

مع إشراقة الصباح التالي لم تكن الشراشف المخملية والأسرة الفاخرة كافية لتمنح الطفلة الصغيرة نومًا مريحًا كانت تستيقظ بين الحين والآخر لتتلمس بأصابعها النحيلة ذلك الخاتم الملتف حول أصبعها وتهمس لنفسها بكلمات والدتها الراحلة لتطمئن قلبها الخائف من جانب الثاني و في الجناح الإمبراطوري الرئيسي كان المشهد مختلفًا تمامًا خيم عليه برودٌ لا يقل عن برودة الجدران الرخامية وقفت الإمبراطورة بهامتها المرفوعة وردائها الاحمر القاتم المطرز بالذهبي أمام زوجها الإمبراطور كان يجلس على كرسيه العاجي يتصفح بعض التقارير والوثائق العسكرية بنظرات جافة وخالية من أي اهتمام قاطعت الإمبراطورة الصمت بصوتها الوقور الصارم «لقد قررت تبني الطفلة رسميا وسأعلنها ابنة للمقاطعة الإمبراطورية في القريب العاجل.» لم يرفع الإمبراطور عينيه عن الأوراق التي بين يديه واكتفى بتنهيدة خفيفة تحمل مزيجًا من اللامبالاة والزهد في أمور القصر الداخلي ثم قال بصوت هادئ ونبرة جافة «افعلي ما تشائين ايتها الإمبراطورة إن كان هذا الشيء الضئيل يمنحكِ بعض السلوى ويشغلكِ عن آلامكِ القديمة فلن أعترض.» كان كلامه مجردًا من أي مشاعر حنونة أو اهتمام سياسي وكأنه يتحدث عن قطعة أثاث جديدة أُضيفت إلى القصر أومأت الإمبراطورة برأسها لم تكن تنتظر منه محبة بل كان يهمها فقط أن تأخذ الضوء الأخضر لتنفيذ خطتها لحماية الطفلة واستعادة حقها ومكانتها خارج جناح الإمبراطور خلف الباب المذهب كانت تقف المحظية استمعت المحظية إلى كل كلمة دارت في المجلس وانقبضت ملامحها الجميلة في تكشر يملؤه الغيظ والانزعاج كانت يداها تعتصران القماش الحريري لثوبها بينما تدور أفكارها بغضب (كيف لهذه العجوز أن تأتي بطفلة مجهولة النسب من العدم وتفرضها على العرش؟ إنها تحاول خلق منافس لأبني ولي العهد!) التفتت المحظية بخطوات سريعة ونظرات ملتهبة بالشر نحو خادمتها الموثوقة وقالت بصوت مليئا بالغضب «اجمعي لي معلومات عن هذه الصعلوكة الصغيرة فوراً! أريد أن أعرف من أين أتت ومن الذي سمح لها بدخول القصر لن أسمح لشخص نكره بأن يهدد مستقبل ابني!» ثم عادت مسرعة لغرفتها قبل ان تتقابل مع الامبرطورة وهي تغادر مكتب لاتريد ان تتقاتل معها امام اعين الامبرطور في هذه الأثناء كانت الطفلة تجلس على طرف السرير الكبير في جناحها بينما تحيط بها الخادمات لتهيئتها لليوم الطويل كانت النظرات الفضولية والهمسات المكتومة تتردد بين الخادمات حول هوية هذه الفتاة الشاحبة ذات العينين التائهتين أثناء تعديل ثوبها الجديد مدت إحدى الخادمات يدها ببطء لتمسك بيد الطفلة كي تزيل الزينة القديمة لكن الطفلة جفلت فوراً ودمجت يديها بقوة نحو صدرها وتحديداً نحو الخاتم السحري انقبضت أطراف الطفلة خوفاً ونظرت إليهم بعيون دامعة وهي تهمس بصوت مرتعش «رجاءً.. لا تلمسوا يدي.. الخاتم لا يجب ان يأخذه أحد..» تبادلت الخادمات نظرات الاستغراب وعم التوتر والصمت المكان وفي هذه اللحظة بالذات انفتح الباب الضخم وخطت الإمبراطورة إلى الداخل أبصرت الإمبراطورة حالة الرعب على وجه الطفلة فرفعت يدها بلطف وآمرة الخادمات بوقار «تراجعن جميعاً واتتركننا بمفردنا» انسحبت الخادمات بهدوء بينما اقتربت الإمبراطورة بخطوات ثقيلة وحنونة نحو السرير جلست على طرفه بجانب الطفلة التي كانت لا تزال تنظر إليها بعيون دامعة ويدين مضغوطتين على صدرها لحماية الخاتم مدت الإمبراطورة يدها وربدت على رأس الطفلة بلطف لتهدئ روعها ثم ألقَت نظرة دافئة على الخاتم وقالت بصوت خفيف يحمل تفهماً عميقاً «يبدو أن هذا الخاتم هدية عزيزة من والديك أليس كذلك؟» لم تتكلم الطفلة بل التزمت الصمت ونظرت إلى الإمبراطورة بعينين بائستين وببراءة واكتفت بالإيماء برأسها ببطء شديد وهي تمسك بالخاتم بقوة ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة حنونة لم يسبق لجدران هذا القصر أن شهدتها منذ زمن طويل تناولت مشطاً عاجياً فاخراً من الطاولة القريبة بدأت الإمبراطورة تمشط شعر الطفلة الناعم بمهل ورقة ممررة يدها بين خصلاتها بحنان أمومي صادق شعرت الطفلة بلمسات الإمبراطورة الرقيقة وبدأ خوفها يتلاشى تدريجيا وحل محله شعور غريب بالدفء والأمان رفعت عينيها الصغيرتين لتتأمل انعكاس وجه الإمبراطورة الأرملة في المرآة العريضة أمامهما وتأملت ملامحها الوقورة وجمالها النبيل التفتت الطفلة قليلا ونظرت إلى الإمبراطورة بحدقتين متلألئتين ثم قالت بصوت عذب خفيض يطفح بالبراءة «أنتِ جميلة جداً يا جلالة الإمبراطورة تبدين مثل الجنيات الطيبات في القصص » تجمدت يد الإمبراطورة فوق المشط وتوقفت أطرافها عن الحركة تماماً اتسعت عينها بذهول وصدمة مكتومة وشرد ذهنها فجأة ليعود فترة إلى الخلف إلى صبي صغير كان يجلس بين يديها ويمسك بطرف ردائها متأملا وجهها بذات عينين البراءة ليقول لها ذات الكلمات بالحرف "أمي أنتِ جميلة جدا تبدين مثل الجنيات بالغابة" اتسعت نظرات الإمبراطورة وثقلت أنفاسها قليلا وشعرت بغصة دافئة تطبق على حنجرتها غابت القسوة من عينيها تماما ليحل محلها شوك الفقد وحنان الأمومة الدفين ونظرت إلى الصغيرة وكأنها ترى فيها قبسا من روح طفلها الراحل ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة صادقة انهمرت معها دمعة خفيفة مسحتها بسرعة ثم انحنت وقبلت رأس الطفلة برقة، وقالت بصوت خفيض يفيض بالحنان «شكراً لكِ يا صغيرتي أنتِ أجمل» بعد أن انتهت من تسريح شعرها وألبيستها رداء ملكيا بسيطاً وأنيقا وقفت الإمبراطورة ومدت يدها نحو الطفلة وقالت بابتسامة مشجعة «تعالي معي يا صغيرتي حان الوقت لتتعرفي على بيتك الجديد» أمسكت الطفلة بيد الإمبراطورة بلطف وبراءة وبدأتا تجولان في أروقة القصر الشاسعة تريها الحدائق القاعات التاريخية العريضة والتماثيل العتيقة وبينما كانت الطفلة تنظر حولها بذهول وانبهار من ضخامة هذا العالم الجديد كانت الإمبراطورة تطالعها بعناية وحنان وقد ازدادت تمسكا بها وذنب لافكارها الخفية
15 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!