

لم تتحرك لاسينا. حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت في صدرها. كانت الفتاة الصغيرة تقف في قلب الضوء، حافية القدمين، بثوب أبيض بسيط يصل إلى ركبتيها، وشعر وردي طويل يتدلى خلف ظهرها. شعرها. عيناها. ملامح وجهها. كل شيء فيها كان مألوفًا إلى درجة مؤلمة. رفعت لاسينا يدها ببطء. — أنا... لم تستطع إكمال الجملة. قالت الطفلة: — تأخرتِ. كان صوتها صوت لاسينا. لكن ليس صوتها الآن. صوتها حين كانت طفلة. ارتجفت أصابعها. اقترب لوكاس خطوة. — لاسينا، لا تقتربي. لم تستمع إليه. كانت عيناها معلقتين بالطفلة. — من أنتِ؟ ابتسمت الصغيرة. — تعرفين. هزت لاسينا رأسها. — لا. — بلى. — لا أعرفك. مالت الطفلة برأسها. — لكنني أعرفك. تقدمت لاسينا خطوة. أمسك لوكاس بمعصمها. — انتظري. نظرت إليه. كان القلق واضحًا في عينيه. قال بهدوء: — لا نعرف ما هذا. — إنها طفلة. — تشبهك. — أعرف. — وهذا هو سبب قلقي. التفتت لاسينا إليها مجددًا. كانت الطفلة لا تزال تبتسم. ثم قالت: — هو يخاف عليكِ. نظرت لاسينا إلى لوكاس. — ماذا؟ قالت الطفلة: — لكنه لم يقل لكِ لماذا. تغير وجه لوكاس. — من أنتِ؟ للمرة الأولى، اختفت ابتسامة الصغيرة. نظرت إليه. — أنت لست من المفترض أن تكون هنا. شد لوكاس يده حول سيفه. — ماذا تقصدين؟ لم تجبه. بل عادت تنظر إلى لاسينا. — تعالي. قال لوكاس فورًا: — لا. التفتت الصغيرة إليه. — أنت دائمًا تقول «لا». ساد الصمت. اتسعت عينا لاسينا قليلًا. — ماذا تعنين؟ قالت الطفلة: — في كل مرة. ثم رفعت يدها. — لكنه يأتي في النهاية. نظر لوكاس إلى لاسينا. لم يفهم أيٌّ منهما ما تقصده. قال أدريان من الخلف: — لا تلمسيها. التفتت لاسينا. كان الأمير واقفًا عند مدخل الممر، ووجهه شاحب. — لماذا؟ قال: — لأنها ليست طفلة. حدقت فيه لاسينا. — ماذا؟ اقترب أدريان ببطء. — إنها ذكرى. ضحكت الطفلة. ضحكة قصيرة. ثم قالت: — لا أحب هذا الرجل. نظر أدريان إليها. — وأنا لا أحب أنكِ تعرفينني. تغيرت ملامحها. وللمرة الأولى، بدت خائفة. قال أدريان: — هذا ليس انعكاسًا. اقترب أكثر. — إنها ذاكرة محفوظة داخل السحر. قالت لاسينا: — ذكرياتي؟ — ربما. — لكنها تتحدث. — الذكريات القديمة تستطيع ذلك إذا كانت مرتبطة بلحن. سألت: — وهل يمكنها أن تراني؟ صمت أدريان. ثم قال: — لا أعرف. قالت الطفلة: — أراكِ. التفتت لاسينا إليها. — كيف؟ — لأنكِ عدتِ. — إلى أين؟ رفعت الطفلة إصبعها نحو الداخل. — إلى هنا. ثم استدارت وبدأت تمشي. خطوة صغيرة. ثم أخرى. توقفت بعد عدة أمتار. ونظرت خلفها. — لن تأتي؟ لم تجب لاسينا. قال لوكاس: — لن تذهب إلى أي مكان قبل أن نفهم ما يحدث. رفعت الطفلة حاجبًا. — أنت مزعج. قال كايل من الخلف: — بدأت أحبها. نظر إليه لوكاس. — كايل. — آسف. اقتربت لاسينا من الطفلة رغم اعتراض لوكاس. هذه المرة لم يمنعها. وقف إلى جوارها فقط. كانت الغرفة خلف الجدار أكبر مما بدت عليه من الخارج. جدرانها مغطاة برسومات لنجوم. سبع نجوم. لكن واحدة منها كانت مطموسة. في المنتصف، كانت هناك دائرة حجرية. وقفت الطفلة داخلها. ثم قالت: — هنا بدأ كل شيء. سألت لاسينا: — ماذا بدأ؟ — الغناء. — ومن غنّى؟ ابتسمت. — أنتِ. ارتجفت لاسينا. — أنا؟ — عندما كنتِ صغيرة. قالت لاسينا: — أنا لم أتعلم الغناء هنا. — لم تتعلميه. تقدمت الطفلة نحوها. — تذكرتِه. شعرت لاسينا بأن شيئًا يضغط على صدرها. قال لوكاس: — ماذا حدث في تلك الليلة؟ رفعت الطفلة عينيها إليه. — أي ليلة؟ — الليلة التي جاءت فيها لاسينا إلى هنا. صمتت الصغيرة. ثم قالت: — لم تكن ليلة واحدة. نظر أدريان إلى لوكاس. — ماذا تقصد؟ أجابت: — كانت هناك ليالٍ كثيرة. ثم نظرت إلى لاسينا. — وأنتِ لم تتذكريها. اقتربت لاسينا. — أريد أن أتذكر. — هل أنتِ متأكدة؟ — نعم. هزت الطفلة رأسها. — لا تقولي نعم بسرعة. توقفت لاسينا. — لماذا؟ — لأن التذكر يؤلم. نظرت إليها لاسينا طويلًا. ثم قالت: — النسيان يؤلم أيضًا. لم تجب الطفلة. فقط مدت يدها. كانت يدًا صغيرة. ناعمة. بريئة. نظرت لاسينا إليها. ثم إلى لوكاس. قال بهدوء: — إذا لم تكوني مرتاحة، لا تفعلي. ترددت. ثم مدت يدها. لامست أصابع الطفلة. وفي اللحظة نفسها... اختفى المكان. كانت لاسينا تركض. لم تكن تعرف لماذا. كانت صغيرة. صغيرة جدًا. ربما في السادسة. قدماها حافيتان. والأرض باردة. كانت تمسك بطرف ثوبها وترفعه كي لا تتعثر. خلفها كانت أمها تصرخ: — لاسينا! توقفي! لكنها لم تتوقف. كانت تضحك. ضحكة طفلة لا تعرف الخوف. ركضت عبر ممر طويل. ثم وصلت إلى غرفة. الغرفة نفسها. لكنها لم تكن قديمة. كانت مضاءة بالشموع. وفي وسطها وقفت أمها. كانت تبكي. ليس بكاءً عاليًا. بل دموعًا صامتة. اقتربت منها الطفلة. — أمي؟ ركعت الأم أمامها. أمسكت وجهها بكلتا يديها. — اسمعيني جيدًا. — ماذا؟ — إذا سألك أحد عن الأغنية... توقفت. — ماذا أقول؟ — قولي إنك لا تعرفينها. ضحكت لاسينا الصغيرة. — لكنني أعرفها. تغير وجه أمها. — لا تقولي ذلك. — لماذا؟ — لأنهم سيأخذونك. توقفت الطفلة عن الضحك. — من؟ رفعت الأم عينيها نحو الباب. كان هناك رجل يقف في الخارج. لم يظهر وجهه. قال: — لقد وجدناها. ارتجفت الأم. أمسكت لاسينا من كتفيها. — اركضي. — أمي؟ — الآن! ركضت الطفلة. لكنها قبل أن تغادر، سمعت أمها تقول: — لا تدعي النجمة السابعة تسمع صوتك. شهقت لاسينا وعادت إلى جسدها. كانت على الأرض. لوكاس راكع أمامها. يده خلف ظهرها تسندها. — لاسينا. حاولت التنفس. — أمي... قال: — أنا هنا. رفعت عينيها إليه. — كانت تعرف. — ماذا؟ — كل شيء. اقترب أدريان. — ماذا رأيتِ؟ أجابت بصعوبة: — كانت هناك ليلة... توقفت. ثم نظرت إلى الطفلة. لم تعد هناك. اختفى الضوء. اختفى الباب. ولم يبقَ سوى الجدار الحجري القديم. كأن شيئًا لم يحدث. قال كايل: — لا أحب هذا. قالت ميرال: — وأنا أيضًا. أما لوكاس فلم ينظر إلى الجدار. كان ينظر إلى لاسينا. — هل تأذيتِ؟ هزت رأسها. — لا. — هل أنتِ متأكدة؟ — نعم. — هل تستطيعين الوقوف؟ أومأت. مد يده. أمسكت بها. وحين وقفت، بقيت يده حول يدها للحظة أطول مما احتاجته. لاحظت ذلك. ولم تقل شيئًا. عادوا إلى غرفة أدريان. هذه المرة لم يجلس أحد. كان الجميع واقفًا حول الطاولة. وضع أدريان كتابه أمامه. ثم قال: — نحتاج إلى أن نبدأ من البداية. قال كايل: — كنت أتمنى ألا تقول هذه الجملة. — لماذا؟ — لأن «البداية» عندك تعني عادةً عشر ساعات من الكتب القديمة. — ربما اثنتا عشرة. — هذا أسوأ. جلست لاسينا. كان وجهها شاحبًا. جلست ميرال بجوارها. أما لوكاس فوقف خلفها. قال أدريان: — أسطورة النجوم السبع ليست مجرد أسطورة. فتح الكتاب. — كانت هناك سبع مغنيات. قلب صفحة. — كل واحدة كانت تحمل جزءًا من اللحن الأصلي. صفحة أخرى. — لكن السجلات تقول إن السابعة اختفت. سألت لاسينا: — ماتت؟ — لا نعرف. — إذن لماذا يسمونها النجمة السابعة؟ — لأن اختفاءها غيّر اللحن نفسه. قالت: — وما علاقة عائلتي؟ توقف أدريان. ثم أخرج ورقة قديمة. — هنا المشكلة. دفعها نحوها. كان عليها ختم لورينفال. وختم آخر لم تعرفه. قال: — سلالة لورينفال لم تكن مجرد حُكّام للموسيقى. — ماذا كانت؟ — حُرّاس اللحن. ساد الصمت. قالت لاسينا: — وأنا؟ نظر إليها. — أنتِ آخر فرد من السلالة الملكية يحمل العلامة. لم تفهم. — أي علامة؟ أشار إلى عينيها. — البنفسج. سكتت. قال لوكاس: — هل هذا يعني أن عينيها... — ليست مجرد لون. قال أدريان. — إنها أثر للسحر القديم. وضعت لاسينا يدها على عينيها. — لماذا لم يخبرني أحد؟ أجاب أدريان: — لأن عائلتك كانت تحاول حمايتك. قالت: — من ماذا؟ نظر إلى الكتاب. ثم قال: — من الذين يبحثون عن النجمة السابعة. في تلك اللحظة، انفتح الباب. دخل السير إليان. توقف عندما رأى الجميع مجتمعين. قال: — سيدي. التفت لوكاس. — ماذا؟ — وصلت رسالة من العاصمة. مدها إليه. أخذها لوكاس وفتحها. قرأ السطور. ثم تغير وجهه. لاحظت لاسينا ذلك. — ماذا حدث؟ رفع عينيه إليها. — الإمبراطور أوريان دعاكِ إلى القصر الإمبراطوري. — متى؟ — بعد ثلاثة أيام. قال كايل: — هذا توقيت سيئ جدًا. قال أدريان: — بل هو أسوأ توقيت ممكن. نظرت لاسينا إليهما. — لماذا؟ أجاب أدريان: — لأن الاحتفال الإمبراطوري بعد ثلاثة أيام هو أول مرة ستظهرين فيها رسميًا أمام جميع بيوت أريامور. قال لوكاس: — وهذا يعني أن الجميع سيراكِ. وأضاف إليان: — والجميع سيسأل عنكِ. نظرت لاسينا إلى الرسالة. ثم قالت: — ربما حان الوقت إذن. نظر إليها لوكاس. — لأي شيء؟ رفعت عينيها البنفسجيتين. — لأنني سئمت من أن يكون الجميع خائفًا من شيء لا أعرفه. ثم طوت الرسالة. — سأذهب. لم يعترض لوكاس. لكن أدريان قال: — إذا ذهبتِ، لا تغني. رفعت لاسينا عينيها إليه. — لماذا؟ أجاب: — لأن الرسالة التي وصلت صباحًا قالت شيئًا واضحًا. توقفت. — «لا تغنّي أمام النجمة السابعة». ثم نظر إلى لوكاس. — ونحن لا نعرف بعد أين ستكون النجمة السابعة في تلك الليلة. في مكان آخر من القصر... كانت دالين تجلس أمام والدتها. وضعت الماركيزة فيوليت فنجان الشاي على الطاولة. — ماذا عرفتِ؟ أجابت دالين: — لاسينا ليست أميرة عادية. لم تتفاجأ والدتها. — توقعت ذلك. — هناك شيء يتعلق بلورينفال. — ماذا؟ — لم أعرف بعد. رفعت فيوليت عينيها. — إذن اعرفي. سكتت دالين. ثم قالت: — وأريد أن أعرف شيئًا آخر. — ماذا؟ — لماذا ينظر إليها لوكاس بهذه الطريقة؟ ابتسمت والدتها ابتسامة صغيرة. — لأنكِ ما زلتِ تنظرين إلى الأمر من المكان الخطأ. — وما المكان الصحيح؟ — لا تبحثي عن سبب اهتمامه بها. وضعت فيوليت فنجانها. — ابحثي عن الشيء الذي تخفيه. حدقت دالين في أمها. — وإذا كان أخطر مما نظن؟ قالت فيوليت: — عندها لن تكون لاسينا مجرد زوجة دوق. ثم نهضت. — ستكون مفتاحًا. في تلك الليلة... لم تنم لاسينا. كانت مستلقية في فراشها، تنظر إلى السقف. كلما أغمضت عينيها، عادت الطفلة. لماذا تأخرتِ؟ ثم صوت أمها. لا تدعي النجمة السابعة تسمع صوتك. جلست. نظرت إلى الطاولة. كانت القلادة هناك. وضعت يدها فوقها. ثم سمعت شيئًا. صوتًا خافتًا جدًا. غناء. هذه المرة لم يكن من المرآة. ولا من الممر. ولا من الباب الحجري. كان من القلادة نفسها. رفعتها. وتوقفت. لأن اللحن الذي خرج منها لم يكن غريبًا. كان اللحن الذي كانت تغنيه عندما كانت طفلة. اللحن الذي كانت تظنه مجرد أغنية صغيرة اخترعتها أمها كي تنام. بدأت لاسينا تردد أول نغمة. ثم الثانية. ثم توقفت. تذكرت التحذير. لا تغني. وضعت يدها على فمها. لكن الصوت جاء من مكان آخر. من خلف النافذة. رفعت رأسها. كانت السماء مظلمة. والنجوم متناثرة. إلا نجمة واحدة. كانت بنفسجية. لمعت مرة. ثم مرتين. ثم... بدأت تتحرك. تتبعت لاسينا حركتها بعينيها. حتى استقرت فوق القصر مباشرة. وفي اللحظة نفسها... دقت الساعة. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. جلست لاسينا في سريرها، وقلبها يخفق. الرابعة. الخامسة. السادسة. أغمضت عينيها. السابعة. لكن هذه المرة لم يأتِ صوت المرأة. جاء صوت طفلة. صوتها هي. وكانت تهمس: — لا تثقي بالنجمة السابعة... ثقي بمن سيغني معكِ. فتحت لاسينا عينيها. ثم نظرت نحو الباب. كان لوكاس يقف هناك. لم تعرف منذ متى. لكنه كان ينظر إليها بصمت. وفي يده... كانت هناك ورقة قديمة. قال: — لاسينا. — ماذا؟ اقترب. ووضع الورقة أمامها. — هذه وصلت إليّ منذ عشر دقائق. نظرت إلى الختم. نجمة ذات سبعة رؤوس. ثم فتحت الورقة. وكان فيها سطر واحد: «إذا أردتَ إنقاذها عندما تبدأ الأغنية... فلا تجعلها تعرف أنك كنت تعرف الحقيقة منذ البداية.» رفعت لاسينا عينيها إليه. هذه المرة... لم يكن في وجهها خوف. بل سؤال واحد. مؤلم. واضح. — ماذا كنت تعرف يا لوكاس؟
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!