

في نهاية اليوم الدراسي سار "أكسِل" مع صديقه لخارج المدرسة فسمع حديث أحدهم: - أسمعتم ذلك؟! اتضح أن تلك الجميلة التي انتقلت مؤخرا اسمها السابق هو "أبيلا فاردي". - هاه؟ أتقصد تلك الطفلة المجرمة من تلك الأيام؟ - أجل، يقولون انها كانت تُخفي شعرها الأسود بصُباغ أشقر مؤقت! - هييييه؟ ذلك مرعبٌ حقا، لكن... إنها لخسارة لقد كانت جميلة... سمع "تورمي" هو الآخر حديث أولئك الإثنان فتسائل بينما كان يسير بجانب "أكسل": - هل أنا أتخيل أم أنهم يتحدثون عن "أبيل...؟ استوقف "تورمي" حديثه حين رأى نظرة "أكسِل" الساخطة نحو أولئك الفتَيين: - ما الذي يَهذي به هؤلاء؟ - لا! اهدأ "أكسل"، ليس لدي طاقة للشِّجار. - هما لم يتحدثا عنها بقذارة وحسب، بل إنهما ينعتانها بالمجرمة! "تورمي" أتعقِل ذلك؟ تمسّك "تورمي" بذراع "أكسل" بقوة وهو يحاول إيقافه عن الانفعال: - تمالك نفسك... ذلك ربما.. أنصت سأخبرك بالقصة لذا فلنمضِ في طريقنا وحسب. سار "أكسل" مُرغما مع رفيقه لكن ملامحه لم تعتدل ولو قليلا.. *** في طريقهما للمنزل شرح "تورمي" "لأكسِل" بالقصة التي يعلمها الجميع عن الطفلة "أبيلا فاردي" القاتلة وما يتذكره عن قضيتها: - انت لا تهتم بتلك الأمور، لذا يبدو أنك لم تطّلع عليها. - من الذي سينظر في أخبار الجرائم وهو بذاك العمر؟! - آه... أذكر أنه في ذلك الوقت انتشر الخبر كهشيم النار، فقد كان سبقًا صحفيًّا زل من بين أيدي الشرطة لا يُمكن تفويته، وما زاد الطين بلة هي تحذيرات مُعظم الآباء لأبنائهم ألا يصادقوا أمثالها. - ومن أين لهم بالحق في الحكم عليها؟ من سيصدق مثل هذا الهراء من طفلةٍ لم تملك حيلة في فُقدان أفراد عائلتها، وبسلاحٍ لم تعرف من أين لها به؟ - أنا... صدقته أيضا لأنني كنتُ طفلا، لكن "أكسِل" ليس من المرجح أن تكون "أبيلا" هي ذاتها "أبيلا فاردي" فقط لأن كلتاهما تحملان نفس الاسم الأول. - أنا عائدٌ للمنزل. - آه "أكسِل" انتظر، أنا لم أقصد... ارتبك "تورمي" بشدة مخافة أن يكون قد أساء لصديقة صديقه فهو يعلم أن "أكسِل" بالرغم من كونه قد عرف "أبيلا" لمدة قصيرة إلا أنه يعتبرها صديقةً مهمةً له، لكنه تسائل مما أثار ريبته في داخله: ~ لكن.. لمَ يبدُ أنه متأكد من أن "أبيلا" هي من يتحدثون عنها وليس مُجرد افتراضٍ؟! *** [ قبل عدة سويعات في صف "أبيلا"... ازداد الحديثُ السلبي عن "أبيلا" بعد أن ذكرت تلك الزميلة اسم "أبيلا فاردي"، كانت الطالبة التي كشفت عن ذلك الاسم هي ذاتُها التي اعتادت التحديق في "أبيلا" وكأنها كانت تستذكر أين رأتها من قبل، تسائل الطلاب والطالبات فيما بينهم: - ايه؟ "أبيلا فاردي"؟ - هاه؟ اه... أظن أني أعرف هذا الاسم، هل هي تلك الطفلة التي قتلت عائلتها؟ ... - لكنها "أبيلا تشاغرين"؟ - أنا متأكدة من أنها كانت تحمل تلك العينين الرماديتين، وشعرها الأسود. - صحيح!.. ربما قاموا بتغيير اسمها. - ايه! هل كنا ندرس بجوار قاتلة؟! - "أبيلا" هل أنتِ حقا؟ وبين كل ذلك الحديث الذي دار حول "أبيلا" وحقيقتها كانت هناك آخر من سألت، فالتفتت "أبيلا" مُبدية ردة فعل أخيرا لصاحبة السؤال لتجدها صديقتها الوحيدة "فيليتا"، والتي أتت لتوها من دورات المياه، وتعجبت من حال صفها وما حل ب"أبيلا"، فسكتت "أبيلا" لثوانٍ قبل الإجابة ثم نظرت إلى عيني "فيليتا" ودون أي ارتياب أو تردد: - أجل أنا هي "أبيلا فاردي"... وكما تقولون قاتلة عائلتها! جفلت صديقتها وتراجعت بخطوات صغيرة للخلف بنظرةٍ شديدةِ الخوف: - ل لماذا أخفيتِ...؟ لا لماذا أنتِ... تفاجئت "فيليتا" ولم تعرف أي كلماتٍ أو أي عتابٍ تلفظ به، فهل ستعتبر مجرمًا سابقا كصديقٍ لها حتى إن أخبرتها "أبيلا" بذلك قبلا؟ جمعت "أبيلا" أمتعتها بهدوءٍ شديد متجاهلةً حالة صديقتها المتفاجئة، بل ولم تُجب على أيٍّ من التساؤلات السلبية نحوها. لحظات حتى دخلت المعلمة الصف لكنها تعجبت من نظراتِ الجميع التي أحاطت "أبيلا" وذلك الجو الذي ساد الطلاب بالغرابة، وحين كادت أن تأمر الجميع بالعودة إلى مقاعدهم والاستعداد للدرس تفاجأت بخروج "أبيلا" أمامها متجاهلةً وجودها: - مهلا "أبيلا" إلى أين أنتِ ذاهبة؟ وما الذي حدث لشع... مهلا "أبيلا"!! لم تستطع المعلمة إيقاف "أبيلا" عن الخروج، لكنها تساءلت بشدة من أن أكثر طالبة تهذيبا قامت بتجاهل أوامرها بهذه الطريقة. *** ~ لا زال مزعجا... فكّرت "أبيلا" بينما جعلت تجفف شعرها المُبتل في دورة المياه، نظرت إلى مظهرها في المرآة مُطولة بصمت فرأت خيالا لها مُلطخةً بالدماء، تردد حديثُ طلاب الصف إلى عقلها (قاتلة عائلتها... الطفلة التي لم تملك البراءة...هل كنا ندرس بجانب قاتلة؟...غيرت كنيتها لتخدعنا...) ارتعبت بشدة وتجهّم وجهُها فأخذت حقيبتها وركضت كمن تفر من شيءٍ يخيفها. في الجانب الآخر من الممرات والتي تُطل على الساحة كان "أكسِل" يسيرُ مُترنحا وهو يتذمر من كثرة الدروس التي يجب أن يتهرّب منها: - آهخ، لماذا علينا دراسة كل هذه المناه... توقف عن حديثه حين رأى عبر النافذة الزجاجية التي على طول البناء فتاةً تركض في الممرات من الجهة المقابلة للرواق الذي هو فيه: - هاه! أكان لدينا طالبة شعرُها بهذا السواد؟ وبلونين حتى؟ أو هل هو مسموح في المدرسة؟ اجتاحه الفضول الشديد حتى قرر الذهاب لمعرفة من تلك الطالبة التي تركض في الرواق بينما كان الجميع في صفوفهم. سبق "أكسِل" الفتى الرياضي الفتاة للوصول إلى بوابة الخروج ووقف هُناك منتظرا: ~ أنا متأكد من أنها قادمة أو ربما... كاد "أكسِل" أن يعود أدراجه لأنه ظن أن الفتاة ربما لن تنزل إلى الخارج، لكن "أبيلا" وصلت عند البوابة كما توقع، فأخذت بمظلتها الخاصة من خزنة المظلات وأقبلت على الخروج دون أن تلحظ من كان ينتظرها، أمسك "أكسِل" بمعصمها ليوقفها بدهشة: - "أبيلا"؟! التفتت "أبيلا" إلى ذلك الشخص الذي أوقفها بنظرتها الشاحبة لتجده "أكسل"، فتبسم "أكسل": - عرفتُ أنها أنتِ!... لكن هل صبغتِ شعرك بالأسود؟ لمَ هو مُبتل؟ وملابسك ما الذي؟ تعجب "أكسِل" حين رأى الصبغة الشقراء التي سالت على سطح كتفيها، فسحبت "أبيلا" بيدها من بين قبضته وكشّرت حاجبيها متجاهلة وجوده ثم ركضت مُغادرة دون أن تُجيبه بكلمة. تعجب "أكسل" بشدة، فظلت صورة "أبيلا" الشاحبة التي رآها لوهلة مرسومة في خياله، فقد رأى "أكسِل" تلك اللحظة الوجيزة والتي أبدت فيها نظرة مرعوبة من شيء لم يعلمه. ظل يُحدق بها وهي تركض بعيدا وقد فتحت مظلتها لتحتمي من أشعة شمس الظهر الحارقة. لم يعلم "أكسِل" ما خطبُها وما سبب ما هي فيه لكنه شعر بالانزعاج بشدة. ] *** عاد "أكسِل" لمنزله وألقى التحية على خادم منزله فأجابه وخرج من غرفة الطهي ليرى وجه "أكسل" لكنه تعجب من كونه اختفى من أمام الباب بسرعةٍ شديدة وصعد للطابق الثاني للشقة. كان متعجلا حتى دخل لغرفته وفتح حاسبه الخاص. بحث حتى الليل في مُحركات البحث ليجد أخيرا موقعا محظورا يعرضُ تفاصيل قضية "أبيلا" التي تم إخفاؤها، فجعل يُدقق في تلك الحقائق والوقائع التي كُتبت فيه. *** في اليوم التالي، أصبح محور الحديث في صف "أبيلا"، بل ربما في معظم المدرسة عنها وعن كيف كان باساطاعتها إخفاء الحقيقة عنهم: - "فيليتا" لا بد أنكِ صُدمتِ من الحقيقة أكثر من غيرنا؟ سألت إحدى الفتيات في الصف "فيليتا" والتي كانت الشخص الأقرب إلى "أبيلا"، فأجابتها "فيليتا" بتوتر: - آه .. قليلا، لكن... - أنتِ... توقفت "فيليتا" متفاجئة من ذاك الذي اعترض حديثها، فرفعت رأسها ووجدت أمامها من تعجّب الجميع بوجودِه في صفهم، فهمست إحدى الفتيات لصديقتها: - "أكسِل دايان"؟! لمَ هو هنا؟ - أعطني رقم هاتف "أبيلا" الخلوي. طلب "أكسِل" بغلظة وبنبرة قوية، فتعجبت "فيليتا" من طلبه لكنها ارتبكت: - أنا... لقد حذفته.. - لا زلتُ سأطلب ذلك بأدب، أعطني رقم "أبيلا". رمق "أكسِل" "فيليتا" بنظرةٍ باردة على عكس عادته المبتسمة، كما كانت نبرته في سؤاله أكثر غلظة وسخط عن التي قبلها، فارتبكت "فيليتا" أكثر وأخرجت هاتفها لتُقلب فيه بأناملها التي ارتعشت في ارتباك، بالكاد استطاعت التقليب لتجد ما تريده حتى توقفت عن التقليب وناولت "أكسِل" هاتفها: - هذا هو. أخذ "أكسل" الهاتف منها ليُسجل الرقم على هاتفه، بينما كان الصمت يعم الصف بشكل غريب، وحين انتهى وضع هاتفها على الطاولة وانحنى بجسده مقتربا من أُذنها ليهمس ببعض الكلمات بصوت لم يسمعه سواها ثم ابتعد، عندما أوشك على الخروج توقف ونظر بطرف عينه إلى من كانوا يحدقون به بذهول: - إن كان هناك ما تشاؤون قوله فلا تنهشوا به من خلف صاحب الشأن. جفل الطلاب في الصف وأشاحوا بأعينهم بعيدا. بعد خروج "أكسل" عاد بعض الفتيات ليتسائلوا متعجبين مما فعله "أكسِل": - ماذا؟ منذ متى كان "أكسل" يهتم بتلك المجرمة؟ - تذكرت!... لقد رأيتُه عدة مرات يتحدث معها، لكنها كانت كعادتها المتكبرة لا تُلقي له بالا. - ايه؟ لم يكن هناك فتاة كانت محط اهتمامٍ "لأكسل" فكيف لها؟ -"فيليتا" هل أنتِ بخير؟ - ألم تحظري رقمها بعد؟ - اه .. أنا... لا، هل لكم أن تعذروني؟ أجابتهم "فيليتا" بترددٍ شديد وهي تتذكر ما همس به "أكسل" في أُذنها في تلك اللحظة القصيرة التي اقترب فيها منها، (اختاري قبل أن تندمي). ترددت للحظات لكنها لملمت أمتعتها وخرجت من الصف بحقيبتها، فتعجب كل من في الصف ظنا منهم أن "فيليتا" خشيت من أن يؤذيها " أكسِل" لاحقا وشعروا بالشفقة نحوها. *** في تلك الشقة التي كان كل شيء فيها قاتما، والتي لم يتخللها ضوء الشمس سوا من فتحة صغيرة بين الستائر العازلة، بقيت "أبيلا" فوق فِراشها مُتقوقعةٌ على نفسها. فتحت عينيها على ذلك الاتصال الذي وصلها عبر هاتفها حيث كان بجانبها على السرير، نظرت بعينيها المُرهقتين إلى الهاتف، لكنها ما إن علمت بكونه رقمًا مجهولًا ظلت تُحدق بالهاتف وهو يرن أمامها بنظرةٍ باردة دون أن تكترث له، عندما انتهى الإتصال دون إجابتها وردتها إشعاراتٌ باستقبال الهاتف لرسائل فقطبت جبينها باستعجاب، أمسكت بهاتفها أخيرا لترى ما تلك الرسائل. قرأت "أبيلا" تلك الرسائل وحدّقت بها لمدة ثم القت بهاتفها مجددا والتفّت بجسدها للجهة الأخرى. في مكان آخر عبس "أكسِل" وهو يُحدق بهاتفه مطولًا حين رأى أن رسائله قد قُرأت ولم يكن هناك رد عليها، كانت فحوى رسائله تُخبرها أنه هو صاحب الرقم المتصل، كما أنه يرغب بلقائها، لكنه حين لم يجد جوابا منها أرسل رسالة أخيرة ليُخبرها إن وافقت على لقائه فهو ينتظرها في الساعة السابعة مساءً في مطعم محدد. ثم تنهد وتبسم باعوجاج ليفرك بيده شعره. - "أكسِل" هل أنتَ ربما تتجاهلني لأنك غاضب من تلك المرة؟ تسائل "تورمي" والذي كان يمشي بجانب "أكسِل" في أروقة المدرسة، فرفع "أكسِل" نظره عن هاتفه بنظرةٍ متعجبة "لتورمي": - هاه؟ لا ولمَ سأفعل ذلك؟ - اه خشيتُ أنك فعلت، لأنني ربما أسأت ل"أبيلا". قام "أكسِل" بلف ذراعه حول رقبة "تورمي" ليحني به وتبسم: - لمن الطبيعي أن تُصدق ذلك إن كنتَ في مثل ذاك العمر، لكنني أرى الأمر بشكل مختلف، فما الخطأ إن كانت حقا مخطئة؟ ألن يكون ذلك الخطأ من الماضي الذي تراجعت عنه وندمت عليه مسبقا؟... - لكننا نتحدث عن القتل هنا؟!... اه لا أقصد أن "أبيلا" سيئة إنما..! - أنت على حق قليلا عندما نتحدث عن "أبيلا"، ايه!! تسائل مقاطعا حديثه عن كثرة الإشعارات التي وصلت لهاتفه فنظر إليه باستعجاب: - اه الكابتن يصرُخ في مجموعة المحادثة بكوننا متأخران للغاية. - أنا فقط انتظرت من كان مشغولا ولا ذنب لي. رفع "تورمي" بكتفيه غير مبالٍ، فرفع "أكسِل" ذراعه عن كتف "تورمي" ورمقه بنظرات عابثة تنوي على تحدٍ ما: - لكنني لن أكون المُلام. بالكاد تعجب "تورمي" مما قاله "أكسِل" غير مدرك لِما يقصده بذلك حتى ركض "أكسِل" ليسبقه على السلالم وقفز متخطيا معظم العتبات ثم تزحلق على الأسوار الباقية، ليرفع "تورمي" بأحد حاجبيه: - تعشق الاستعراض ها!... إذن لنرى من منا يفوز! ركض هو الآخر نحو الدرج المقابل ليُسابق "أكسِل". في نهاية السباق ربِح "أكسِل" التحدي ووصل قبل صديقه لكنهما وجدا عتابا شديدا من كابتن الفريق على تأخرهما. وأثناء مباراتهم لكرة السلة لعب "أكسِل" أفضل من عادته بشكلٍ غير متوقع. *** في الساعة السابعة مساءً جلس "أكسِل" في طاولة في المطعم منتظرا "أبيلا" كما أخبرها، بينما ظل يُحدق بهاتفه في رسائله التي قرأتها "أبيلا" باستثناء الرسالة الأخيرة التي ذكر فيها عن موعد ومكان اللقاء، لكنه لم يشأ أن يفقد الأمل وانتظر لنصف ساعة أخرى. - ماذا لديك؟ سمع "أكسِل" ذلك الصوت الهادئ الرقيق الذي عرفه جيدا فرفع رأسه أخيرا ليجد تلك الفتاة التي اعتاد رؤيتها بشعرٍ أشقر بني؛ لكنها هذه المرة كانت بشعر أسود شديد القتامة وقد ارتدت الأسود من الأعلى حتى الأسفل، وغطت رأسها بالقبعة ذات الحافة الأمامية ورفعت بالقلنسوة فوق القبعة واضعة بيديها في جيبي بنطالها، تبسم "أكسِل" ببهجة لرؤيتها أتت ولم تتجاهله. *** يتبع... Fuyume


9 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!