والِدَتِه أُخِذَ مِنهُ فيهِ كُلُّ شيء، فما الجدوى؟! ما الجدوى مِن العيشِ في عالمٍ أنتَ مسلوبُ الحقِّ فيه؟! سيمُوت، سيموت ويلحَقُ بجدِّه، هو لن يكبَر، ولن ينالَ أيَّ شيءٍ على الإطلاق. «أحسنتَ عمَلًا.» كلِماتُ داميان محفورَةٌ بروحِه، أوَّلُ مديحٍ تلقَّاه بحياتِه ليرمِيهِ بوجهِه، وقد يكونُ آخِرَ ما سيتلقَّاهُ مِن مديحٍ في حياتِه. رُبَّما هو نحسٌ على من حوله، على والِديه وإلَّا لما كانا تعيسين، على داميان وإلَّا لما كانَ بالسِّجن، على جدِّه وإلَّا لما احترَق وعلى نفسِه وإلَّا لما وجدَ نفسهُ يموت. الرؤيةُ تكادُ تكونُ ضعيفة وهو يرى والِداه يُغادِران المطبخ و يترُكانِه لينزِفَ حتى الموت. .. يتبع ..

0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!