

في شقةٍ صغيرة تقع في أحد الأحياء الهادئة من المدينة، وتحديداً في غرفة المعيشة، كان خشب المدفأة يتشقق تحت ألسنة النار مطلقاً طقطقة خافتة ومتتابعة. أُسدلت الستائر الثقيلة على النوافذ كالمعتاد، رغم حلول الليل منذ ساعات. لم يكن في الشقة مصدر للضوء سوى وهج النار البرتقالي المنبعث من المدفأة، والذي ألقى ظلالاً دافئة على الأثاث المرتب بعناية. لم يكن المكان فاخراً أو مبهراً، لكنه أنيق على نحو مريح؛ أريكة جلدية بنية داكنة، طاولة خشبية منخفضة، ورفوف كتب منظمة بإتقان لا يختلف كثيراً عن طبيعة صاحبها. جلس إلزار على المقعد المنفرد القريب من المدفأة، ممسكاً بالصندوق المعدني الذي اشتراه من متجر لورا. رفع الغطاء مجدداً. تأمل البتلات المجففة والزجاجة الصغيرة والملقط المعدني، ثم أعاد قراءة التعليمات للمرة الثانية. وبصبرٍ لا يملكه عادة، حاول تطبيق الخطوات كما وصفتها تماماً. انتظر لحظة. ثم ثانية. ثم ثالثة. لكن ما إن بدأت البتلة بإطلاق خيط بخار عطري ضعيف، حتى اشتعلت فجأة وذبلت إلى رماد خلال ثوانٍ معدودة. ساد الصمت. حدق إلزار في البقايا السوداء للحظات..ثم تنهد ببطء. ⁃ ... هراء. ورغم ذلك، لم يرمِ الصندوق. ظل جالساً يتأمله لوهلة، قبل أن ينهض ويضعه بعناية فوق رف الكتب، في المساحة الفارغة بين مجلدين سميكين. وقف للحظة وهو يحدق به. ثم أدار ظهره ومضى. - - - في أحد الصباحات الهادئة، كان إلزار يقف بالقرب من باب المتجر، يستند بجسده على الحائط متظاهراً بتأمل رفوف الزهور القريبة. كانت لورا منشغلة مع زبونة تبدو في عقودها المتقدمة؛ انحنت لورا برقة لتجمع أغصان الورد والبنفسج العطري، ثم بدأت بلف الباقة بمهارة ورفق... ورق ثقيل ومُشمع بألوان داكنة تحمي أطراف النباتات، تُربط من المنتصف بشريط ناعم من القماش، وتُثبت بداخلها دبوساً معدنياً صغيراً ليحافظ على شكلها المنسق. لم يدرك إلزار أنه كان واقفاً هناك يراقب الحركة الدقيقة لأصابع لورا وهي ترتب الأوراق، ولا كيف مرت ثماني دقائق كاملة دون أن يتحرك خطوة واحدة. تأفأف بخفوت، ومرت في ذهنه لحظة ادراك مفاجئة أيقظته من شروده... لماذا ينتظر أصلاً؟ كان بإمكانه المغادرة منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها منشغلة؛ فليس لديه حجة أو عمل حقيقي يجعله يقف هكذا كالزبائن الذين ينتظرون. حسم أمره، وقرر التراجع ليعود أدراجه ويخرج في صمت، استدار نصف استدارة وكأنه قرر أخيرًا الرحيل. لكن المسنة كانت أسرع منه. كادت تصطدم به وهي تغادر لولا أنه تراجع خطوة إلى الخلف في اللحظة الأخيرة. ضحكت المسنة باعتذار خفيف قبل أن تكمل طريقها خارج المتجر، بينما دوّى جرس الباب المعدني معلنًا مغادرتها. عندها رفعت لورا رأسها نحوه. وعينان زرقاوان فاتحتان تنظران إليه بأسفٍ لطيف، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة اعتذارية دافئة وهي تقول: — آسفة جداً لأنني استغرقت كل هذا الوقت معك... هل أستطيع مساعدتك في شيء اليوم، سيد داليان؟ ابتسم إلزار تلك الابتسامة اللبقة المحسوبة، وهو يعيد ترتيب قناعه الهادئ فوراً، كأن هذا الارتباك الخفيف لم يمر بذهنه أبداً. فكر للحظة. ثم قال: ⁃ أفكر بشراء باقة زهور. اتسعت عيناها باهتمام هادئ. ⁃ حقاً؟ ولأي مناسبة؟ صمت قليلاً، محابكاً كذبته العابرة في سكون. ثم أجاب بهدوء: ⁃ صديق لي رزق بمولود جديد. وكأنها تلقت خبراً سعيداً بنفسها، أشرقت ملامحها فوراً بصفاء صادق، وتركت ما بيدها على المنصة الخشبية. ⁃ تهنئة بمولود؟ إذن لا يمكننا اختيار أي شيء عشوائي! وبحماسٍ داكن اللطف لم يره منها من قبل، بدأت تتنقل بين الرفوف النحاسية والداكنة. مرة تنتقي زهوراً بيضاء كالياسمين والنرجس العاجي. ثم تستبعدها بتمهل. ثم تضيف أخرى صفراء دافئة كالكاميليا. ثم تتراجع، وهي تعيد تنسيق الساق بعد الساق. كانت تتحدث طوال الوقت بنبرة رقيقة ومليئة بالشغف عن معاني الألوان، وكيف أن بعض الزهور ترمز للحماية والبدايات الجديدة، وأن أنواعاً أخرى تُهدى لتجلب السكينة للبيت، كأن الأمر يهمها شخصياً وتعيش تفاصيله. ووجد إلزار نفسه يتابعها بصمتٍ مطبق. لأول مرة... لم يكن يراقب هدفاً يرسم خطة لتصفيته، بل كان يشاهد شخصاً يستمتع حقيقةً بما يحب، وتتجرد ملامحه من أي تصنع. - - - خيّرتْه لورا بين عدة خيارات وفقاً لحجم الباقة التي يراها مناسبة للمناسبة، و... حسناً، وجد نفسه بغير وعي يختار باقة ذات حجم متوسط. لم يدرك إلزار ما فعله حقاً إلا عندما خطى خيط الشمس الدافئ واكتشف نفسه خارج المتجر. وقف على الرصيف الجاف ينظر إلى حركة الشارع في هذا النهار الهادئ لثوانٍ، ثم هبط بنظره المظلم نحو الباقة المنسقة بعناية بين يديه. آه... ها قد فعلها مرة أخرى. حاول أن يختلق لنفسه مبرراً منطقياً؛ ربما اضطر للتظاهر بالحرج أو جارى موقفها فقط عندما رأى كل ذلك الحماس الصادق في عينيها... أليس من الوقاحة والغباء رفض شغفها وتخريب دور (الرجل الطيب) الذي يتقنه؟ ذلك ما كان يحاول إقناع عقله به... رغم أن حقيقته الداخلية كانت تكذّبه؛ فهو لم يكتفِ بشرائها، بل طلب حسماً بحجم متوسط بدلاً من باقة صغيرة عابرة، بل والأدهى من ذلك أنه وقف يسألها بفضول غريب عن الطريقة المثالية للاعتناء بهذه الزهور لتبقى حية لأطول فترة ممكنة. وقف القاتل المأجور وسط النهار المضيء، يحمل باقة تهنئة بمولود وهمي، ويشعر ولأول مرة بشيء من الفوضى تتسلل إلى جدوله المحسوب...
كان هناك ثلاثة شبان يقفون معاً، ويتضح من حركة أجسادهم وأصواتهم المرتفعة أنهم يتبادلون منافسة صريحة للجذب انتباه لورا. أحدهم كان يحمل بين يديه باقة زهور حمراء فخمة ومبالغاً فيها، بتلاتها عريضة وكثيفة تفوق بكثير حجم الباقة التي يحملها إلزار، بينما كان الثاني يتجادل معه بحدة وهو يسخر منه قائلاً إن هذه الحيلة الرخيصة لن تنطلي عليها وإن مجاملاته المبتذلة لن تكسبه شيئاً، في حين كان الثالث يقف بينهما بارتباكٍ ملحوظ، يحاول تهدئتهما وهو يكرر بصوت خفيض أنه يمر بمشكلة ويحتاج المساعدة منهما بدلاً من هذه الشجارات الفارغة. راقبهم إلزار بصمت، بينما ارتسم الاستخفاف في عينيه السوداوين من تحت قبعته... حمقى. هذا ما جال في خاطره؛ مجرد رجال تحركهم غرائز بسيطة وشهوات مكشوفة، يتصارعون كالأطفال عند عتبة متجر. بدأ بالسير متمهلاً نحو حافة الرصيف لاستئجار عربة تقلّه، لكن خطواته تباطأت فجأة، ثم توقفت تماماً. استوعب للتو أنه زار هذا المتجر ست مرات خلال أربعة أسابيع فقط. كان هذا معدلاً مريباً... كثير للغاية بالنسبة لقاتل مأجور يقتضي عمله الاختفاء بين الظلال وعدم ترك أي أثر أو لفت الانتباه. هبط بنظره الشاحب نحو الباقة المتوسطة المنسقة برقة بين يديه، وداهمه استيعابٌ ساخر وقاسٍ في آنٍ واحد... إنه لا يملك أي صديق رزق بمولود جديد... ولا يملك صديقاً من الأصل. لا أحد ينتظره في بيته البارد، ولا هاتف أو رسالة ستصل إليه لتهنئته أو دعوته. حياته التي بناها ( كورف) لم تكن سوى سلسلة من العقود الدموية، والأسماء المستعارة، والغرف المستأجرة التي تنبعث منها رائحة البارود والوحدة. لقد اشترى زهوراً ليدخل بها إلى فراغ مطلق؛ وافتعل قصة كاملة عن مولود وهمي ليبرر لنفسه فقط الوقوف لبضع دقائق إضافية أمام فتاة، تتأمل عيناها الزرقاوان وجهه دون أن تعرف حتى اسمه الحقيقي. وقف (هو) وسط ضجيج النهار، يحمل بين يديه رمزاً لولادة ونماء لا ينتمي إليهما، مستشعراً ثقل تلك الفجوة الباردة في صدره...
- - - وللمرة الثانية في الأسبوع الرابع... ها هو يقف هنا مجدداً. كم كان هذا الأمر مثيراً للشفقة والسخرية حقاً في ناظريه... كيف انتهى به المطاف هنا؟ أصبح يهرب إلى هذا المكان كلما نهش الملل صدره، يختبئ وراء قناعه اللبق بدلاً من أن ينهي عمله وينفذ مهمته كما ينبغي لقاتل محترف. كان يقف أمام رف خشبي تتراكم عليه زهور أغلبها منسق بألوان داكنة وقاتمة، يتأملها بسكون وشحوب، غارقاً في شرود لا ينتهي. كان المتجر خالياً تماماً إلا منهما، بعد أن غادر زبون ثالث كان قد اشترى رزمة من الشموع الصغيرة وانصرف ليخلف وراءه خفوت الهشيم والهدوء. بقيت لورا صامتة تعاين إلزار الذي بدا مستغرقاً في أفكاره بعيداً، ثم نقلت بصرها نحو النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على الشارع الهادئ في الخارج... لم يكن هناك أي مؤشر على مجيء أحد في هذا الوقت. التفتت نحوه مجدداً، وقالت بنبرة خفيضة: ⁃ سيد داليان، هل لديك عائلة؟ انزلق السؤال من بين شفتيها بعفوية وفضول لم تستطع كبته في هذا الصمت الفسيح. وما إن خرجت الكلمات حتى شهقت شهقة صغيرة، ووضعت كفها الرقيق فوق شفتيها بحرج واضح، وقد أدركت أنها تجاوزت حدود اللباقة مع زبون هادئ ومتحفظ مثله... تجمد إلزار في مكانه لبرهة. كان السؤال بسيطاً وعادياً للغاية، يتردد بين الجميع كل يوم دون تفكير، إلا أن هذا النوع من الأسئلة كان يثبت خنجراً بارداً في صدره. قالت لورا بسرعة ونبرة تملؤها الخشية من أنها تسببت في إزعاجه: ⁃ آه... أسفة إن كان سؤالي فظاً أو حشوراً. كنتُ فضولية قليلاً فحسب... كانت تراقب زياراته المترددة على مدار الأسابيع الماضية؛ لاحظت أنه في كثير من الأحيان يبحث عن أي عذر واهٍ ليتواجد هنا كالبقية، يتحدث عن معارف وأصدقاء ووجوه غريبة، لكنه لم يسبق قط أن ذكر هدية لأخ، أو شيئاً يخص عائلة تجلبه إليها الشؤون العائلية. ابتسم إلزار ببطء، وهي تلك الابتسامة المعتادة التي يجيد غزلها لإخفاء ظلاله، ثم التفت إليها بهدوء: ⁃ بخصوص ذلك... أنا يتيم الأم، بينما والدي... لنقل إنه يعيش في مدينة أخرى. لم تكن كذبة كاملة... ولكنها لم تكن الحقيقة كاملة أيضاً؛ فأمه قُتلت منذ زمن، و والده البديل الذي رباه على الدم ليس سوى كورف المتواجد في مكان آخر لا يعلم اين من هذه المدينة المظلمة. ولأول مرة، لم يقل تلك الجملة لحماية هويته أو لتسيير المهمة، بل كانت كذبة خفيفة صاغها لنفسه هو، ليردم بها جزءاً من الفراغ الذي فتحته كلماتها. عمّ الصمت المكان مجدداً. همهمت لورا ببطء ونبرة تفهم دافئة خلَت من أي إلحاح، وأومأت رأسها بسكون دون أن تضيف كلمة أخرى، تاركة للمكان حرمته. استمر ذلك الصمت الهادئ بينهما لبعض الوقت، يرافق حفيف زهور الشارع الخارجي، حتى لملم إلزار حواسه وغادر المتجر قبيل موعد الإغلاق المعتاد، تاركاً خلفه أثراً جديداً من الأسئلة التي لم تُجَب بعد. ولن ينكر إلزار لاحقاً، أنه شعر بالراحة معها. راحةٌ غريبة وخطيرة لم يتذوقها من قبل... أراد فقط أن يبقى هناك، في تلك المساحة المقتطعة من الزمن. كيف يمكن للقاتل أن يصف ذلك الشعور؟ أن تجلس بجانب شخص قد تكذب عليه، قد تنسج أمامه مئات الأساطير المستعارة، لكنه يفهمك دون أن يضغط عليك، دون أن يطالبك بحقيقة لا تملكها، ولا تشعر بالضيق أو الاهانة من فهمه الدافئ ذاك. هكذا كانت لورا... كزهرة بيضاء وحيدة تضيء وسط الخراب العريض. تتأملها بذهول لأنها الشيء الناصع البارز وسط ركام هذه المدينة المظلمة. لكن... هل أَحَبَها؟ لا يعتقد إلزار ذلك. ربما ليس بعد، وربما لن يفعل أبداً، وربما أجل... لكن حالياً؟ لا، الأمر ليس حباً على الإطلاق. بل هو تملّكٌ محض. تلك الرغبة المظلمة والمسمومة في أن تحوز شيئاً نادراً لمجرد أنك ترفض تماماً أن يحصل عليه شخص آخر، ترفض أن يشعر غيرك بنعمته، أو أن يستدفئ بضوئه أحد غيرك. لم يكن يريد لأي عابر في هذا الشارع البارد أن يحصل على تلك الزهرة البيضاء المضيئة في عتمة خاوية. أراد امتلاكها... لكن شائبة قاسية ظلت تؤرقه: هل سيقطفها ليدفن ضوءها ويخبئ بريقها الهش داخل جيب معطفه الأسود الثقيل؟ على أي حال... كانت تلك أنانية صريحة، أنانية قبيحة وعميقة، لن يعتذر عنها ولن ينكرها أمام نفسه أبداً. - - -
وفي احدى الايام، عاد إلزار مرة أخرى إلى المتجر... كالعادة، فقط ليراها ويتحدث إليها ولو لحديث قصير. لقد أهمل مهمته حقاً، أليس كذلك؟ يا له من مهمل ومستهتر بقتلته... ابتسم ابتسامة صغيرة ساخرة من نفسه وهو يدفع الباب الخشبي، لتنطلق رنة الجرس النحاسي في أرجاء المكان. هل سينسحب من المهمة كلياً؟ لا يعلم... سيفكر في هذا الهراء لاحقاً. لكن... توقف إلزار في منتصف خطوته. لم يرَ الشعر الاسود القصير المموج موجات ناعمة، بل وقعت عيناه على شعرٍ مسترسل قصير، بلون برتقالي حارق يشد الإبصار. لم تكن لورا. كانت امرأة يبدو أنها في منتصف عمرها، تقف خلف الطاولة الخشبية بثبات. يدها اليمنى مختفية داخل جيب تنورتها الطويلة، بينما تمسك بيدها الأخرى كتاباً صغيراً مزدحم الصفحات الممتلئة بالخطوط الدقيقة.

إليانور... والدة لورا. رفعت المرأة عينيها الرماديتين من الصفحة لتصطدما مباشرة بعيني إلزار السوداوين... كان المتجر صامتاً تماماً، لكنه لم يكن ذلك الصمت الدافئ والمريح الذي اعتاده مع لورا... بل صمتاً متوتراً ومحفوفاً بالضغط، يثقل الهواية بينهما. ⁃ لورا ليست هنا. لقد استنتجت فوراً سبب مجيئه دون مقدمات؛ ربما لأن كل أولئك الشبان الحمقى الذين سبقوه إلى هذا الباب إنما أتوا للسبب ذاته... من أجل لورا. حافظ إلزار على هدوئه الظاهري، وردّ بنبرة متزنة: ⁃ هل ستعود قريباً؟ أجابته بإيجاز وهدوء: ⁃ غالباً. ثم عمّ صمتٌ ثقيل بينهما. التفت إلزار بنظره المظلم يجول في المتجر ليتأمل التغييرات الدقيقة التي طرأت على المكان... كان ترتيب الزهور قد أصبح مختلفاً كلياً؛ تلك الزهور الفواحة والنادرة التي كانت عادةً تحيط بمنصة العرض التي تقف خلفها لورا—والتي كانت تختارها وتضعها بلمستها الخاصة حولها—لم تكن موجودة هناك إطلاقاً. بل جرى إبعادها وتغيير أماكنها إلى رفوف قصية بعيدة عن المنصة بمسافة ملحوظة، وكأن إليانور تعيد رسم حدود المكان وتنظيمه وفق حسابات أخرى. لمح إلزار زهرةً ذابلة تستقر في مزهرية زجاجية ضيقة فوق الطاولة الخشبية، لا تتسع إلا لزهره واحدة. قال وهو يتقدم خطوات هادئة داخل المتجر: ⁃ يبدو أنها ماتت. ردت إليانور دون أن تحرك ساكناً، ألقت نظرة خاطفة على الزهرة الذابلة قبل أن تعيد عينيها الرماديتين إلى صفحات كتابها: ⁃ نعم... منذ دقائق فقط. همهم إلزار ببطء وهو يتنقل ببصره بين الزهرة الميتة وبين وجه المرأة الصارم. كيف عرفت التوقيت بهذه الدقة؟ لأن اليس... لا يهم. هو الآن مضطر لشراء شيء ما كي لا يبدو وجوده غريباً أو مكشوفاً. أخذ شمعتين من الرف القريب، وزهرة دلفينسيوم بيضاء واحدة. تقدم نحو الطاولة الخشبية واضعاً أغراضه ليدفع ثمنها، لكن إليانور رفعت كف يدها بهدوء حاسم، وعيناها لا تزالان معلقتين بصفحات الكتاب، قبل أن ترفع نظرتها الهادئة نحوه ببطء شديد: ⁃ لا حاجة لذلك. هز رأسه نفياً وهو يخرج محفظته من جيب معطفه الداخلي: ⁃ لم أعتد أخذ الأشياء مجاناً. ⁃ وأنا لم أعتد بيع الزهور إلى قَتَلَة. تجمد إلزار تماماً في مكانه. … والآن... ماذا يجب عليه أن يفعل؟ لقد توقع مسبقاً، منذ لحظة استلامه للمهمة ومعرفته بكونها ساحرة، أن إليانور قد تكتشف هويته كقاتل في أي وقت، لكنه لم يتخيل أبداً أن يحدث ذلك في اللقاء الأول بينهما، وفي أقل من ثلاث دقائق فقط... دقق إلزار في ملامحها؛ لم يجد في نظرتها الرمادية أي أثر للخوف، ولا حتى الكراهية أو الغضب... بل هدوءٌ ثقيل وعميق، كهدوء البحيرات التي تخفي أسفلها قاعاً مظلماً. هل كان ملمحاً من التعب؟ من المفترض، فشخص يملك قدراتها ويرى حقيقة الناكثين والقتلة لا بد أن أرهقه هذا العالم. لم يكن لديه سبب يدعوه للهجوم عليها الآن على أي حال؛ فالمكان مكشوف، والقتال بلا تفكير ليس من شيمه. قالت إليانور بنبرتها الهادئة الساكنة، وهي تغمض عينيها للحظة كمن يستريح، وتومئ بذقنها نحو زاوية المتجر: ⁃ خذ الكيس. كانت تشير إلى مجموعة من الأكياس الموضوعة بجانب الباب الداخلي. حتى الأكياس، قامت بوضعها وتنسيقها بعيداً عن الطاولة التي تقف خلفها، لتترك مسافة فاصلة ومحسوبة. كم كان هذا مزعجاً... ومتطلباً لأقصى درجات الثبات. تقدم بخطوات متزنة وسحب كيساً بصمتٍ تام، بينما انجلت عن وجهه كل مظاهر التصنع، لتظهر ملامحه الحقيقية حادة، باردة، وخالية من أي قناع لرجلٍ لطيف أو نبيل. أدخل الشمعتين وزهرة الدلفينسيوم البيضاء في الكيس، وسار نحو المدخل. وبمجرد أن وضع يده على مقبض الباب الخشبي، وصله صوت إليانور الهادئ وهي تقلب إحدى صفحات كتابها، دون أن ترفع عينيها عنه: ⁃ إن كنت تنوي إيذاء ابنتي... فأنصحك أن تغير رأيك. قالتها بنبرة ساكنة تماماً، خالية من أي انفعال أو صراخ. توقف إلزار، وحرّك رأسه بنظرة جزئية من فوق كتفه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة ، لكنها لم تكن ابتسامته اللبقة المعتادة، بل كانت ابتسامة قاسية وباردة تليق بقاتل انشغلت حواسه بالخطر: ⁃ هل هذا تهديد؟ ابتسمت إليانور ابتسامة باهتة وخفيفة، ثم أغلقت الكتاب لبرهة قصيرة، متبقيةً بإصبعها بين الصفحات كعلامة حيث توقفت في القراءة، ونظرت إليه بعينين رماديتين نافذتين: ⁃ لا... لو أردتُ تهديدك، لفعلت. أدراكاً منه لحجم القوة الساكنة خلف نبرتها، ضغط إلزار بيده على مقبض الباب وفتحه ليخرج إلى الهواء المفتوح. وبمجرد أن أغلق الباب خلفه...عادت إليانور إلى كتابها. كأن وجوده من عدمه لم يكن يعني لها شيئًا.
2 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!