

في تلك المدينة التي تتمدد في سكون الليل، وتحديداً في ذلك الحي الهادئ الذي يكاد نبضه يتوقف -مفارقاً صخب العاصمة وجمالها الظاهر- كان الصمت أثقل من أن يتحمله مكان. وسط عتمة غرفة ضيقة بالغَمْض، امتدت كف القاتل المأجور بهدوء قاتل، لتقبض على وسادة ريشية طرية كانت تريح رأس المهد. لم يكن يعلم بوجوده من الأساس؛ فقد درس ضحيته جيداً، ونقّب في كل تفاصيل حياتهما، لكن شيئاً لم يشر إلى أن هناك طفلاً وُلد في الخفاء، ربما سراً أُخفي عن الأعين، أو حياة صغيرة كُتب لها أن تبدأ من الشق المظلم للقدر. وبحركة واحدة خالية من أي تردد، هبطت الوسادة على وجه الرضيع الصغير، تحجب عنه ما تبقى من الهواء والضوء. وفي ذات اللحظة، استقرت سبابته على زناد مسدسه، ورفع السلاح فوق الوسادة ذاتها، ليوجه فوهته نحو العدم، مستعداً لإنهاء فصل لم يبدأ بعد. لكن، ولأول مرة منذ سنوات من سفك الدماء، أصاب أصابعه شلل خفي.. تردد. توقف الزمن في تلك الغرفة المعتمة لبرهة ثقيلة، وبحركة بطيئة كأنها تقاوم قوة غير مرئية، أزاح الوسادة عن وجه ذلك الرضيع. ولأول مرة حقاً، انجلت العتمة عن وجهه ليرى ما لم يخطر على باله. خصلات من شعر أسود فاحم وناعم تحيط برأس صغير كأنها ليل مصغر، وزوج واسع من العينين السوداوين الهادئتين، تحدقان به ببرود مريب يخلو تماماً من أي خوف. كان الجسد الغض محاطاً بإحكام ببطانية قطنية دافئة، تلفه كشرنقة عزلته عن العالم وعن كل ما يدور في تلك الليلة الدامية. وهنا، تسلل الإدراك إلى عقل القاتل كالجليد؛ استوعب المفارقة للتو. هذا الطفل لم يبكِ حين دوّت طلقات الرصاص القاتلة في أرجاء المنزل. لم يرتجف ولم يصدر صرخة واحدة كبقية الرضع الذين تفزعهم أصوات الضجيج أو يوقظهم الفزع؛ بل ظل صامتاً، هادئاً... بشكل مزعج. بيدين مكسوتّين بقفازات جلدية سوداء، داكنة ببقع الدماء المتخثرة التي لم تنشف بعد، انحنى نحوه مجدداً. تحركت أصابعه الغليظة بحذر غريب، فانزلق ذراعاه تحت الجسد الغض الصغير، ورفعه عن مهده ببطء. في تلك اللحظة، لامست راحتاه الملطختان بالدماء الحارّة بطانية الطفل القطنية الناصعة البيضاء، فتركت عليها أطرافاً حمراء فاقعة، كأنها بصمة لخططيّة ليلية مهلكة. أصدر الصغير صوتاً خافتاً، أشبه بنسمة هواء هاربة، حين وجد نفسه فجأة يُنتزع من عزلته ليستقر في حضن غريب غارق في دماء والديه؛ لكنه لم يفزع، بل تحركت عيناه السوداوان ببطء. التفت القاتل حاملاً الصغير بين ذراعيه بعناية مفرطة، كأنه يوازن بحذر شديد بين كونه قاتلاً لا يرحم وحاملاً لسرّ غامض. استدار القاتل ببطء، وبدأ يخطو بخطوات معدودة وثقيلة في أرجاء المنزل الغارق في الموت. كان يحمل الرضيع بعناية متناقضة تماماً مع طبيعة عمله، كأنه يوازن بين أثمن كنز وأخبث سر. شق طريقه نحو الممر المعتم متجهاً نحو الباب الخلفي المؤدي إلى الخارج. وعند العتبة، حيث كانت الظلال تشتد، اصطدمت قدمه بقسوة بجسد أحد الوالدين المسجى على الأرض في بركة من الدماء. لم ينظر للجثة، بل زاح الجثة بقدمه المزخرفة بالدماء ببرود تام، ودفع الباب الموارب بكتفه، ليخرج إلى هواء الليل البارد، تاركاً خلفه بيتاً ميتاً، فاتحاً ليلتهمهما ليل المدينة الصامتة ويختفون في عتمتها. آه، ومن ذا الذي سيظن أن في صدر كورف فالس قلباً دافئاً يحنو على الصغار؟ حسناً، لست أنا من سيخدعكم؛ فلو كان يملك ذرة واحدة من الطيبة، لما اختار أن يغرس ذلك الرضيع في أتون عالمه المظلم، ولما صنع بيديه قاتلاً مأجوراً آخر يشبهه تماماً، يغرق معه رويداً رويداً في مستنقع هذا العالم الجميل ظاهراً، الموبوء باطنياً. أما عن اسمه؟ اوه! بخصوص ذلك، لم يكلف كورف عناء البحث في دفاتير العائلات أو التساؤل عما ألقاه القدر من أسم, فمن يبالي بهوية طفل وُلد من رحم الفراغ؟ لقد اختار له اسماً على هواه.. ( إلزار ). ولكي يكتمل الفصل، ألبسه اسمه الأخير؛ ليغدو ( إلزار فالس ).. هكذا استقر اسمه على الألسنة الملطخة بالدماء. و كثمرّة مرّة نبتت في تربة الموت… ترعرع الصغير بين يدي القاتل، يتشرب قسوته وبروده كأنه حليب طفولته. لم يمر وقت طويل حتى كبر ذلك الهادئ ذو الشعر الأسود، ليتحول إلى شبح حقيقي؛ إلزار فالس، القاتل المأجور البارع الذي تخشاه الأوساط المظلمة. يقتل بدم بارد يضاهي صمته القديم، بلا أدنى تردد يهزّ إصبعه على الزناد، وبلا أثر واحد يدلّ عليه، كأنه والريح سيّان.