

ركضت "إيناري" نحو من لفت انتباهها، فلحظ المحقق المدعو ب"كاتسورا" انحيازها لأحد الأزقة. - هل أنتَ الباحث؟! نادت "إيناري" متسائلة وبصوتٍ منخفض بتردد، فتوقف الرجل دون الإلتفات نحوها، لتضيف "إيناري" على سؤالها: - أنت هو... صحيح؟! - فلتُوجزي! رد عليها أخيرا بإجابة ثقيلة، ليبدو الإرتباك على الفتاة: - لا .. أنا آسفة لم أقصد إزعاجك، لقد أردتُ شكرك فقط و... أستميحك عذرا فأنا أسأت الظن بك مُسبقا. نظر الشاب "ياسوناري" بطرف عينيه لليمين لشعوره بحضور شخص ما، فالتفتت الفتاة خلفها عند سماعها وقع خطواتٍ ما لتتفاجئ برؤية المحقق "كاتسورا" عند بداية الزقاق والذي سألها بدوره: - "ماروياما سان"!... مالذي تفعلينه هنا؟ - ايه..! التفتت لمكان "ياسوناري" مجددا، لكنها تفاجئت بعدم إيجادها له: - لا، فقط ظننتُ انني رأيتُ شخصا أعرفه يسير من هذا الطريق، لكن... أظن انني كنت أتخيل، آسفة لإقلاقك. ظل المحقق يُحدق لفترة بذلك الطريق المظلم ثم أشاح للعودة: - فلتكوني أكثر حذرا، فهذه الطرق خطرة في الليل، كما أتيت لأسألك إن أردت توصيلة فنحن ذاهبون للمشفى أيضا. - آه شكرا سيدي، سأكون ممتنة لك. أبدت "إيناري" إمتنانها للمحقق، ثم سارت خلفه بعد أن شعرت بالخوف من تلك الأزقة: ~ مخيف! أتسائل كيف تبعته حتى هنا. أما "ياسوناري" فسار في شارع آخر وسط الزحام وقد بدّل بذلته وارتدى قُبعة مختلفة على رأسه، ليتذكر حين اختبئ بداخل منزل متهالك حين قدوم المحقق متذمرا: ~ ذلك الرجل... *** وصلت "إيناري" للمشفى لتجد جارتها سبقتها أي والدة الطفلة المخطوفة، فدخلا معا لحجرة الطفلة ليجداها شاحبة للغاية، بالكاد فتحت فاهها مُنادية: - ماما.. ركضت الوالدة نحو طفلتها لتضمها إليها والدموع تنهمر من عينيها: - سعيدة لكونكِ بخير... طفلتي العزيزة. شدت الطفلة على رداء والدتها وردت عناقها، وجعلت تردد في ندائها لأمها بتلك الحروف المُتقطعة المتألمة وهي تبكي. أما "ايناري" فظلت تمسح الدموع عن عينيها وهي تقف بعيدا تشاهُدهما بابتسامة حزينة تحملها على ملامحها. بعد أن هدأت الطفلة أخيرا التفتت الوالدة نحو "إيناري": - "إيناري شان". - ايه؟ أومأت الوالدة ل"إيناري" بالموافقة، فاقتربت "إيناري" منهما وجلست في الجانب الآخر من السرير، لتمسح على رأس الطفلة بابتسامة، وجعلت تُهدأ من روعها بلطف هي الأخرى. *** بعد عدة أيام وحين كان "ياسوناري" يسير عائدا لمنزله بين الأزقة الضيقة شعر بوجود شخصٍ يتعقبه: - من أنت؟ أظهر الرجل نفسه من خلفه فالتفت إليه "ياسوناري"، وإذا برجل آخر يشير بإضاءة المصباح القوية لوجهه بشكلٍ مفاجئ، فغطّى "ياسوناري" عينه اليمنى بيده متألما، لتتعرقل قدمه بما على الأرض من قطع الخردة، لكنه ثبت نفسه بركبته كي لا يسقط على وجهه، نزفت عينه التي غطاها فنزل الدم مُتخللا أصابعه. وبينما كان "ياسوناري" بمحنته التف الرجال ليفسحوا المجال لدخول رجل اكتسى أغلى الثياب وأرقاها بخلاف ما وقعت عليه قدماه: - ذلك لم يكن متوقعا! على الرغم من اختبائك وهروبك إلا انك عدت لديارك بكل ثقة! هل أنت وطنيٌّ لهذه الدرجة؟ سأل ذلك الرجل بابتسامة مُشفقة ساخرة، وحين لم يجد أي رد من "ياسوناري" الذي اكتفى بالتحديق به بعبوس شديد أضاف على حديثه بابتسامة أكثر خُبثا: - في الحقيقة أثني عليك حقا فقد تغافلتني! لكن كان عليك ألا تنسى ان هنالك أمور ليس بإمكانك تغييرها. كان هجومهم مفاجئا للغاية بالنسبة "لياسوناري" بالرغم من شعوره بتتبعهم له مسبقا إلا أن نزيف عينه أبطئ من ردة فعله قليلا، مما سمح لرجال ذلك الشخص في تلك اللحظة الوجيزة بإحاطته في مكان ضيق. وقف "ياسوناري" باستقامة أثناء حديث ذلك الرجل الذي كان واضحا بكونه قائد الجمع، ثم تلفت حوله بعينه اليسرى السليمة، وفي لحظة غفلة ركل بقدمه قطعة الحديد التي عرقلته نحو معدة أحد الرجال بقوة حتى جعلته يترنح من شدة الضربة ويُمسك بمعدته متألما، وقبل أن ينهض الرجل أو يتقدم غيرُه تحرك "ياسوناري" بسرعة وأمسك برأس من ضربه ليحني به ويدفعه عن جانبه ثم انحنى متفاديًا ذراع من بجانبه الأيمن عند محاولته القبض عليه، بينما ركل بمعدة من بالجانب الآخر، وركض لخارج ذلك التطويق أخيرا، أزاح رئيسهم بعينه بنظرة ثقيلة إلى حيث هرب "ياسوناري" وأمر رجاله: - لا تسمحوا له بالهرب! ركض خلفه الرجال وحين اقترب أحدهم من "ياسوناري" حين قلل من وقع ركضه عمدا التف بجسده بشكل مفاجئ ليركل بساقه اليُمنى من كان خلفه مباشرة عاجزا عن تفادي ركلة "ياسوناري" التي جائت مُباغتة أمامه، فدفع به "ياسوناري" بقوة للخلف ليقع على من كانوا خلفه، لكن هناك من أزاحوا للأطراف متفادين سقوط ذلك الرجل عليهم. استمر "ياسوناري" بالركض عبر الزقاق ولم تتوقف عينه تلك السماوية عن التلفت للحظة، ركل بقدمه كل حاوية مر بجانبها ليُعيق سرعتهم في اللحاق به، ولم تكن سرعة ركض "ياسوناري" بسهلة ليصلوا إليه بتلك البساطة. عندما استطاع فتح عينه المصابة أخيرا التف ليدخل لزقاق مختلف فسُمع صوت تحطم الزجاج، لكن حين وصل أولئك الرجال لذلك الطريق الذي سلكه "ياسوناري" توقفو بدهشة فلم يجدوا أثرا ل"ياسوناري" في ذلك الطريق المسدود، كان "ياسوناري" قد اختفى من أمام ناظرهم وكأنه الهواء، ولم يترك خلفه سوى قبعته التي كانت على رأسه ملقية على الأرض. *** - بحثنا في تلك المنازل ذات النوافذ المحطمة ولم يكن له أثر فيها. شرح أحد رجال ذلك الرئيس لقائده مُنزلا برأسه، لكنه جفل لشعوره بتلك الحرارة التي حرقت رأسه، كان ذلك رماد سيجارة قائدهم والذي دفن بسيجارته على رأسه ليُطفئها بكل برود. كان ذلك القائد غاضبًا بشدة إلا انه اكتفى بالصمت، انحنى عند ذلك الطريق المسدود الذي اختفى عنده أثر "ياسوناري" وأخذ بقبعته التي سقطت خلفه ليقف مجددا، نظر لتلك النافذتين المُحطمتين يمينًا ويسارًا، ثم رفع رأسه للأعلى ليُحدق بالنوافذ وصناديق أجهزة التكييف الخاصة بالمنازل: - استغفلكم أيها الحمقى وذهب للأعلى... - لكننا سمعنا تحط... - لن تنجحوا في النيل منه إذا ما بقي تفكيركم بهذه التفاهة... أخرج علبة السجائر من جيبه رافعًا بسيجارة منها فوضعها في فاهه ليُشعلها له أحد رجاله، تبسم بحاجبين منعقدين وعضّ بأسنانه على السيجارة في فيهه: - ذلك الشقي! تشه... لن تفلت في المرة المقبلة، فسأجد ما قد يأتي بك إلي بقدميك، ... ايه! ما بالك تعيش في هذه القذارة؟ أهذا ما آل إليه حالك؟! تذمر ذلك الرئيس مُتقززا من تلك القذارة التي داس عليها تحت قدميه، لكنه عاد لابتسامته الخبيثة: - ..لا بأس، أراك لاحقا... عزيزي "أكو".. *** ذهب "ياسوناري" لأقرب متجر طبي ليبتاع منه قطنة وشريطا لاصقا غطى بهما عينه التي توقف نزيفها، ثم سار في طريقه وقد بدا على ملامحه الباردة الغيظُ الشديد، بالرغم من كون ملامحه لم تتغير إلا ان نظرته أصبحت أشد برودا: ~ تشه، مالذي جاء به إلى هنا؟! رفع رأسه أثناء سيره ليجد شاشة الأخبار التي أعلن المذيع فيها: - ...الدبلوماسي "تاكاهاشي هيروماسا" عائدٌ لليابان بعد مرور أربعة أعوام من آخر عودة له وكعادته المحبة للخير فإ... حدّق "ياسوناري" بتلك الشاشة ببرود ثم اخفض رأسه متجاهلا تتمة الخبر، واتجه دون وعيٍ منه لطريقٍ مختلف عما اعتاد اجتيازه، ليمضي بجانب طريقٍ مليء بالناس يتسوقون. أثناء سيره بذلك الشارع كانت "ايناري" تسير في الطريق المعاكس له مع صديقاتها، فلفت انتباهها شعرُه الأبيض المائل للفضي لتلتفت بدهشة لمن جذب ناظرها بوجهٍ متسائل، رأت عينه المضمدة والشقوق على ملابسه واتساخها، فأشاحت ببصرها مُنكرة: ~ ذلك لا يمكن. لكنها أدركت متأخرا مظهره الذي عرفته قبل أسابيع وتذكرت "ياسوناري"، فالتفتت مجددا، لكنها تفاجئت لعدم إيجادها له. - "إيناري شان"؟! ما الأمر؟.. نادت عليها إحدى صديقاتها، فالتفتت "إيناري" عائدة للسير معهم: - اه آسفة... ظننت أنني لمحت شخصا أعرفه ...لكن يبدو أنني كنت أتوهم...! *** وصل "ياسوناري" لمنزلٍ صغير محترق حتى آخره ودون إدراكه لنفسه، لكنه تفاجئ حين أدرك أين تقف به قدماه، رفع رأسه مُحدقا بذلك المنزل المتهالك والذي لم يبقَ منه سوى العظم، فظهرت في رأسه صورة لذلك المنزل حين كان حيًّا في سابق عهده كلحظاتٌ عابرة [ لطفل صغير بشعر فضي تأمل تلك السماء الصافية المشابهة للون عينيه بينما جلس على عتبة ذلك المنزل عند حديقته الصغيرة، بصحبة رجل كبير في السن وامرأة وقفت خلفهما بابتسامة جميلة، وتلك اللحظة الأخرى لذات الصبي في عمرٍ أكبر قليلا وهو يبتسم تلك الابتسامة الخفيفة الجميلة مع من بدى كصديقه داخل المنزل، ثم ذكرى أخيرة كانت بعكس تلك اللحظات الدافئة مُظلمةً للصبي، حيث وقف بوجهٍ مرعوب حين رأى ذاك الجسد للرجل المسن على الأرض منقوعا بدمائه، ففتح الرجل الذي بالكاد تنفس شفتيه ليُحدث الصبي.] - أكان هذا ما تريده...؟ تمتم "ياسوناري" بسؤاله متنهدا، ثم أشاح بجسده وغادر تاركا خلفه ذاك المنزل المُحترق والذي تُرك للزمن ليلتهمه. *** في يوم آخر في الصباح الباكر جلس "ياسوناري" في أحد مقاعد الحدائق، لكنها كانت لحظاتٌ حتى لاحظ وجود شخصٍ يراقبه: - ما كُل هذا الإصرار؟ - كما هو متوقعٌ من عضو سابق! لن تغفل عن أي وجود حولك! أظهر الرجل نفسه، ليُجيبه بإعجاب، فقطب "ياسوناري" جبينه بغضب: - لا تُحدثني وكأنك تعرفني. أبدى الرجل دهشته لوهلة، لكنه أومأ باحترام: - معذرةً على وقاحتي، لكن سيدي الرئيس يرغب بلقائك. - ليس لدي سببٌ لقبول ذلك! ارتفعت شفّة الرجل بابتسامة خبيثة ورفع رأسه: - اه صحيح لا أظن ان هناك ما يُجبرك على ذلك، لكن... أتذكر أنها كانت تُدعى "ماروياما إيناري سان"؟! أليس كذلك؟ نطق الرجل باسم الفتاة التي كانت إحدى عملاء "ياسوناري"، لكنه لم يجد ردا منه، بل لم يرف جفن "ياسوناري" لذلك حتى، فأضاف الرجل: - أثناء بحثنا وجدنا أنها كانت آخر عملائك. رفع "ياسوناري" رأسه ليرمق ذلك الرجل بنظراتٍ شديدة البرود واضعا بيده في جيبه بوضعية استعداد للهجوم، ليجفل الرجل ويقشعر بدنه من الفزع، لكنه حاول قدر استطاعته إخفاء اضطرابه مبقيًا على ابتسامته: - لا زالت الخبرة باقية! - إن أدركت ذلك فابتعد حالا! - قبل رحيلي سيدي، هل أنت متأكد من انه لا حاجة لتلك الفتاة؟.. سأل سؤاله بنظرة مترقبة الإجابة حتى عندما لم يجد الإجابة تنهد بإحباط: - اه يبدو انه لم يكن لها فائدة حقا. كان "ياسوناري" ثابتا على حاله ولا تزال ملامح البرود على وجهه، رأى الرجل رد فعل "ياسوناري" الثابت فأخرج هاتفه ليفتح بثا مُباشرا والرجال يختطفون الفتاة المدعوة "إيناري"، ليخرج صوتها وهي تصرخ طلبا للنجدة، التفت ليرى رد فعل "ياسوناري" مجددا لكنه لم يجد أي استجابة، فأمر رجاله الذين يُقيدون الفتاة: - لا بأس، لا داعي للمماطلة معها فلتتخلص... - ... ذلك القذر ما زال يعلم بأكثر ما أكرهه، فلتوقف هرائك ولتخبره أني قادم. التفت الرجل في دهشة مما سمعه بالرغم من كونه لا زال يرى تلك الملامح الهادئة على وجه "ياسوناري" بينما تنهد، لكنه سُرعان ما تبسم وأمر رجاله: - خذوها. أغلق هاتفه ووضعه في جيبه ثم وضع يده على ناحية صدره الأيسر منزلا رأسه باحترام شديد، فنهض "ياسوناري" من مكانه ليومئ له بأن يرشده فأجاب الرجل: - حاضر سيدي... من هذا الطريق.. ***
0 مشاهدة · هل استمتعت بالسلسلة؟ اشترك وادعم مبدعها!
كن أول من يعلق!