

مرّت الأيام التالية بهدوء غريب، هدوء لم أشعر معه بالراحة بقدر ما جعلني أترقب شيئًا لا أعرفه. لم تعد الرسائل المجهولة تصلني، ولم أرَ السيارة السوداء مرة أخرى، وآسر بدأ يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. كان يتصل بي في المساء، يسألني عن يومي، يشتكي من قهوته التي أصبحت باردة قبل أن ينهيها، ويضحك حين أخبره عن أحد زبائن المقهى الذين يطلبون الشيء نفسه كل يوم ثم يغيرون رأيهم خمس مرات. كنت أضحك معه، وأحاول أن أصدّق أن الأمور عادت إلى طبيعتها، لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان. بدأت ألاحظ التفاصيل الصغيرة. حين أتحدث عن الخروج مع صديقاتي، يسألني إلى أين سأذهب ومتى سأعود. حين أتأخر في الرد، يتصل بي أكثر من مرة. وحين أخبره أنني عدت إلى المنزل، أشعر وكأنه لا يطمئن فعلًا إلا بعد أن يتأكد بنفسه. في البداية كنت أجد الأمر لطيفًا. ثم بدأت أشعر أنه أكثر من ذلك بقليل. في إحدى الليالي، كنت جالسة على سريري أقلب هاتفي بين يدي حين وصلني منه اتصال. أجبت فورًا. "ألو؟" جاء صوته هادئًا على الطرف الآخر: "هل أنتِ وحدك؟" عبست. "نعم... لماذا؟" "لا شيء." "آسر." ضحك بخفة. "ماذا؟" "أنت غريب." ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال: "وأنتِ بدأتِ تلاحظين." توقفت عن العبث بهاتفي. "ألاحظ ماذا؟" "لا شيء." "آسر!" ضحك هذه المرة، لكنني شعرت أن ضحكته كانت تخفي شيئًا. "نامي يا مايا." "لن أنام قبل أن تخبرني." "إذًا ستبقين مستيقظة طويلًا." تنهدت وأنا أتمتم: "مزعج." "أعرف." انتهت المكالمة بعد دقائق، لكن كلماته بقيت في رأسي. وأنتِ بدأتِ تلاحظين. لم أعرف ما الذي كنت ألاحظه بالضبط، لكنني بدأت أشعر أن الصورة التي رسمتها له في رأسي كانت ناقصة. وأن هناك جانبًا منه لم يسمح لي برؤيته بعد. وفي تلك الليلة، للمرة الأولى، سألت نفسي سؤالًا لم أجرؤ على التفكير فيه من قبل: ماذا لو لم يكن آسر الشخص الذي ظننته؟ لم أجد إجابة. ولم أكن أعرف أنني، بعد أيام قليلة، سأحصل عليها بنفسي.
5 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!