

لم تتحرك لاسينا. بقيت واقفة عند عتبة الغرفة، ويد لوكاس لا تزال حول يدها. كان الباب السري مفتوحًا أمامهما، والظلام خلفه ساكنًا على نحوٍ غير طبيعي. لم يكن هناك هواء، ولا صوت، ولا حتى رائحة رطوبة أو غبار كما توقعت. فقط ذلك الضوء البنفسجي البعيد. وتلك اليد الشاحبة التي ظهرت للحظة من العتمة. ثم اختفت. قالت لاسينا بصوت خافت: — أين ذهبت؟ لم يجب لوكاس. رفع المصباح الذي انطفأ قبل لحظات، وحاول إشعاله من جديد. مرة. ثم ثانية. لا شيء. قالت لاسينا: — المصباح... — أعرف. — هل هذا طبيعي؟ نظر إليها. — لا. ابتلعت ريقها. — كنت أتمنى إجابة مختلفة. سمعا صوتًا من خلفهما. — وأنا كنت أتمنى ألا أكون هنا أصلًا. التفتا. كانت ميرال تقف في الممر، وقد أمسكت بطرف ثوبها بكلتا يديها. خلفها وقف كايل، بينما كان أدريان يحدق في الباب وكأنه رأى شيئًا كان يبحث عنه طوال حياته. قال كايل: — لا أحد يتحرك. نظرت إليه لاسينا. — لماذا؟ — لأنني أريد أن أبدو وكأنني أعرف ما أفعله. قال أدريان ببرود: — لا تعرف. — كنت أحاول الحفاظ على هيبتي. — لا هيبة لك. — شكرًا. تقدّم أدريان نحو الباب. أمسكه لوكاس من كتفه. — لا تدخل. نظر إليه أدريان. — لماذا؟ — لأننا لا نعرف ما يوجد في الداخل. — لهذا تحديدًا يجب أن أدخل. — لا. — لوكاس... — قلت لا. كان صوت الدوق حاسمًا. نظر أدريان إلى يده التي تمسك كتفه، ثم إلى وجهه. — هل تحميها؟ لم ينظر لوكاس إلى لاسينا. قال: — نعم. رفعت لاسينا حاجبًا. أما كايل فابتسم ابتسامة جانبية. — هذه الإجابة ستعجبكِ يا دوقة. قالت لاسينا: — لا تتدخل. — لم أقل شيئًا. — وجهك قال. — وجهي بريء. قالت ميرال من الخلف: — وجهك لم يكن بريئًا منذ ولدت. التفت إليها كايل. — ميرال، أنتِ تتقدمين بسرعة خطيرة. — وأنت تتحدث كثيرًا. — بدأت أفهم لماذا أصبحتما صديقين. توقفت لاسينا. — متى أصبحنا صديقين؟ قال كايل: — منذ أن سخرتِ مني على مائدة الإفطار. — كنت أضحك عليك. — وهذا أساس ممتاز للصداقة. كادت تبتسم. لكنها عادت لتنظر إلى الباب. كان هناك شيء في داخله يشدها. ليس خوفًا فقط. بل إحساس غريب بالألفة. كأنها وقفت أمام هذا الباب من قبل. كأن قدميها تعرفان الطريق. مدت يدها نحو لوكاس. لم تكن تعرف لماذا فعلت ذلك. ربما لأنها أرادت أن تتأكد أنه لا يزال بجانبها. لكنه فهم. أمسك يدها مجددًا. هذه المرة دون أن يقول شيئًا. شعرت لاسينا بحرارة يده. وقالت بصوت خافت: — هل يمكنني الدخول؟ التفت إليها. — لا. — لكنني أشعر أنني أعرف المكان. — هذا ليس سببًا كافيًا. — بالنسبة إليّ هو كذلك. نظر إلى عينيها طويلًا. ثم قال: — سأدخل معك. رفعت رأسها. — حقًا؟ — لن تدخلي وحدك. قال كايل فورًا: — وأنا أيضًا. نظر إليه لوكاس. — لا. — لماذا؟ — لأن أحدًا يجب أن يبقى هنا. — أنت تعرف أنني لا أحب البقاء خارج الأشياء المثيرة. قال أدريان: — هذا ليس أمرًا مثيرًا. — بالنسبة إليك كل شيء مثير. — صحيح. تنهد كايل. — كنت أعرف أنني سأندم على هذه الصداقة. دخل لوكاس أولًا. ثم لاسينا. كان الممر ضيقًا، لكنه لم يكن طويلًا كما ظنت. خطوة. خطوتان. ثلاث. كانت الجدران مغطاة بنقوش قديمة، بالكاد تظهر تحت طبقة الغبار. رفعت لاسينا المصباح الذي أعطتها إياه ميرال. اقترب الضوء من الجدار. ظهرت خطوط محفورة على الحجر. قالت: — هذه ليست كتابة. قال أدريان من خلفهما: — بل موسيقى. توقفت. — موسيقى؟ أشار إلى الجدار. كانت هناك سبع علامات متتابعة، كل واحدة منها مختلفة قليلًا عن الأخرى. قال: — نغمات. اقتربت لاسينا. شعرت بوخزة في صدرها. وضعت أطراف أصابعها على الحجر. وفجأة... تغيرت العلامة الأولى. أضاءت بلون بنفسجي خافت. تراجعت يدها بسرعة. — ماذا فعلتِ؟ قال أدريان. — لم أفعل شيئًا. أضاءت العلامة الثانية. ثم الثالثة. تراجع لوكاس خطوة أمامها، وكأنه يستعد لأي شيء قد يخرج من الجدار. لكن لاسينا لم تستطع التراجع. كانت العلامات السبع تضيء واحدة بعد الأخرى. حتى وصلت إلى السابعة. ثم انطفأت كلها. قال كايل من الممر: — هل انتهينا؟ أجابه أدريان: — لا. — كنت أتمنى أن تقول نعم. سمعوا صوتًا مكتومًا. طَق. نظر الجميع إلى الأمام. كان في نهاية الممر باب صغير. لم يكن مثل الباب الذي دخلوا منه. هذا الباب مصنوع من خشب داكن، وفي وسطه دائرة معدنية عليها نقش نجمة ذات سبعة رؤوس. اقتربت لاسينا منه. قال لوكاس: — انتظري. توقفت. نظر إلى الباب. ثم قال: — هذا هو. قالت: — ماذا؟ — الباب الذي وجدناه في السجلات. رفع أدريان حاجبه. — وجدناه؟ — نعم. قال أدريان: — كنت أعرف أنك ستصل إليه يومًا. التفتت لاسينا إليه. — ماذا تقصد؟ لم يجب. تقدم لوكاس حتى صار أمام الباب. أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا. حدقت لاسينا فيه. — كنت تملك المفتاح طوال الوقت؟ قال: — لم أكن أعرف إلى أي باب ينتمي. — ووجدته هنا؟ — منذ عامين. نظرت إليه بعدم تصديق. — لوكاس! — ماذا؟ — كنت تستطيع إخباري! — لم أعرف أنني سأحتاج إلى إخبارك بشيء كهذا. وضعت يدها على خصرها. — أنا زوجتك، ولست ضيفة في القصر. سكت. ثم قال بهدوء: — أعلم. كانت الكلمة بسيطة. لكنها جعلتها تصمت. أدخل المفتاح في القفل. لم يدُر. حاول مرة أخرى. لا شيء. قال كايل: — يبدو أن الباب لا يحبك. — اصمت. ضحكت لاسينا رغم توترها. لكن أدريان لم يضحك. كان ينظر إليها. ثم إلى الباب. ثم قال: — أعطني يدك. نظرت إليه. — ماذا؟ — يدك اليسرى. ترددت. ثم مدت يدها. أمسك أدريان معصمها برفق، ووضع أطراف أصابعها على الدائرة المعدنية. في اللحظة التي لامست فيها يدها النجمة... صدر صوت. نقرة. ثم انفتح القفل. رفع لوكاس رأسه ببطء. أما لاسينا... فلم تستطع الكلام. قال كايل: — حسنًا. سكت. ثم أضاف: — أنا رسميًا لم أعد أحب هذا القصر. دفع لوكاس الباب. انفتح ببطء. كان خلفه غرفة صغيرة. ليست غرفة سحرية كما توقعت لاسينا. لا كنوز. لا تماثيل. لا جدران مغطاة بالذهب. بل غرفة بسيطة جدًا. طاولة. كرسي. رفوف. وعلى الجدار المقابل... سبع لوحات. اقتربت لاسينا. كانت اللوحات لنساء. كل واحدة تحمل آلة موسيقية مختلفة. الأولى تحمل قيثارة. الثانية كمانًا. الثالثة مزمارًا. الرابعة آلة لم تعرفها. الخامسة تحمل كتابًا. السادسة تقف أمام مرآة. أما السابعة... فلم يكن وجهها مرسومًا. اقتربت لاسينا أكثر. كان جسدها مرسومًا بثوب أبيض طويل، وشعرها ينسدل حول كتفيها. لكن وجهها ترك فارغًا. قالت: — لماذا لا يوجد وجهها؟ اقترب أدريان. قرأ النقش أسفل اللوحة. ثم تغير وجهه. — ماذا كُتب؟ لم يجب. قال لوكاس: — أدريان. أجاب ببطء: — «التي لم يعرفوا اسمها». شعرت لاسينا بقشعريرة. — ومن هن؟ قال أدريان: — المغنيات السبع. — مغنيات؟ — وفق الأسطورة القديمة، كنّ حارسات التوازن. تقدمت لاسينا نحو اللوحات. كانت هناك أشياء صغيرة بجانب كل واحدة. أسماء. رموز. تواريخ. ثم وصلت إلى اللوحة السابعة. لم يكن هناك اسم. لكن تحتها كانت جملة واحدة: «حين تنسى السماء صوتها، تبحث عن الصوت الذي بقي.» قرأتها لاسينا بصوت خافت. وفجأة شعرت بصداع حاد. وضعت يدها على رأسها. — لاسينا؟ اقترب لوكاس منها فورًا. — ماذا بكِ؟ — لا أعرف... أغمضت عينيها. ثم سمعت صوتًا. ليس من الغرفة. بل داخل رأسها. امرأة تغني. لحنًا قديمًا. وصوت طفل يضحك. ثم امرأة تقول: — لا تخبري أحدًا. فتحت لاسينا عينيها. كانت تتنفس بسرعة. أمسك لوكاس كتفيها. — انظري إليّ. نظرت إليه. — ماذا رأيتِ؟ هزت رأسها. — لا أعرف. — لاسينا. — رأيت... توقفت. — ماذا؟ رفعت عينيها نحو اللوحة السابعة. — امرأة. — من؟ — لا أعرف. — ماذا كانت تفعل؟ — كانت تغني. سأل أدريان: — ماذا غنت؟ نظرت إليه. ثم قالت: — النغمة التي غنيتها الليلة. تجمد وجهه. — مستحيل. قال كايل: — هذه الكلمة بدأت تزعجني. لكن أدريان لم يسمعه. اقترب من اللوحة. مد يده نحو إطارها. ثم توقف. — لا. قال لوكاس: — ماذا؟ — هذه ليست لوحة. نظر إليه الجميع. أمسك أدريان حافة الإطار. حركها قليلًا. صدر صوت خافت. ثم تحرك الجزء السفلي من اللوحة إلى الأمام. كان هناك تجويف خلفها. وفي داخله... علبة صغيرة. مصنوعة من الفضة. وعليها نفس النجمة ذات الرؤوس السبعة. قالت لاسينا: — افتحها. قال لوكاس: — لا. نظرت إليه. — لماذا؟ — لأن كل شيء هنا يزداد سوءًا عندما نفتحه. قال كايل: — أخيرًا، شخص يفكر مثلي. لكن أدريان كان قد أمسك العلبة. قال: — هذه ليست من أريامور. — كيف عرفت؟ — النقش. فتح الغطاء. هذه المرة لم يحدث شيء. كانت في الداخل قطعة قماش صغيرة، ملفوفة بعناية. فكها أدريان. ظهر شيء صغير. قلادة. فضية. يتدلى منها حجر بنفسجي. شهقت لاسينا. — هذه... لم تكمل. كانت تعرفها. رأتها من قبل. لكن أين؟ اقتربت. لمس الحجر صدرها ببرودة مفاجئة. ثم سمعت صوتًا خلفها. — لاسينا. استدارت. كانت ميرال واقفة عند الباب. وجهها شاحب. قالت: — هذه القلادة... اقتربت منها. — رأيتها من قبل. نظرت إليها لاسينا. — أين؟ قالت ميرال: — في لورينفال. تجمدت لاسينا. — ماذا؟ — كانت مع أمك. ساد الصمت. اقترب لوكاس. — هل أنت متأكدة؟ أومأت ميرال. — نعم. ثم نظرت إلى لاسينا. — كانت تخفيها في صندوق صغير داخل غرفتها. وضعت لاسينا يدها على صدرها. بدأت ذاكرتها تتضح. نافذة. ستارة بيضاء. رائحة زهور. أمها تجلس أمام مرآة. وفي يدها... هذه القلادة. لكن هناك شيء آخر. شيء لم تتذكره من قبل. طفلة صغيرة تقف خلف الباب. هي. كانت تستمع. وأمها تقول لشخص لم تر وجهه: — لقد بدأ اللحن يعود. ثم صوت رجل: — وهل تعرف الفتاة؟ وصوت أمها: — لا. توقفت الذكرى. شهقت لاسينا. — أمي كانت تعرف. قال لوكاس: — ماذا؟ نظرت إليه. — كانت تعرف شيئًا عني. لم يجب. مد يده نحوها. لكنها لم تتحرك. قالت: — لم تكن مجرد أغنية. ثم رفعت عينيها. — كانوا يخفون شيئًا عني. قال أدريان: — هذا ما كنت أخشاه. التفتت إليه. — ماذا؟ لم يجب. فجأة... صدر صوت من العلبة. طَق. سقطت القلادة من يد أدريان. استقرت على الأرض. وتوهج الحجر البنفسجي. ثم ظهر ضوء رفيع يمتد من القلادة نحو الباب. نظروا جميعًا إلى الخط المضيء. كان يتحرك فوق الأرض. يمتد خارج الغرفة. نحو الممر. ثم توقف أمام لاسينا. حدقت فيه. قال كايل: — أعتقد أن الشيء يريد منكِ أن تتبعيه. قالت ميرال: — هذا ليس شيئًا مطمئنًا. اقترب لوكاس من لاسينا. — لن نذهب. نظرت إليه. — لكنه يقود إلى مكان ما. — لا يهم. — بل يهم. — لماذا؟ قالت: — لأنني قضيت حياتي كلها أهرب من أشياء لا أفهمها. ثم نظرت إلى القلادة. — ربما حان الوقت لأعرف. كان لوكاس صامتًا. ثم التقط القلادة من الأرض. تردد لحظة. وأعطاها لها. — لن تذهبي وحدك. أخذتها لاسينا. — أعرف. توقفت. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. — لكن هذه المرة... نظرت إلى الممر. — أريد أن أكون أنا من يفتح الباب. لم يكن أحد منهم يعلم أن شخصًا آخر كان يستمع. خلف الجدار المقابل. في الممر العلوي. كانت دالين تقف وحدها. لم تستطع سماع كل شيء. لكنها رأت الضوء. رأت القلادة. ورأت الطريقة التي نظر بها لوكاس إلى لاسينا. كانت تلك النظرة هي ما آلمها أكثر. ليس السر. ولا السحر. بل ذلك الهدوء الذي لم يكن يمنحه لأحد. قبضت أصابعها على حافة الباب. ثم جاء صوت خلفها: — ما الذي تفعلينه هنا؟ استدارت. كان السير إليان يقف في آخر الممر. ابتسمت دالين ابتسامة هادئة. — كنت أبحث عن طريقي. نظر إليها. — في الجناح المحظور؟ — ضللت الطريق. ظل ينظر إليها. ثم قال: — هذا القصر لا يسمح للناس بأن يضلوا الطريق بسهولة. اختفت ابتسامتها للحظة. لكنها عادت. — ربما القصر يريد أن يخفي شيئًا. قال إليان: — ربما. ثم مر بجانبها. توقف للحظة. — لكن بعض الأبواب حين تُفتح... لا تعود تُغلق بالطريقة نفسها. غادر. بقيت دالين وحدها. نظرت إلى الباب الذي خرج منه. ثم إلى الظلام الذي اختفى فيه. وهمست: — إذن هناك سر فعلًا. ولأول مرة... لم يكن فضولها متعلقًا بلاسينا وحدها. بل بما يمكن أن يحدث إذا عرفت الحقيقة قبلها. في الأسفل، داخل الغرفة القديمة... كان أدريان قد عاد إلى اللوحة السابعة. حدق في الوجه الفارغ. ثم قال بصوت لم يسمعه أحد: — هذا مستحيل. اقترب من اللوحة. كانت هناك كتابة صغيرة جدًا تحت الإطار. مرر إصبعه فوقها. ثم ظهرت حروف لم تكن موجودة قبل لحظات. قرأها. وتغير وجهه. «إذا عاد الصوت إلى ابنة البنفسج، فاعلموا أن النجمة السابعة لم تمت.» رفع رأسه. في الخارج... كانت لاسينا قد وصلت إلى نهاية الممر. توقفت. كان الضوء البنفسجي قد توقف أمام جدار حجري فارغ. حدقت فيه. قال لوكاس: — لا يوجد باب. مدت يدها. لمست الحجر. همست: — ربما لم يكن موجودًا بعد. وفي اللحظة التي قالت فيها ذلك... صدر صوت من داخل الجدار. دقة واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. نظر لوكاس إليها. الدقات استمرت. الرابعة. الخامسة. السادسة. حبست لاسينا أنفاسها. السابعة. وانفتح الحجر. لكن هذه المرة لم يظهر ظلام. ظهر ضوء أبيض. وفي منتصفه... كانت هناك فتاة صغيرة. تقف حافية القدمين. شعرها وردي. وعيناها بنفسجيتان. كانت تنظر إلى لاسينا. ثم قالت بصوت طفولي مألوف: — لماذا تأخرتِ؟ تجمدت لاسينا. لأن الصوت... كان صوتها هي.
1 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!