

انعكسَت صورتها على سطح الماء إثر اقترابها منه، تفحصت شعرها الأحمر المتموج، وعينيها الزرقاوين المائلتين للأخضر، ناظرةً انعكاسها الذي بدد ألوانها قليلًا لتمتزج مع لون الماء. "عاد لطبيعته…" قالت ذلك، ثم تنهدت متذكرة الليلةَ الماضية، والليلتين اللتين سبقتاها، وليالٍ عدة امتدت قبل ذلك. "أتساءل لِمَ يتغير لون أطراف شعري إلى السماوي… مساء…" أخذت تذكُر يومها الماضي كما تفعل كل يوم وتعدّ بأصابعها: " بالأمس، استيقظت ظهرًا… راقبت بعض المغامرين من خلال بلورتي وأنا أجهز للإفطار… ذهبت لأستحم وأغسل ملابسي… استخدمت بلورتي مرة أخرى وانغمست في حديثٍ لفتياتٍ عن الحب حتى المساء…. ثم…." اهتز صوتها ثم سكتت للحظة قبل أن تُكمِل: "شعرتُ برغبةٍ عارمة في البكاء" نظرت للأسفل ثم لفتها انعكاسها، أكانت أطرافها تصبح أفتح مجددًا؟ كان تغييرًا طفيفًا في لون الأطراف فأمسكت شعرها لتتأكد من ذلك ولكنه قد اختفى... أكانت تتخيل ذلك؟ في الأشهرِ الأخيرة، كانت قد وجدت فتاة ذات عمرٍ قريبٍ منها من خلال بلورتها وقررت أن تطّلع على حياتها بين الحين والآخر، فقبل ذلك لم تركز على شخصٍ محدد وراقبت أحداثَ العالمِ الخارجي وقانطيه بمختلفِ الاهتمامات والاختصاصات فحسب. هذه الفتاة، تملك كل ما تمنته راين لنفسها؛ عائلةٌ محبة، أصدقاءٌ أوفياء، مستقبلًا باهرًا وحبا نقيًا. مرت ببعض الصعوبات بالطبع مع ذلك وجود رفقةٍ داعمة حولها كانت تغطي على صعوباتها هذه. ومن بعدها بدأت راين تشعر بالأسى على حالها حين قارنت نفسها بها، هي أيضا تريد أن يكون لها أصدقاء، هي أيضا تريد أن تحب أحدهم… تمنت أن تعيش مع عائلةٍ مثلها… وأن تحلم بأحلامٍ كبيرة تتخطى ما تستطيع فعله في هذا العالم الذي كان كالسجن. ربما لذلك تكثف شعورها بالحزن، كانت تحاول ألا تستسلم لحزنها وأن تُشغل نفسها بأيّ شيء… ولكن خمسةَ عشَرَ عامًا كانت مدة أكثر من كافية لتجعلها تفقد تحكمها بمشاعرها. صفعت وجنتيها لتوقف أفكارها السلبية فحدثت ذاتها: " كلّا راين، عليكِ تمالكَ نفسِكِ… فلا يوجد من يطبطب عليكِ هنا." كانت تحاول الخروج من هذا العالم في السنوات الأولى منذ أن استيقظت هنا. جربت كل شيء، حاولت أن تخطو خطوة بخطوة حول العالم ولكنها كانت تعود لذات مكانها بعد فترة، حتى ولو استغرقت ساعاتٍ عديدة في المشي، فقد كان المكانُ كالمتاهة. حاولت أن تستخدم سحرها ولكن كل تعويذاتِها تبوءُ بالفشل. فرغم كونها نجحت في الاطّلاع على حياةِ الآخرين، لم تكن تستطيع التحدثَ معهم أو إرسالِ شيءٍ إليهم، فما بالك بنقلِ نفسها؟ ربما لاعتيادها على حياتِها هُنا كانت تخشى أن تخرج من منطقةِ راحتها، كلما مر الوقت زاد خوفها مما جعلها عاجزة تماما… فقد وصلت لطريقٍ مسدود. "سأرسمُ شيئّا لأفرغ مشاعري، فالرسمُ دائما ما يشعرني بالراحة." قالت ذلك ثم صفقت بيديها مرتين فإذا بلوحةٍ خشبيةٍ تَظهرُ أمامها مرافقةً لبعض الألوان، كانت قد تعلمت كيف تُظهر الأشياء التي تتخيلها بالسحر وقتما أرادت، لكن هناك حدٌّ لما تستطيعُ فعله؛ فعليها أن تتخيل تفاصيلًا دقيقةً جدًّا وإلا لن تعملَ التعويذة. كـ مكوناتِ الألوانِ مثلًا، فقد كان عليها اكتشافُ طريقةِ تحضيرِ الألوانِ بنفسها قبلَ أن تستطيعَ الحصولَ عليها دون جهد. جلست على الأرضِ العشبية، ووضعت الألوانَ بجانبها فأمسكت باللوح الخشبي وأسندتهُ في حُضنها، قررت أن ترسمَ السماء، لَم تكن المرّةَ الأولى التي ترسمها فيها ولكن هذه المرة أرادت أن ترسم شيئًا غير مألوفٍ وأن تستخدمَ ألوانًا غير التي تراها في الطبيعة. رفعَت ببصرها ومدت يدَها التي تحملُ الفرشاةَ نحو السماءِ مغلقةً عينًا واحدة وكأنها تتفحصُ أشكالَ الغيوم، فإِذا بها ترى غيمةً تتحرك من الأسفلِ إلى الأعلى... بل كان دخانًا متصاعدًا في الجهةِ المعاكسةِ لمنزلها..! توقفت أنفاسُها، فتسارعت ضرباتُ قلبِها كما أفكارها المتدفقة (كيف؟ لِمَ؟ لا يوجد شيء هناكَ سوى الأشجار…! أحترقَ شيء ما هناك؟ ولكن كيف؟؟ الدخانُ لن يتصاعد من تلقاءِ نفسه!) في العادة تحادثُ نفسها بصوتٍ عالٍ لتسكر الصمت الذي غمَرَ عالمَها، إلا أنَّها ولشدةِ رُعبِها لم تستطِع إخراجَ أي صوت. بدأت تفكِّرُ بفِكرة، فكرةً لم تجرُؤ على التفكيرِ بها قَبلَ ذلك: كونَها لم تكُن وحْدها. تسارعت نبضاتُها أكثرَ فأكثر، شَعَرت بقشعريرة تسري في جسدها، وجفّ ريقها. أتذهب؟ أم لا تذهب؟ فكَّرت قليلًا، شعرت بالخوف، ولكنها إن أرادت أن تغير حياتها… فعليها أن تتحرك! وقفت على رجليها فأسقطتِ اللوحة، بدأت تمشي بخطواتٍ بطيئة مع ارتعاش جسدها وكأنها تمشي فوق أرضٍ ضيقة، وكأنها ستسقط إن مشت أسرع من ذلك… ولكنها كانت تزيد من سرعة مشيها بالرغم من ذلكَ شيئًا فشيئًا حتى أصبحت تُهرول ثمّ تَركض ثمّ تَعدو نحوَ مصدرِ الدخان. وحين اقتربت، خفّفت سرعَتَها فأخذت تمشي بحذر… كانت وسطَ حفنةِ من الأشجار التي أخذت تنحسر تدريجيًّا نحوَ مساحةٍ خضراء ممتدة أمامها. بدأت تسمعُ نبضاتها المتسارعة وكأن قلبها في أذنيها إثر توترها الشديد، أغمضَت عينيها فأخذت نفسًا عميقًا ثم خرجت من بين الأشجارِ إلى هذه المساحة دون أن تفتحهما. سمِعَت صوتَ فرقعةِ النار، وسرعانَ ما بدأت تتسللُ رائحة طعامٍ مطهو إلى أنفها. فتحت عينيها ببطءٍ شديد، وأخذت تتفحصُ المكان حتى وقع نظرها على عَينان زرقاوان، لم يكُن انعكاسُها، لم تكُن مرآة. بل كان شخصًا! كانَ جالسًا القرفصاء على الأرضِ وأمامه النار ملاقيًا عينيه بعينيها، ممسكًا بعودٍ خشبي عليه سمكةٌ مشوية، وكأنه على وشكِ أن يأكُلها. رَمَشَت مرتين ثم فَركَت عينيها، ولكنه لم يختفِ! قَرَصَت خدها ولم يكن حُالمًا! بدأَ ذلك الأشقر بتحريكِ ناظريهِ بين السمكةِ وبينها ثم نهضَ من مكانهِ فَفَزِعَت هيَ وتراجعَت خطوةً إلى الوراء. تحرَّك نحوها دون أن يقولَ شيئًا وهي تبتعدُ عنهُ مع كل خطوةٍ يخطوها، ثم مدَّ بذراعه الممسكةِ بالسمكةِ نحوها وقال: " أتريدينَ تناوُلهَا؟" "هاه…؟"

6 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!