

حاولتُ في الأيام التالية أن أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. وكأن السيارة السوداء لم تكن موجودة، وكأن الرسالة التي وصلتني من رقم مجهول لم تكن أكثر من مزحة ثقيلة، وكأن نظرات آسر في ذلك اليوم لم تحمل شيئًا يستحق القلق. لكنني كنت أعرف أنني أكذب على نفسي. كلما جلست وحدي، عادت إليّ الصورة نفسها؛ السيارة المتوقفة بعيدًا، الطريقة التي تغيّرت بها ملامح آسر بمجرد أن لمحها، ثم صوته وهو يخبرني ألا أنظر. لم يكن خائفًا على نفسه فقط. كان خائفًا مني. وفي مساء أحد الأيام، كنت أخرج من المقهى بعد انتهاء عملي، حين لمحت رجلًا يقف على الجانب الآخر من الشارع. لم أكن قد رأيته من قبل، أو ربما رأيته ولم أنتبه إليه. كان يرتدي معطفًا داكنًا، ويبدو وكأنه ينتظر شخصًا ما. وحين التقت عيناي بعينيه، تحرك مبتعدًا. توقفت للحظة، ثم أكملت طريقي. لم أفكر في الأمر كثيرًا حتى وصلت إلى المنزل. هناك، وجدت شيئًا موضوعًا أمام الباب. صورة. التقطتها بتردد، وقلبتها بين يدي. كانت قديمة قليلًا، ويظهر فيها آسر واقفًا أمام مبنى لم أره من قبل، لكنني عرفته فورًا من تفاصيله الحجرية وبوابته الحديدية. كان مبنى عائلة آسر. تحت الصورة كانت هناك ورقة صغيرة، لم تحمل سوى جملة واحدة: اسأليه عمّا حدث في هذه الليلة. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي. قلبت الصورة مرة أخرى، فوجدت تاريخًا مكتوبًا في زاويتها. تاريخ قديم. لكنني تذكرت الرقم الذي رأيته في المقال الذي قرأته عن اختفاء أخيه. كان التاريخ نفسه. لم أحتج إلى أكثر من ذلك لأعرف أنني لن أستطيع تجاهل الأمر. في اليوم التالي، بحثت عن عنوان المبنى، وذهبت إليه. كان المكان أقدم مما تخيلت، ويبدو مهجورًا منذ سنوات، حتى إن البوابة لم تكن مغلقة تمامًا. تحيط به الأشجار من كل جانب، بينما بدا المنزل من الخارج هادئًا بصورة جعلتني أشعر بأن الهدوء فيه يخفي شيئًا. دخلت بعد تردد طويل، ووجدت غرفة قديمة لم يكن يبدو أن أحدًا يستخدمها منذ سنوات. كانت هناك صناديق كثيرة، بعضها مغطى بطبقة خفيفة من الغبار. بدأت أبحث دون أن أعرف عمّا أبحث بالضبط، حتى وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا. فتحته. كانت بداخله صور قديمة. أمسكت أول واحدة. كان آسر فيها أصغر سنًا، يقف إلى جانب شاب يشبهه كثيرًا. عرفت أنه أخوه. وفي صورة أخرى، كانا يضحكان معًا أمام المنزل نفسه. ظللت أقلب الصور واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى صورة جعلتني أتوقف. كان آسر يقف وحده. لم يكن يبتسم. وكان التاريخ المكتوب خلفها هو التاريخ نفسه الذي تذكرت أنني قرأته في أحد المقالات عن اختفاء أخيه. شعرتُ بأن أنفاسي أصبحت أثقل. إذا كانت الصورة قد التُقطت في تلك الليلة فعلًا... فلماذا كان آسر وحده؟ ومن الذي التقط الصورة؟ ولماذا أرسلها لي شخص غريب؟ وضعت الصورة على الطاولة، لكن قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، سمعت صوتًا خلفي. «ليس بهذه الطريقة.» تجمدتُ في مكاني. استدرت ببطء. كان آسر يقف عند الباب. لم أعرف كيف وصل إلى هنا، ولا منذ متى كان واقفًا هناك. نظر إلى الصور أمامي، ثم رفع عينيه نحوي. لم يكن غاضبًا. كان يبدو... متعبًا. قلتُ بصوت خافت: «كنت أعرف أن هناك شيئًا تخفيه.» لم يجب. اقترب من الطاولة، وأخذ إحدى الصور بين يديه. ظل ينظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول: «كنت أتمنى ألا تريها أبدًا.» «لماذا؟» رفع عينيه إليّ. «لأن بعض الأشياء، عندما تعرفينها، لن تنظري إلى الشخص بالطريقة نفسها.» ابتلعتُ ريقي. «هل هذا له علاقة بأخيك؟» ساد الصمت. ولأول مرة، لم يحاول آسر الهروب من السؤال. قال بهدوء: «نعم.» كانت تلك الكلمة كافية لتجعل قلبي يخفق بقوة. «إذن أخبرني.» أعاد الصورة إلى مكانها. «ليس الآن.» نظرت إليه بعدم تصديق. «إلى متى ستظل تقول لي ليس الآن؟» لم يجب مباشرة. ثم قال: «حتى أتأكد أنكِ مستعدة لسماع الحقيقة كاملة.» لم أعرف ماذا أقول. كنت أريد إجابة، أي إجابة، لكنه كان يعرف كيف يترك لي نصف الحقيقة فقط، ثم يجعلني أشعر بأن النصف الآخر أخطر من أن أسأل عنه. وقبل أن أغادر، سمعته يقول: «مايا.» توقفت. «لا تبحثي وحدك.» التفتُّ إليه. «ولماذا؟» نظر إليّ طويلًا، ثم قال: «لأنكِ لا تعرفين من قد يجدكِ قبل أن تجدي الحقيقة.» خرجت من المكان وأنا أضم الصورة إلى صدري. ________________ عدت إلى المنزل في وقت متأخر، وما زالت كلماته تدور في رأسي. «لا تبحثي وحدك.» وضعت الصورة فوق الطاولة، وجلست أمامها للحظات وأنا أحدق في وجه آسر الصغير. كان من الصعب أن أتخيل أن الشخص نفسه الذي رأيته في تلك الصور يخفي كل هذا الغموض خلف هدوئه المعتاد. تنهدتُ، ثم نهضت لأضع الصورة في درج مكتبي. لكن قبل أن أبتعد، سمعت طرقًا على الباب. توقفت. نظرت إلى الساعة. كان الوقت متأخرًا. ترددت للحظات قبل أن أتجه نحو الباب، ثم فتحته بحذر. تجمدتُ في مكاني. كان آسر يقف أمامي. لكن هذه المرة، لم يكن كما رأيته قبل ساعات. كان شعره فوضويًا، ومعطفه غير مرتب، وعلى ملابسه آثار واضحة لدماء لاتبدوا وكأنها تخصه، بينما كان يمسك ذراعه وكأنه يحاول تجاهل الألم. اتسعت عيناي. «آسر؟ ماذا حدث لك؟» رفع عينيه نحوي، وبدا للحظة وكأنه لم يجد ما يقوله. «هل يمكنني الدخول؟» ترددت للحظة، ثم ابتعدت عن الباب وسمحت له بالدخول. جلس على الكرسي القريب، بينما اتجهت إلى حقيبة الإسعافات. جلست أمامه وبدأت أعتني بجرحه. كان صامتًا طوال الوقت، وأنا أيضًا لم أعرف ماذا أقول. لكن فضولي غلبني في النهاية. «من فعل بك هذا؟» لم يجب. رفعت عيني إليه. «آسر.» تنهد بهدوء. «لا تسألي.» «كيف لا أسأل وأنت تأتي إلى منزلي بهذه الحالة؟» نظر إليّ للحظات، ثم قال: «لأنكِ إذا عرفتِ، قد تندمين على أنكِ سمحتِ لي بالدخول.» توقفت يدي للحظة. نظرت إليه، محاولة أن أفهم ما يقصده. «هل أنت في خطر؟» أبعد نظره عني. «ليس أنا وحدي.» تسارعت دقات قلبي. «ماذا يعني ذلك؟» لم يجب. اكتفى بالصمت حتى انتهيت من تضميد جرحه. رفعت يدي عنه، ثم قلت: «انتهيت.» نظر إلى الضماد، ثم إليّ. «شكرًا.» «لا تشكرني. فقط أخبرني ماذا حدث.» ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. «قلت لكِ... لا تبحثي.» نهض ببطء. «انتظر، إلى أين ستذهب؟» «إلى المكان الذي جئت منه.» «وأنت بهذه الحالة؟» التفت إليّ عند الباب. ظل ينظر إليّ لثوانٍ، ثم قال: «مايا... مهما حدث، لا تفتحي الباب لأي شخص الليلة.» شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. «لماذا؟» لكنه لم يجب. اكتفى بالنظر إليّ نظرة طويلة، ثم غادر. أغلقت الباب خلفه، وبقيت واقفة في مكاني. لم أفهم لماذا جاء إليّ. ولا ممن كان يهرب. ولا لماذا شعرتُ، للمرة الأولى، أن آسر لم يكن الرجل الغامض الذي أخشاه... بل الرجل الذي كان يخشى شيئًا أكبر منه. وضعت يدي على صدري، محاوِلة تهدئة قلبي. لكن شيئًا واحدًا ظل يراودني: ما الذي حدث لآسر في تلك الليلة؟ ولماذا شعرتُ أنني أصبحت جزءًا من الأمر دون أن أختار ذلك؟ لم أكن أعرف أنني لم أكن أبحث عن ماضي آسر فقط... بل كنت أقترب من شيء كان يراقبني منذ البداية.
5 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!